Hits: 1107

نُشرت مقالتي هذه كملف لعدد مجلة القافلة نوفمبر – ديسمبر 2015م

غلاف عدد القافلة نوفمبر ديسمبر 2015

“من الذي اخترع الصفر؟”.
بقدر ما يثير السؤال من جدل –حد استفزاز النعرة القومية-، فإنه يضع يده على جوهر عظمة هذا الرمز. فالصفر.. شعار اللاشيء.. هو من الأهمية القصوى اليوم بحيث تفاخر أكثر من حضارة بدعوى اكتشافه وابتكار شكله. متى كان “اللاشيء” مدعاة للفخر؟ تلك هي سمة الصفر الباهرة.

فهذا الرقم الذي يرمُز للخواء والفراغ والعدم. هذا العنصر المحايد في الجمع والطرح، ذي الأثر التدميري في الضرب والقسمة، هذا الرقم الذي يحتل –نظرياً- منتصف خط الأعداد الممتد من اللانهاية إلى اللانهاية، والذي هو أيضاً قلب المستوى الهندسي المقسّم إلى أربعة أرباع، هذا الرقم الذي يمثل اليوم نصف أبجدية لغة الحواسيب التي يشغلّها المنطق الثنائي المكون من أصفار وآحاد، هذا الصفر البسيط في بنيته العظيم في أثره قد مرّ برحلة طويلة قبل أن يفرض ذاته وينال المكانة اللائقة به. ولعله من المدهش أن ندرك بأن الصفر قد تعرض لحرب شعواء شنّها عليه مَن اعتبروه رمزاً للشر المحض، ومَن تجاهلوه عمداً وعن سبق إصرار لقرون لأنهم عجزوا عن إدراجه في تصورهم للعالم “المثالي” وفق النصوص المقدسة ووفق المنطق الأرسطي الذي كانت جنايته على العلم –وعلى الصفر- موازية لأهميته في تطور العقلية العلمية في أوروبا تحديداً.

لم يكن الصفر مكروهاً في الشرق. كما وأن حضارات أخرى في آسيا والأمريكيتين تعاملت معه بودٍ ملحوظ. لكن الكنيسة في أوروبا عارضته في وقت كانت أوروبا بالذات تتدرج في معارج التفوق عسكرياً واقتصادياً. ويمكن القول بثقة أن الصلح المتعسر بين الصفر والحضارة الغربية يختصر الفصل الأخير من قصة تطور العلوم، بدءاً من إدراكنا لطبيعة موقع الأرض في الكون، إلى صياغتنا للمعادلات التي قادت لوضع النظرية النسبية. كل هذا التاريخ هو في جوهره تاريخ لعلاقتنا بالصفر الذي يحمل في تعريفه دلالات فلسفية عميقة قبل أن يكون مجرد رقم أو خانة في سلسال الأعداد. ومهما تعددت مبررات هذا المخاض العسير سيظل ابتكار الصفر كقيمة، والتصالح مع معناه، أحد أبرز إنجازات الجنس البشري على مر التاريخ.

من أين جاء الصفر؟

هناك روايات عدة لأصل الصفر. لكن قبل أن نخوض في تلك الروايات لنعرف من حظي بأفضلية هذا الاكتشاف الباهر، فلعلنا نواجه أنفسنا بالسؤال: لماذا تعرض الصفر بالذات لهذه الإشكالية في القبول به كعدد فيما لم تتعرض سائر الأعداد الأخرى؛ الواحد والسبعة والعشرة ..إلخ، لهذه الإشكالية وتم اعتمادها مبكراً في نظم التفكير والتدوين للحضارات الأولى؟
للإجابة على السؤال، ينبغي علينا أن نعي أن المبرر الأول للعدّ كان إحصاء ما يمتلكه المرء، من ذرية ومن ماشية ومن ثمار. هذه العناصر الأولى للاقتصاد كانت محور عمليات المقايضة الأولى. والتي كانت بسيطة جداً في مجملها. وقد اكتشف المؤرخون أن بعض الحضارات البدائية لم تكن تعرف من الإعداد إلا ثلاث قيم: واحد، اثنان، و “كثير”. هكذا كان كل ما يفوق الاثنين عدداً يعتبر كثيراً. بالنسبة لنظام عدّ بهذه البدائية فإن الصفر أو “اللاشيء” لم يكن رقماً معتبراً لأنه لم يكن قيمة أصلاً. لا أحد يخرج من بيته صباحاً ليشتري “صفراً” من الأسماك. والرجل الذي عنده “صفر” من رؤوس الماشية لم يكن يحق له أصلاً أن يدخل في أية عملية مقايضة بل لم يكن ذا اعتبار في ذلك العالم الأولي. كما أنه لم تكن هناك أية قناة ريّ طولها “صفر” ذراع أو أرض مساحتها “صفر”! هكذا لم تبرز الحاجة في البدء لإدراج قيمة غير محسوسة في نظام حسابي معتمد بالكلية على إحصاء الموجود والمعتبر.
لكن لاحقاً ومع ظهور الكتابة والتدوين وتطور العمليات الحسابية، توصل البعض إلى ابتكار رموز للتعبير عن هذا اللاشيء. وبدأ الصفر –أو ما يقوم مقامه- في الظهور لحجز خانة وللتعبير عن تضاعف القيمة في نُظم العدّ. وهذا الظهور لم يكن بشكل موحد وبالتوازي بين الحضارات القديمة. بل اهتدت إليه بعضها في حين ظل بعضها الآخر جاهلاً، أو متجاهلاً، للقيمة الصفرية.

