Hits: 866

نُشر هذا المقال في عدد مجلة القافلة يوليو-أغسطس 2014

ظهرت شخصية الرجل الحديدي (Iron Man) في القصص المصوَّرة لأول مرة عام 1963م. ومنذ ذلك الحين وهي تداعب مخيلات أجيال من الرجال. كيف لا وهي تجسيد لفكرة الجندي الخارق المدجج -بفضل التكنولوجيا المتقدمة− بكل سلاح يخطر على بال.
لقد اختزلت شخصية طوني ستارك كل أحلام الذكورة في اسم واحد، فهو ثري، لعوب، وسيم وعبقري. ويتوّج ذلك كله صنعه لـ «بدلة» أو زيّ يتحوَّل إذا ما ارتداه إلى “الرجل الحديدي”؛ بطل خارق يسعه أن يطير، متجاوزاً سرعة الصوت مطلقاً من راحتي يديه أشعة تنسف حصون الشر أينما تطلب الأمر. ومنذ أول ظهور، تطور زي الرجل الحديدي ليتواءم مع التكنولوجيا المعاصرة بل ويسبقها.

بفضل سلسلة الأفلام السينمائية الأخيرة بتنا نعرف أن الزي مرتبط بحاسوب أذكى من أي آلة اسمه «جارفيس» عبر شبكة لاسلكية عصية على الانقطاع. بل إن كل قطعة في الزيّ مزودة بمنظومة ذكاء صناعي تجعله يوائم قدراته التعبوية ليتفوق على العدو أياً كان. في القصص المصورة الأخيرة تمت إضافة ميزات تعتمد تكنولوجيا النانو بحيث يصلح الزيّ نفسه آنياً عقب كل مشاجرة يخوضها (ستارك) في سبيل إحقاق الحق!

هل الأمر كله محض خيال سينمائي؟ لا شك بأن أبحاثاً تجري في هذا الشأن. وثمة أخبار بخصوص مشروع اسمه «TALOS» تشرف عليه جامعة «MIT» لإنتاج زي خارق للاستخدام العسكري. فإلى أي مدى يسعنا أن ننتج شيئاً مشابهاً لما عند «طوني ستارك» اليوم؟

تعالوا نفكك قدرات زيّ الرجل الحديدي كما وردت في أدبيات الخيال ونقارنها بما يعد به العلم اليوم.

مصدر الطاقة
المصدر الأساسي لطاقة بدلة الرجل الحديدي هي المفاعل النووي الانصهاري الصغير المثبت بصدره (Arc Reactor). بحسب الرواية الخيالية، فإنه مفاعل بحجم علبة مشروبات غازية لكنه قادر على إنتاج طاقة توازي مفاعل غواصة نووية صغيرة! لكن بحسب قواعد الفيزياء والديناميكا الحرارية الحقيقية، فإن مفاعلاً بهذه القوة سيُنتج حرارة ستطبخ من بداخل الزي المزعوم، فضلاً عن كونه أكبر بكثير من أن يحتويه صدر إنسان. وقد يكون أقرب مثال واقعي لمفاعلات الدمج الانصهاري هذه هي ما يعكف على تنفيذه مشروع «ITER» الدولي.

الشعاع الكفّي
الطاقة التي ينتجها المفاعل الانصهاري في بدلة (ستارك) يتم تكثيفها في القصص الخيالية على هيئة شعاع مدمر ينطلق من راحتي الكفين. تفسير هذا الشعاع المسمى «Repulsor Beam» هو كونه عبارة عن طاقة ارتجاجية مكونة أساساً من جسيمات كهربية دون ذرية اسمها (الميونات) موجودة فعلاً في الطبيعة. لكن التحكم فعلياً في دفقة الإشعاع الارتجاجي هذه شبه مستحيلة على النحو الذي يتم في الأفلام. أو على الأقل يستحيل تصغير مدافع تطلق جسيمات إشعاعية بحيث تحتويها راحة اليد. لكن ثمة محاولات لإنتاج أسلحة إشعاعية تستخدم نفس المبدأ بحيث تولد مجالات كهرومغناطيسية لأجل تركيز الجسيمات المراد إطلاقها –كالميونات- في بؤرة حرارية محددة. مثل هذه الأسلحة، لو وُجدت، ستصهر الدارات الكهربية لمعدات العدو، كما ستحرق الأجسام الحية التي هي في مجال إطلاقها، بما في ذلك الشخص الذي يشغلها!

