Hits: 456

ahqaafيُعاب كثيراً على كتّاب السعودية والخليج تقصيرهم في تناول “أدب الصحراء”.. كون الصحراء بلُغتها وثقافتها وقسوتها وجمالها، كلها عناصر أكيدة في أية قصة محليّة الحبكة. طبعاً نذكر بدايات خُماسية عبد الرحمن منيف ونذكر أعمالاً من هنا وهناك، لعل آخرها (طعم الذئب) لعبد الله البصيّص. أما هذه الرواية: غوّاصو الأحقاف لأمل الفاران؛ فعمل بديع يستحضر الصحراء بكل تعقيدها الكامن، ويستحضر لغة منيف بل يتفوق عليها في مناطق عدة. إنها عمل جدير بالاحتفاء من ناحية الفكرة والمعالجة.

غواصو الأحقاف تسترجع تاريخاً قريباً غير منسي.. لكن بلغة جديدة. الرواية لعلها مبنية على موروث الكاتبة عن وادي الدواسر. هناك من أطراف نجد وأعماق الهول الرملي العظيم، حيث أساطير كثبان الأحقاف بممالكها البائدة من إنس وجنّ، تكتب الفاران عن الحب والجوع والحرب؛ الثلاثية التي رسمت حياة أجيال إلى أوائل أيام ابن سعود، حيث تزحزت الثوابت وأعيدت رسم ملامح الحياة.

 في تلك اللحظة التاريخية بالذات تختار أمل الفاران أن تكتب عن الوادي والجبل، حيث تستوطن ثلاثة أفخاذ من بطن واحد. ثلاث أسر يفرقها أكثر مما يجمعها.. ثلاث عشائر تكاد تفني بعضها قبل أن يفنيها الجوع. وهذه قد تبدو سردية مكرورة وقديمة، لولا أنها قد قُدمت في قالب لغوي أخّاذ. وفي حبكة تتقاطع فيها عدة قصص لا تلبث أن تتفرق لتلتقي في بساتين النخل، حيث تُتبادل قصائد العشق وطلقات البواريد، كلٌ في وقته، وفي الوقت ذاته أحياناً.

قصص حروب الصحراء كثيرة، لكن أمل الفاران تكتب هنا بقلم وقلب ولسان المرأة. وهذه قيمة مضافة عظيمة. وإن كانت أميمة الخميس مثلاً قد قدمت في (البحريات) شهادة المرأة على زمانها، فإن أمل الفاران تكتب شهادة المرأة على زمن الرجل، وعلى ما يدور في مجالس الرجال وقلوب الرجال. إنها تنفي كذلك تنميطاً مفاده أن عوالم الصحراء القديمة كانت ذكورية بحتة. لأن الأم والأخت والحبيبة حاضرون هنا حتى فيما الرجال يغرسون نصالهم في أجساد بعضهم. وحدها المرأة تملك أن تعري الرجل من أقنعة وأسمال البطولة والفروسية. في خدر المرأة، في حضن الأم، يرجع الفارس طفلاً. وقد نجحت أمل بحرفية عالية في تقديم هذه الصورة الشفافة بدون أن تركن المرأة على رف الرواي السلبي. هذه حبكة –والحال كذلك- متماسكة لأقصى حد؛ الشخوص كلهم مبررون وفاعلون. التصاعد في الأحداث منطقي وجذاب. اللغة –تحديداً- تتأرجح بين العامية والفصحى فلا يفقد القارئ صلته بما يجري ولا يفقد صلته بالمرحلة.
ثم هناك القدرة الفذة على الوصف: الرمل مثلاً بطل كامن. بسكونه المرعب وبغضبته المدمرة. بساطته الفجة وتعقيده المميت. نجحت أمل في أن تصنع من الرمل نظيراً لإنسان الصحراء وقريناً سردياً له. فإنسان الصحراء بسيط مباشر، عميق الغور كل حركة عنده بحساب. هذا التناقض الأصيل والذي لا يعيه بكل تفاصيله إلا ابن –بنت- الصحراء نجحت أمل الفاران في نقله لنا بوصفها، بحواراتها، جعلتنا نحسه ونعانيه، كما نقلت لنا شفافية الأرواح التي يثير صوت حفيف النخل، ورفيف أجنحة الحمام شجنها. الأرواح التي ينهل القصيد من بين شفاه أصحابها، وينهل الدمع من أعينهم، حزناً على تأخر غائب أو خيبة في الأمل من وصل حبيب. كل هذا وصفته أمل باقتدار مثلما وصفت عوامل الطبيعة التي لم تحرمها من مكانتها في الرواية، كما وصفت عوالم النساء الحافلة والملونة، ووصفت طعم قهوة الرجال المحمل بمرارة الفشل والصبر الطويل.

أفراد من قبيلة الهمدان - الكثيري في الربع الخالي. بعدسة الرحالة البريطاني ولفرد ثيسيجر. حوالي 1945

أفراد من قبيلة الهمدان – الكثيري في الربع الخالي. بعدسة الرحالة البريطاني ولفرد ثيسيجر. حوالي 1945

غواصو الأحقاف استحضار هام لزمن لم ينقض إلا راهناً. قبل أن تطل الحداثة برأسها وقبل أن تتغير قوانين كل الألعاب القديمة. زمنٌ ذكرياته الجينية قابعة في قيعان النفوس ما زالت. بين خطوط الجوع والحب والحرب كان إنسان تلك البقعة وذلك الزمن ينازع ليتعرف آدميته. يبحث عنها ليتشيث بها، وأحياناً ليتخلص منها عنوة.. والمبرر واحد: فقد كان يسعى لما يضمن له البقاء.. عمّا يبرره. غواصو الأحقاف هي محاولة لتبرير الاستمساك بالحياة. إنها مرثية لزمن الرقص في وجه الموت؛ ترقص النساء من خلف مقانعهن فيما الرجال متكئون على على أعقاب بواريدهم، رقصات سريعة خاطفة في استراحات قصيرة لا تلبث أن يقطعها أوان الركض فراراً بالنفس من المهلكات.. في انتظار فسحة أخرى للرقص فخراً بالنجاة.