يُعتقد على نطاق واسع بأن التعبير الأول عن القيمة “لا شيء” قد ظهر في بلاد ما بين النهرين قبل نحو أربعة آلاف سنة. ويعتقد كذلك أن البابليين قد ورثوا هذا الفهم عن السومريين والأكاديين ومن ثم ورثّوه بدورهم للهنود. فيما يجادل بعض المؤرخين بأن الهنود والصينين القدماء ابتكروا قبل غيرهم رموزاً منفصلة للصفر كرقم مستقل بذاته. كما تشير دلائل أخرى إلى أن شعوب المايا فيما يعرف اليوم بأميركا الوسطى قد طورت فهمها الخاص للصفر كذلك واستعانت به في حساباتها الفلكية المتقدمة. لكن ولأن حضارات الأمريكيتين قد ازدهرت بمعزل عن باقي العالم في آسيا وأوروبا بسبب موقعها الجغرافي، ونظراً لانغلاق الحضارة الصينية على ذاتها لفترة طويلة، فإن دور البابليين يحظى بالقيمة الأكبر عند دراسة التاريخ العالمي للصفر.
هكذا، وقبل الميلاد بثلاثة قرون، استخدم البابليون رمز “اللاشيء” على نحو مقارب جداً لما يفعل تلاميذ المرحلة الابتدائية اليوم. هذا الرمز ذو الهيئة المسمارية –نسبة للأبجدية المسمارية- كان يستخدم لتبيان أنه لا يوجد شيء في خانة العشرات في القيمة 309. وللتفريق بين القيمتين 70 و 700. لكن الصفر كما نعرفه في هيئته الحالية كرقم مستقل انتظر ثمانية قرون أخرى قبل أن يسفر عن ذاته.

الصفر: شرقي بامتياز

الرسمة الأولى التي عبّرت عن القيمة “صفر” ربما جاءت من آسيا، إذ اشتركت عدة حضارات تنتمي للرقعة الممتدة بين الصين والهند في اقتراح شكل لهذا الصفر وتعريف خصائصه خلال القرون الميلادية الأولى. سيظل الموضوع مثار جدل، بما في ذلك تحديد تاريخ الظهور الأول للصفر المستقل في الشرق بهنده أو صينه. لكن هناك شبه اتفاق بين المؤرخين على اعتبار الحضارة الهندية أول من أدرج الصفر في المعادلات وفي حل المسائل. كانت الرياضيات الهندية قائمة على ما يشبه القصائد الشعرية. وتعود أقدم الوثائق الهندية التي تكرّس للصفر كرقم مستقل في السلسلة 0,9,8,7,6,5,4,3,2,1 إلى القرن الخامس الميلادي. تلك السلسلة التي نتعامل معها اليوم بشكل تلقائي وتطالعنا في العديد من الاستخدامات الاعتيادية بعد ألف وخمسمئة عام من ذلك التاريخ.

في تلك الوثائق الهندية القديمة، يسمى الصفر (سونيا)، وهي لفظة سنسكريتية مرادفة لـ “فراغ” أو “فضاء”. وهناك رسمات مختلفة لهذا الرقم تتدرج بين الدائرة الصغيرة المفرغة والنقطة الواقعة أسفل السطر.
أياً يكن الأمر، فإن الإسهام الهندي في هذا المجال يتجاوز محض إعطاء الصفر استقلاليته كرقم إلى إدراك فرادة قيمته على خط الأعداد، كفاصل برزخي بين عالمين؛ عالم الأعداد الموجبة، وعالم الأعداد السالبة. وتعد القدرة على تصور المقادير السالبة (الأقل من الصفر) والتعامل معها كمعطيات في العمليات الحسابية قفزة نوعية في تطور العلوم البشرية، ولعل الدافع الأول لهذا الإدراك للقيّم الموجبة والسالبة ولموقع الصفر بينهما كان استيعاب مفاهيم “الربح” والخسارة” في التعاملات التجارية التي تطورت كثيراً منذ أيام البابليين.

 الصفر دوماً كان منتصف المسافة بين اللانهايتين

طوّر الهنود علم الحساب بشكل كبير إذاً، وتجاوزوا به حدود عدّ رؤوس الماشية فكانوا من أوائل من أدرك الخصائص الفريدة للصفر كما حددها الرياضي الهندي (براهماغوبتا) في القرن السابع الميلادي من خلال القواعد التالية:
قواعد براهماغوبتا:
– حاصل جمع الصفر وعدد سالب هو عدد سالب
– حاصل جمع الصفر وعدد موجب هو عدد موجب
– الصفر مضافاً إلى صفر يعطي صفراً
– حاصل قسمة عدد موجب أو سالب على الصفر تعطي نسبة عشرية
– الصفر مقسوماً على صفر يعطي صفراً

هذه القواعد على بدائيتها –وعلى علّاتها – مثّلت تطوراً مدهشاً لفهمنا لقيمة الصفر وتأثيره الحسابي. وتعد من المقدمات لثورة في علم الرياضيات حمل لواءها العلماء المسلمون خلال القرون التالية.

 

بين بغداد وقرطبة: الصفر يولد من جديد

عرف العرب الصفر لغوياً وكفكرة منذ القدم. غير أنهم لم يبتكروا نظاماً عددياً خاصاً بهم إلا بحلول القرن التاسع الميلادي (الثاني الهجري)، حين بات بلاط الخليفة العباسي المأمون الموئل الأول للترجمة والبحث في العالم. وقابله في الأهمية والأثر بلاط الخلفاء الأمويين في الأندلس.
في بغداد ازدهرت مدارس من قبيل (دار الحكمة) حيث اشتغل محمد بن موسى الخوارزمي على تطوير علوم الأمم الأخرى والبناء عليها. وبفضل ترجمة أعمال الهنود وسواهم، ابتكر الخوارزمي علم (الجبر) والذي يقوم –كما يوحي الاسم- بحل المعادلات ذات المجاهيل عبر جبر النقص بين طرفي المعادلة. كما طوّر الخوارزمي طريقة متسلسلة لحل المعضلات الرياضية –كانت موجهة أساساً لمسائل المواريث-. وما يزال هذا الأسلوب منسوباً له حتى اليوم ويعرف بالخوارزمات (Algorithms بالإنجليزية).