القدرة على الطيران
يحوي عقِبا البدلة التخيلية محركين نفاثين ينطلق بهما الرجل الحديدي طائراً، فيما يضمن الاشعاع الارتجاجي الصادر من مدفعيّ الكفين التوازن في الفراغ. بطبيعة الحال، فإن المحرك النفاث المفترض هذا هو بحاجة لعوادم ومراوح أكبر بكثير مما يحتمله نعل حذاء متطور تقنياً، فضلاً عن غياب أي ذكر لخزانات الوقود. طالما اتفقنا على أن فكرة المفاعل الاندماجي الشخصي ليست سديدة.

لكن هناك مشاريع عدة لإنتاج بدلة طيران، أو مركبة طائرة لشخص واحد شبيهة بما بشرت به أدبيات الخيال العلمي. فنفاثات الراكب الواحد التي تُرتدى على الظهر وتعتمد الهواء المضغوط لتحقيق قفزات لارتفاعات تصل إلى 150 قدماً موجودة منذ عقود. وهناك مشاريع أخرى واعدة في هذا السياق مثل نفاثات «Martin Technology» المحمولة ومركبة «Jetman» من تطوير إيف روسي التي هي بمنزلة أجنحة نفاثة للاستخدام الشخصي. على صعيد مختلف، فهناك نفاثة Jetlev التي تعمل فوق سطح الماء مستفيدة من ضخ المياه بقوة هائلة لتحلق بمرتديها حتى ارتفاع 30 قدماً. لكن هذه تظل ألعاباً مقارنة بقدرة (طوني ستارك) على مناورة طائرة
F– 22 داخل زيه الخارق!

القوة الخارقة
إذا وضعنا المفاعل الاندماجي التخيلي جانباً، فإن هناك أزياء آلية حقيقية تزيد من قوة مرتديها بالفعل! تلك الهياكل الخارجية (Exoskeletons) عبارة عن آليات ملبوسة مدعمة بقدرات ميكانيكية وهيدروليكية، أشبه ما تكون بدروع فرسان العصور الوسطى، إنما مطورة تقنياً بحيث تعطي قوة أكبر لحركة مرتديها فيستطيع أن يجري أسرع ويرفع أحمالاً أثقل ويوجه لكمات أقوى. بطبيعة الحال فمعظم النماذج المنتجة في هذا السياق هي ضمن مشاريع عسكرية، نذكر منها مشروع «HAL» (Hybrid Assistive Limb) الياباني، وإضافة لـ «HULC» الذي تنتجه لوكهيد مارتن، و«XOS» من إنتاج ريثيون.

سمات أخرى موجودة
وفي الواقع، فإن كثيراً من السمات المتطورة للزي الخارق موجودة اليوم. فالقدرة على الرؤية الليلية، والنظارات الذكية المربوطة بحواسيب تقرأ الوجوه وتحلل البيانات وتعرض النتائج في عين مرتديها مباشرة مطروحة في الأسواق بالفعل نذكر منها Google Glass كنموذج دارج. أما الاتصال اللاسلكي بحاسوب ذكي فتضمنه عدة تقنيات بدءاً من شبكات الجوال وانتهاء بمنظومات الأقمار الصناعية. وإن كان حاسوب بذكاء «جارفيس» قادر على التفاعل مع نبرة صوت صاحبه والتفريق بين الهزل والجد في كلامه المحكي بعيداً عن الممكن حالياً. كما وأن الأنسجة المضادة للرصاص والمكونات من مركبات نانوية بالغة الدقة قد بلغت شأناً متقدماً في الفعالية، حتى أن زي «TALOS» سالف الذكر يكاد يضاهي زي الرجل الحديدي التخيلي في قدرته على صد الطلقات.

بالمختصر.. إننا على بعد أقل من عقدين من الطراز الأول «Mark-1» لزيّ (طوني ستارك).. وهذه قد تكون نتيجة مخيبة للبعض. لكن لنتذكَّر أن الظهور الأول لهذه الشخصية كان قبل خمسين عاماً. لقد تقدمنا كثيراً منذ ذلك الحين.. والخيال وجد أصلاً كي يسعى العلم للحاق به دون كلل.