قد تكون النسخ الأولى من مؤلفات (براهماغوبتا) وصلت للعرب زمن الخليفة المنصور. والثابت أن الخوارزمي قد استوعب معارف الهنود والبابليين فحسّنها وعدّل فيها. من ذلك اعتماده لشكل الصفر ولكامل سلسلة الأرقام الهندية، وتحديد دور الصفر في حل المعادلات الخطية ومن الدرجة الثانية. بحيث توضع دائرة أو نقطة مصمتة في خانة الناتج إذا كان حاصل العملية صفراً كي لا يلتبس الأمر على القارئ.
نقطة أم دائرة؟
للصفر (العربي) شكلان. فهناك صفر المشارقة الذي ينتمي لعائلة الأرقام “الغبارية” ويبدو كنقطة، وهناك صفر المغاربة المنتمي لعائلة الأرقام “الهندية” ويبدو كدائرة فارغة.
في الغالب فإن كليّ الشكلين هندي الأصل. وتثبت مخطوطات تعود للقرن الثالث الهجري (العاشر الميلادي) أصفاراً دائرية صغيرة جداً تبدو كأنها نقاط. والراجح أن النقطة في الرسم الغباري قد تم اعتمادها نهائياً للتفريق بين دائرة الصفر ودائرة الرقم خمسة.
إن الدور الذي قام به علماء الحضارة العربية، هو بمثابة نفخ الروح في الصفر وسواه من الأرقام التي ما تزال حية ومعتمدة عالمياً إلى اليوم بفضلهم. إضافة لتكريسهم لقواعد الحساب والجبر الحالية ولنظام الفاصلة العشرية. ثبّت العلماء العرب أشكال الأرقام. وقرروا أن الصفر على شمال العدد ليست له قيمة عكس الصفر على يمينه. كما يُعتقد أنهم قد طوروا رسم الأرقام –التي باتت تُعرف بالعربية- مستوحين رسمة كل رقم من عدد الزوايا التي تحملها. وكان اللافت أن الصفر كان برسمتيه الدائرية والمنقوطة خلواً من أية زوايا.

إن الانتشار الواسع لهذه الأرقام في الثقافة العربية آنذاك، بما في ذلك الاعتماد الصريح للصفر كرقم مستقل، واعتماد قيم الخانات من آحاد وعشرات وسواها، إضافة لتطوير طرق الحساب السهلة والتفوق في الجبر وعلوم الرياضيات، كل ذلك أتاح للحضارة العربية مجالاً للتفوق والازدهار في العلوم المختلفة من فلك وطب. فضلاً عن تطوير التطبيقات الهندسية من أعمال البناء والريّ. والأهم من ذلك أن التجارة قد انتعشت بفضل فشو المعرفة بالحساب بين الناس. كل ذلك انعكس إيجاباً على المنظومة الحضارية ككل. ولأن الأندلس كانت جزءاً فاعلاً في تلك المنظومة، فسرعان ما انتقلت العدوى الحميدة إلى أوروبا. وكان الصفر المطوّر واحداً من أهم المنح التي تلقتها أوروبا من عرب الأندلس.

أصل الكلمة
صفِرَ يَصفَر ، صَفَرًا وصُفورًا ، فهو صافِر وصفِر
صَفِرَ : خَلاَ ، يقال صَفِرَ البيتُ من المتاعِ ، وصَفِرَ الإناءُ من الشراب ، وصَفِرتْ يَدُهُ من المال أي خلَت وفرغت.
وفي شهر (صفَر) قيل: سمِّي بذلك لإصفار مكَّة (أي خلوّها) من أهلها إذا سافروا فيه، وقيل: سَمَّوا الشهر صَفَراً لأنهم كانوا يحلّونه محلّ الشهر الحرام (المحرم) فيغزون فيه فيتركون من لقوا صِفْراً من المتاع.

الصفر وأوروبا: عداوة أتبعتها محبّة

لم تكن أوروبا العصور الوسطى جاهلة بالصفر، لكن العلاقة بين الأوروبيين وهذا المفهوم بقيت موغلة في التعقيد لأسباب فلسفية ولاهوتية في المقام الأول. والحقيقة أن أوروبا قد تجاهلت الصفر عنوة إلى القرن الثاني عشر الميلادي حيث أدى التأثر بالحضارة العربية إلى تبني هذه الفكرة وتبع ذلك تغيير حقيقي في البنية الفكرية الأوروبية.
إن حضارة أوروبا وفكرها مرتهنان كثيراً بفكر الإغريق ومن ثم الرومان. وبتتبعنا لتاريخ الصفر سنجد في البداية أنه شكّل معضلة بالنسبة للمخيلة البشرية ولفهم الإنسان للعالم من حوله. هذه المعضلة دفعت الإغريق، الذين ورثوا حضارة المصريين القدماء، إلى أن يقلدوهم في تجاهل الصفر ولا يخصصوا له رمزاً في نظام أعدادهم الذي لا يعترف أصلاً بالخانات العشرية. لأن الصفر كان رديفاً للّاشيء. وبحسب مدرسة التفكير الاغريقية وفلسفتها التي كانت ممتزجة بالرياضيات حد التماهي، فاللاشيء ليس له وجود في العالم المحسوس.

قرر فلاسفة الإغريق أن هذا العالم الذي نعيش فيه يحكمه النظام، وأنه قبل خلق العالم لم تكن إلا الفوضى والعدم. كما قرروا بأن نهاية العالم لن تكون إلا عودة للفوضى. هذا الخوف من النهاية دفعهم لرفض وجود “اللاشيء”.. الذي هو رديف العدم.

قال الإغريق القدماء أننا؛ بحكم وجودنا في عالم يحكمه النظام، حتماً يوجد “شيء” ما حولنا على الدوام! مصرّين على أن لكل موجود جوهراً -أسماه العرب “الهيولي”-. واعتبر الإغريق أنه من قبيل الجنون أن نفكر –مجرد تفكير- بأن هناك حيزاً مشغولاً بالعدم أو الفراغ المطلق. وإذا حولنا هذه النظرة إلى أرقام. فلا مكان للصفر. لا مكان لقيمة لا جدوى من جمعها إلى أو طرحها من قيمة أخرى حقيقية. ما معنى أن تضرب رقماً في صفر ليكون الناتج صفراً؟ كما وأن القسمة على الصفر عُدّت بمثابة التجديف وكارثة ماحقة. هكذا فكّر الإغريق وهكذا نفوا الصفر من أفكارهم ودراساتهم التي كرّست للجمال والكمال الهندسي عبر نسب رقمية هي عبارة عن نواتج قسمة واضحة.. منها (النسبة الذهبية) على سبيل المثال.

في الواقع فإن أساطير شعبية من عدة حضارات حذرت من انهيار الكون وعودته للّاشيء العدمي. وقد دفع الصفر ثمن هذا الخوف البرّي القديم.
أرخميدس والرياضيون القدماء المهتمون بحساب المساحات اتفقوا على بدهية مفادها أن أي رقم إذا أضيف إلى نفسه مرات ومرات، فإن المحصلة ستكون بالنتيجة رقماً كبيراً جداً أكبر من سواه من الأرقام. هذه البدهية البسيطة لم تنطبق على الصفر، لأن صفر + صفر = صفر. كما وأن الصفر مضافاً لأية قيمة أخرى لا يغير شيئاً. لماذا نتجشم عناء تنفيذ عملية أحد أطرافها هو “اللاشيء”؟ تساءل الإغريق، مُتخلين عن الصفر في نظام عدهم وحسابهم.

تضارُب الصفر بقسوة مع تصور الكون الذي وضعه فلاسفة الإغريق الكبار؛ أرسطو وبطليموس وفيثاغورس، والذي لا مكان فيه للعدم، أدى إلى رفض الصفر كمبدأ. وورثت الحضارة الغربية هذا الرفض لقرون طويلة ودفع الثمن غالياً جداً، إذ تم تقبل تصور معدّل للعالم تعايشت معه أوروبا على مضض، إلى أن جاء العرب.

الصفر رديفاً للشيطان

مع تحول أوروبا للمسيحية خلال القرن الرابع الميلادي بقيت كثير من رواسب الفلسفات القديمة في قيد الاعتناق. وتم تطبيق الفهم الرياضياتي القديم، غير المتصالح مع الصفر، لتفسير النصوص المقدسة ولدراسة الظواهر الطبيعية.

هنا صار الصفر رديفاً للشيطان، كمضاد للقيمة “واحد” التي رُمز بها للحقيقة المطلقة ولسلطة النظام. هكذا ظل الصفر مقصياً عن الرياضيات وغير مُعبر عنه برمز مستقل. وظل عصياً على التفسير “المنطقي” كمعامل ذي أثر عبثي في عمليات الجمع والطرح، وأثر تخريبي في عمليات الضرب والقسمة.

لكن هذه النظرة الأرسطوية الرافضة للصفر وما يمثله من عدمية تتنافي مع جوهر المادة لم تلبث أن اصطدمت بفكر الكنيسة. فإذا لم يكن هناك عدم، فما الذي سبق الوجود؟ لا شيء! لكن نفي وجود اللاشيء والقول بوجود الكون دوماً ومنذ الأزل هو اعتراف ضمني بمفهوم آخر لا يقل شيطانية في الفكر الأوروبي آنذاك ألا وهو مفهوم “اللانهائية”؛ لا نهائية بداية الزمن. والاعتقاد بلانهائية الكون زلزل ثوابت الكنيسة لأنه عنى أنه ليس ثمة مركز للكون اللامتناهي في وقت كان نفي مركزية الأرض للكون ودوران كل الأجرام حولها يعد هرطقة وكفراً بواحاً!
تجسدت المعضلة التالية أمام رياضيي أوروبا: إذا كانت هناك كمية محددة –الصفر- تعبر عن اللاشيء، فهذا يعني أن اللامحدود موجود. لأنه إذا كان وجود العدم -اللاشيء – ناتجاً عن محدودية المادة، فإن ضمان نفي اللاشيء يقتضي وجود كمية لامتناهية من المادة!

هذه العلاقة الترابطية بين اللاشيء واللانهائية شكّلت تحدياً سافراً للفكر القديم وكرّست لحتمية اعتماد الصفر والاعتراف به في أوروبا. لقد كانت كل النظريات الفلكية المضادة لأفكار الكنيسة التي جاء بها تنويريون أمثال كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو معتمدة في جوهرها على الإقرار بالصفر: كحقيقة وجودية وكقيمة رياضية. ومحاربة الكنيسة لهذه الأفكار كانت في الحقيقة رفضاً ضمنياً للصفر وتبعاته.
لم يعان العرب أو الهنود من هذه الإشكالية الوجودية مع الصفر. وجرؤ العرب على فعل ما لم يفعله الأوروبيون، إذ أنهم هجروا المنظور الأرسطوي للعالم باكراً مدفوعين بسجالات أعلام عصرهم الذهبي أمثال البيروني وابن رشد وأبي حامد الغزّالي. قبِل العرب بوجود اللاشيء، قبلوا بوجود الفراغ. ومع الفراغ قبلوا بتكوّن المادة من ذرات متناهية في الصغر وقبلوا مفهوم اللانهائية. كان لذلك كله أثر بالغ في تطور الفكر العربي الإسلامي مقابل الفكر الغربي الذي اضطر أخيراً لمواجهة فلسفات أرسطو مدفوعاً بتقليده للعرب إبان أوج حضارات بغداد وقرطبة.

لكن قبول أوروبا التدريجي للصفر بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر للميلاد لم يتحقق بدوافع فلسفية أو علمية وحسب. إذ يذكر المؤرخون أن الأرقام العربية، وفي مجملها الصفر، قد حُملت إلى أوروبا بواسطة شاب إيطالي وُلد في المغرب العربي وعرف لاحقاً باسم (فيبوناتشي- Fibonacci). هذا العالم الرياضي الفذ له إسهامات علمية باهرة ما نزال ننعم بإرهاصاتها لليوم، وقد تبنّى فيبوناتشي الصفر العربي بكل حماسة في متوالياته الهندسية الشهيرة. من إيطاليا انتشر استخدام الصفر والأرقام العربية التي اكتشف التجّار الأوروبيون أنها أفضل بكثير من نظم العد القديمة وأدعى للدقة في ضبط الدفاتر وتوثيق حسابات الربح والخسارة. عبثاً حاولت الكنيسة وحاول المحافظون دفع مدّ هذه الأرقام العربية التي كانت الشهوة للمال هي الدافع الأكبر لقبولها لدى التجّار والمرابين أولاً، فضلاً عن دورها الحاسم في بلورة أفكار النخب المتعلمة.

من “صفر” إلى “زيرو”
لم تعرف اللغة الإنجليزية الكلمة Zeroحتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي. هذه اللفظة جاءت من اللغة الفرنسية نقلاً عن الإيطالية Zefiro. وأصل اللفظ عربي من “الصفر”.
تعامل الأوروبيون ابتداءً مع الصفر العربي كلغز سحري. وفي بدايات استخدام الأرقام العربية في السجلات التجارية الأوروبية، كانت المعرفة بهذه الرموز محدودة لدرجة أنها عُدت وسيلة مثالية لتمرير المعلومات السرية. من هنا كذلك تطورت عبارة Cypher التي أعيد تعريبها إلى “شفرة” وهي في الأصل منحوتة من “الصفر” وإخوته من الأرقام العربية المبهمة المعنى على الأوروبيين آنذاك.

الصفر نقطة الأصل
قبل نيوتن ورفاقه، ظهر فيلسوف ورياضي فرنسي اسمه رينيه ديكارت. نُسب إليه القول: أنا أفكر إذاً أنا موجود. وقد قاد تفكير ديكارت لتعزيز مكانة الصفر بل ولجعله نقطة المركز والقلب للنظام الإحداثي الذي ينسب إليه اليوم فيما يعرف بـ (مستوى ديكارت الإحداثي).

يعتمد مستوى ديكارت على تقسيم العالم ثنائي الأبعاد إلى أربع أرباع تخيلية بواسطة محورين أحدهما أفقي (المحور السيني) والآخر رأسي (المحور الصادي). وبواسطة تقسيم هذين المحورين أو الخطين إلى وحدات متساوية فسيسعنا تعيين موقع أية نقطة على المستوى عبر معرفة إحداثياتها السينية والصادية. بطبيعة الحال فإن كليّ المحورين يمتدان من المالانهاية إلى المالانهاية ابتداءً من نقطة الأصل ذاتها.. ألا وهي النقطة (0, 0).

هذه النقطة الصفرية هي الأصل النظري لكل الظواهر والمعادلات الرياضية التي نعرفها اليوم. عليها بنى نيوتن ولايبنتز حين رسما دوال الاشتقاق الخاصة بهما. كما أن أي دارس لعلم المثلثات في زماننا سيرسم دوال الـ (جا، جتا، ظا، ظتا)، وسيطبق معادلات دوائره التي هي أساس الهندسة الابتدائية وفقاً لهذا المستوى حيث سيختار غالباً مركز الدائرة في النقطة (0،0). وبعد نيوتن بقرنين سيأتي الألماني هيرتز ويستخدم المستوى الديكارتي ليرسم موجاته التي على أساسها فهمت طبيعة الضوء والكهرومغناطيسية وحلت معادلات النظرية النسبية.

الصفر: نصف أبجدية المنطق الثنائي

لم تقتصر علاقة الرياضي الألماني لايبنتز مع الصفر على علوم التفاضل والتكامل. بالإضافة لكونه رياضياً، فإن لايبنتز كان فيلسوفاً اهتم بصياغة نظام رياضي يشرح الكون بأسره. وينسب له القول: “في هذا الوجود ليس هناك إلا مطلقان اثنان: الله والعدم”.

من تلك النظرة الفلسفية للوجود اقترح لايبنتز نظاماً رياضياً متكاملاً مبنياً على القيمتين 1 و 0 –أو “صواب” و “خطأ” في العرف المنطقي البشري- بحيث يمكن التعبير عن أي قيمة وجودية بأحد القيمتين. لنأخذ العبارة:
الرياض هي عاصمة المملكة العربية السعودية
هذه عبارة لها قيمة منطقية تساوي 1. أما عبارة:
الشكل المربع له ثلاث زوايا
فهي عبارة تستحق القيمة المنطقية 0 أو “خطأ”.

هذا النظام المكون بكليّته من أصفار وآحاد يُعرف اليوم بالنظام الثنائي أو الـ Binary System والذي وإن لم تكن فائدته أو تطبيقاته واضحة تماماً زمن لايبنتز، إلا أنه يُعد اليوم عماد تقنيتنا الرقمية بأسرها. سميّت “رقمية” لأنها تعتمد على الرقمين 0 و 1 لتمثيل جميع أشكال البيانات التي نتبادلها من صور ونصوص وفيديوهات إلخ. ولهذا نجد الرمزين “صفر” و “واحد” معتمدين كشعار للحضارة الرقمية عموماً.

بقيت أفكار لايبنتز معلّقة لـمئة وخمسين عام من بعده إلى أن جاء رياضي بريطاني اسمه (جورج بُول – George Boole) في القرن التاسع عشر وقدم للعالم أساسيات ما يعرف اليوم بالجبر البولياني، والذي يختلف عن الجبر التقليدي أو الخوارزمي في أنه يعتمد على نظام لايبنتز الثنائي والمكون من القيمتين 1 و 0، ولا يقتصر على العمليات الحسابية التقليدية مثل الجمع والطرح والقسمة فقط، بل يقدم عمليات تسمى الروابط المنطقية أخرى لخّصها (بُول) في العمليات “و”، “أو” وَ “ليس”.

إن هذه المقاربة التي قدمها (جورج بُول) في القرن التاسع عشر وبنى عليها علماء كثيرون بعده هي القوة الدافعة التي يستند عليها المنطق الإلكتروني اليوم. ذلك أن الحواسيب الإلكترونية في صيغتها الأولى قد استلهمت الحالتين المنطقيتين 0 و 1 للتعبير عن التيار الذي يمر في الدارة الكهربائية. وبالمثل فقد تم تصميم الرقائق التي تزخر بها حواسيبنا وهواتفنا الجوالة اليوم من هذا المنطلق.

وبالمقابل، فإن حضارة الإنترنت التي نعيشها اليوم مبنية على تحويل كافة أشكال التواصل البشري من لغات وأرقام وصور إلى مقابلات ثنائية (بتّات) مكونة من أصفار وآحاد يسع المعالجات الإلكترونية أن تحولها إلى نبضات كهربائية وأن تتبادلها وتعالجها ثم تعيد تحويلها إلى مادة صالحة للاستهلاك الآدمي عبر أبجدية ثنائية قائمة على الصفر.. ونظيره الواحد.

“صفر على الشمال”
ربما لم يخطر ببال البراهماغوبتا ولا الخوارزمي أن القاعدة التي وضعاها لهامشية الصفر على شمال الرقم ستتحول إلى تعبير دارج على الألسن يُستخدم لتوجيه الإهانات، أو لتحفيز الآخرين من قبل مدربي تطوير الذات.
“لا تكن صفراً على الشمال” عبارة يوجهها الأب لابنه والمعلم لتلميذه. إنها دعوة لأن تكون لأحدنا قيمة يحددها هو باختياره لموقعه من الآخرين في هذا العالم. إنها دعوة غير مباشرة لأن نكون أصفاراً على اليمين، أو بكلام آخر، بأن نكون بوجودنا وبجهودنا ذوي تأثير مضاعف وحقيقي. كما ينقل الصفر على يمين الرقم القيمة من خانة إلى خانة أعلى ويضاعفه عشر مرات.

 

صفرٌ سيء.. وآخر جيّد
بالرغم من أن الصفر يعبر عن اللاشيء، فإنه ليس بالضرورة مقترناً بالخسارة.
صحيح أننا نقول بأن فلاناً قد عاد “صفر اليدين” للدلالة على الخيبة. كما وأن الدرجة “صفر” في الامتحان هي الأسوأ إطلاقاً. لكن لنتفكر في الراحة التي يجلبها احتمال 0% لوقوع حادثة لطائرتك، أو في نتيجة صفرية لتحليل طبي هام. ماذا عن خسارتك لصفر من الريالات؟ إن الظفر برأس المال لهو الخير بعينه أحياناً!
ماذا عن التعادل بنتيجة “سلبية”؛ صفر مقابل صفر، في إياب مباراة النهائي، فيما انتهت مباراة الذهاب على أرض الخصم بتقدمك 1-0؟ هذا صفرٌ مكلل بالفرحة!

 

الحرارة صفر.. لكن وفق أي ميزان؟
لسكان المناطق الحارة، تبدو درجة الصفر المئوي مرعبة كونها مقترنة بالتجمد. وهذه المعلومة صحيحة طالما نحن نستخدم المعيار الذي وضعه السويدي (أنديرس سِلسيوس) عام 1742م، مقسماً طيف الدرجات إلى مئة قسم متساوٍ. تبدأ بالصفر حيث درجة تجمد الماء، وتنتهي بالدرجة 100 مئوية حيث درجة غليان الماء.
لكن هناك موازين أخرى تختلف معها قيمة الصفر. ففي الولايات المتحدة مثلاً، حيث يعتمد مقياس (فهرنهايت) عوضاً عن (سِلسيوس) لقياس حرارة الطقس، فإن الصفر الفهرنهايتي يعادل 17 تحت الصفر وفق معيار سِلسيوس. وهذا الصفر تم اختياره وفقاً لدرجة تجمد مزيج الماء والثلج والملح كأدنى درجة حرارة تمكن صاحب هذا المعيار (دانيال فهرنهايت) من الحفاظ عليها في معمله.
على صعيد آخر، فإن المعيار الدولي لقياس درجة الحرارة يسمى (الكَلڤن). يُستخدم الكَلڤن عادة في التجارب العلمية كمقياس لدرجة نشاط الجزيئات في المادة وفق علم الديناميكا الحرارية. وتمثل درجة صفر كَلڤن –تسمى بالصفر المطلق-المستوى الذي تتوقف عنده حركة الجزيئات تماماً، وهي تعادل حوالي 273 درجة تحت الصفر المئوي.

 

الصفر مفتاح دولي
مرّ زمان كان الصفر فيه رمزاً لرفاه غير متاح للجميع. كان ذلك قبل أيام الهاتف المحمول وقبل شبكات الإنترنت اللاسلكية. حينها كان خط الهاتف الأرضي هو وسيلة التواصل الأسرع عبر الحدود وبين القارات. لكن ليس لكل أحد. فالخط (الدولي) الذي يستلزم أن تستفتح مكالمتك بـ (صفر) باذخ لم يكن لأي من مشتركي خدمة الهاتف. كان ذلك الصفر يتطلب واسطة للحصول عليه أولاً، كما لم يكن الكل مستعداً لتحمل نفقات استخدامه الباهظة مقارنة بالرقم المحلّي.. الذي لا يبدأ بصفر.
ذلك الصفر الدولي تحول لعلامة فارقة بين الطبقات في بعض المجتمعات. غالباً ما كان شيخ القرية أو كبير الحيّ مستحوذاً على الصفر في هاتفه (الحكومي) الذي قد يتاح لذوي الحظوة بين فينة وأخرى. الأحياء المحظوظة نعمت بوجود هاتف عمومي قد يتيح الصفر إن سمحت ظروف المقسّم. تمنّع الصفر الدولي على عموم الشعب فتح الباب أمام فرص التكسب. مضى زمن كانت فيه (كابينة الهاتف) بمثابة “البزنس” المربح، حيث يمكنك كزبون مقابل مبلغ ما أن تشتري دقائق لتتحدث مع من تحب أو من تحن إلى صوته، أو أن تجزي وقتك في مكالمة خارج مدينتك أو دولتك مستمتعاً بنعمة الصفر الدولي متجاوز الحدود!
جاء الهاتف الجوال وجاءت الألياف البصرية فأطيح بالصفر الدولي من على عرشه. بل وبات خط الهاتف الأرضي مهدداً بالانقراض. صحيح أن أرقام جوالاتنا كلها تبدأ بالصفر الآن.. معظمنا لا تلفته هذه الملحوظة.. لكنها عند البعض نفحة من ذكرى غير بعيدة.

 

أصفار على الخارطة
ثمة صفران مهمان جداً، ووهميان على خريطة الأرض؛ هما الخاصان بدائرة العرض 0 (خط الاستواء)، وخط الطول 0 (خط غرينتش).
هذا الخطان المتخيلان يقسمان خريطة كوكبنا إلى مربعات تسهّل علينا تحديد المواقع، كما هو الحال مع الإحداثيات الديكارتية على الورق.
دائرة العرض 0 تقسم الكرة الأرضية لنصفين متساويين، شمالي وجنوبي، عبر خط الاستواء. أما خط الزوال أو الطول 0 فقد تم اعتماده عام 1884م وفقاً لنفوذ الإمبراطورية البريطانية ليمر في ضاحية غرينتش. يتقاطع الخطان الصفريان في المحيط الأطلسي جنوب ساحل غانا مباشرة. ولتحديد الموقع بدقة أكبر تتم الاستعانة بنقطة صفرية ثالثة مرجعها الارتفاع عن مستوى سطح البحر.

 

رقم السنترال
“للمساعدة في أي وقت اضغط زر الصفر”. هذه الرسالة المسجلة التي تتلقانا بها أرقام الخدمات تحمل انتصاراً ضمنياً للصفر بعد قرون وموروث من التجاهل والتهميش. الصفر هو نقطة البدء في رحلة البحث الهاتفية. إنه رقم السنترال أو عامل البدالة. الصفر هو رقم المساعدة.
في الأدب والسينما..
صِفران = تصريح بالقتل!

صفر.. صفر.. سبعة. هذه الكلمات الثلاث كفيلة ببث الإثارة في عروق ملايين محبي أدب وأفلام الجاسوسية. هي شعار عالمي يندر أن تجد من يجهل دلالته. 007 هو رمز العميل الاستخباراتي البريطاني (بوند).. (جيمس بوند)، والذي ما يزال ذا حظوة عند محبيه ممن تتابعت أجيالهم منذ أبدعته مخيلة (إيان فليمينغ) عام 1953م.
يبدو عالم جيمس بوند التخيليّ متكاملاً بكل تفاصيله. لا غرو، فمبدعه فليمنغ عمل لصالح القوات الملكية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية واختلط بشخصيات عسكرية واستخباراتية حقيقية، ذكر فيما بعد أن كلاً منها قد ألهمه شيئاً من الخلطة التي صبها هو في النهاية في الشخصية التي ابتكرها لاحقاً.
ماذا يعني الصفران اللذان يسبقان السبعة في الرقم الخاص بجيمس بوند؟ إنه تصريح مفتوح بالقتل. فبحسب ما قرر المؤلف إيان فليمنغ، فإن مكتب الاستخبارات الإنجليزي MI6 قد أتاح لنخبة منتقاة من عملائه أن يمارسوا التصفية الجسدية بحق خصومهم، وفقاً لتقديرهم الشخصي، طالما سيؤدي ذلك لنجاح المهمة قيد التنفيذ. وهؤلاء العملاء المنتقون كلهم بعناية والمتمتعون بكفاءة عالية تبدأ أرقام تعريفهم بصفرين اثنين.
كم عميلاً من هؤلاء.. من طراز جيمس بوند. تم منحه رمز الصفرين؟ الكثير في الواقع. فبالرغم من أنه تصنيف تخيلي لم يعتمد رسمياً، إلا أن إيان فليمنغ وسواه من المؤلفين الذين استغلوا حبكة عوالم جيمس بوند ليقدموا أعمالاً إضافية تحت مظلة MI6 قد اختلقوا ما لا يقل عن اثني عشر عميلاً وعميلة يخدمون لصالح حكومة جلالتها ولديهم تصريح مفتوح بالقتل. وعليه، فإن هذين الصفرين هما الأكثر إرعاباً ودموياً بين كل ما تقدم في هذا الملف!

 

لحظة الصفر.. لحظة الذروة
استفتح العلم فصلاً جديداً بتفجير القنبلة الذرية الأولى في صحراء (نيو ميكسيكو) صيف عام 1945م. لقطات الفيديو التي خلدت تلك اللحظة الرهيبة تبدأ المشهد بعد تنازلي. وعندما يعلن الصوت: “صفر”.. تتبدد ظلمة الليل بوهج الانفجار المروع، ونتذكر أن البشرية قد ابتكرت طوعاً سلاحاً قد يبيدها!

بعد ذلك بعشرين عاماً يستفتح العلم وتستفتح البشرية معه فصلاً مثيراً آخر هو فصل غزو الفضاء. ومجدداً نتابع الصوت الرصين الذي يعد تنازلياً من العشرة إلى الصفر. دائماً تكون لحظة الصفر مقترنة بانفجار عظيم يحدث بعده أمر جلل. هذه المرة يؤدي الانفجار لاندفاع الصاروخ المحمل برواد الفضاء إلى الأعلى بتسارع مريع. من الصفر إلى 29 ألف كيلومتر في الساعة، سرعة لم يكن الذين ابتكروا الصفر ليحلموا بها.

الصفر يقتضي الانطلاق. “حانت لحظة الصفر”.. هذا التعبير الذي يقتضي الحسم والإنجاز. يقتضي نفاد وقت الانتظار والشروع في التنفيذ والعمل. لم كان الاقتران بالصفر تحديداً؟ ذلك الرقم الذي استغرق قروناً عدة كي يتم الاعتراف بشرعيته. لم لا يكون العد تصاعدياً؟
في أفلام الإثارة ثمة لازمة مكرورة.. لكنها لا تخيب أبداً في أسر انتباه المشاهدين. لازمة العدّاد الذي تتسارع الأرقام على شاشته في الطريق نحو الصفر. ليس على البطل إلا أن ينقذ المشهد لكن قبل حلول اللحظة صفر. على البطل أن ينزع الفتيل، أو يقضي على الوغد الشرير، عليه أن يركض وأن يقفز وأن يغالب آلامه ومخاوفه لينتصر. والانتصار ليس إلا على الساعة. في كل الأفلام يفوز البطل ويسبق اللحظة صفر. نعرف أنه سيفعلها. لكننا نستمر في التوتر وتتسمر أعيننا على الشاشات متمتعين بانتصار البطل، لأننا نعرف أنه في واقع الحياة، فإن اللحظة صفر تسبقنا بدون حتى أن تعلن عنها أرقام تتسارع متهاوية نحو الرقم المحتوم.

 

.. وقد تكون اللحظة الأولى.. أو ما قبلها!
يتندر المهندسون عموماً من المتخصصين في علوم الحاسب الآلي كونهم يبدأون العد من الصفر. الواقع أن المبرمجين يبدأون ترقيم المحتويات في المصفوفات الرياضية بالصفر، أم المحتوى الثاني فيكون رقمه “1”.. وهكذا دواليك!
لكن.. بين الأرقام العشرة الأولى على قرص الهاتف القديم، ما هو موقع الصفر حقاً؟ هل يأتي بعد التسعة؟ أم قبل الواحد؟

أنصار الخيار الثاني ليسوا بأقلية، نذكر منهم الفيزيائيين كذلك والمهتمين جداً بدراسة تفاصيل حالة الجسم عند اللحظة صفر time=0 وهي لحظة بتنا نعرف أنها موغلة في التمدد نظراً لأن الصفر والمالانهاية قرينان مترابطان يؤدي كل منهما للآخر كما ذكرنا سابقاً.
هل لحظة الصفر شارة بداية أم نهاية؟ إننا في مجمل الكلام نقول أنن “سنصفّر العدّاد” كناية عن البدايات الجديدة، وعن طيّ صفحة الماضي. كما وأن الأصفار المتوالية تعطي إحساساً عميقاً بالجدّة المتناهية. لنتذكر أن قفل الحقيبة الجديدة دائماً ما يكون مصفراً بانتظار اختيارك. وماذا عن عدّاد السيارة التي لم تسر بعد؟

 

يسعنا أن نمدد السؤال حول موقع الصفر من خط الزمن ونسقطه على التواريخ وأرقام الأعوام. فلنستحضر ما حصل قبل خمسة عشر عاماً. هل كان العام 2000 هو بداية القرن الحادي والعشرين؟ أم نهاية القرن العشرين؟ هذه الذكريات ستجرنا لمعضلة الألفية الثانية -الثالثة؟- أو ما عُرف بـ Y2K Bug حين عاش العالم رعباً –مختلقاً؟- لأن أرقام الأعوام في عدّادات ذاكرات الحواسيب كانت ستنتقل مع رأس سنة العام 2000 من الرمز 99 (اختصار العام 1999) إلى الرمز 00. أنا وأنت نعرف أن ذاك كان اختصاراً للعام 2000، لكن ماذا عن الحاسب الذي سيعتبرها عودة للعام 1900؟ تلك كانت لحظة مفعمة بالسخرية الشاعرية. لأن الصفر، حتى بالنسبة للحواسيب، كان مفترق طرق بين عالمين.. كما هو حاله على خط الأعداد الممتد من اللانهاية، إلى اللانهاية، وبينهما الصفر.