نُشر هذا المقال في عدد مجلة القافلة مايو-يونيو 2015

لقطة من فيلم Avatar

لا حصر للقصص والأفلام التي حلّت مشكلة الترحال الطويل عبر الفضاء بواسطة النوم. نوم طويل يمتد لسنوات.. ربما عقود.. يستيقظ البطل بعده مرهقاً بعض الشيء ومشوش الفكر، لكنه سرعان ما يعاود تنفيذ المهمة المصيرية التي عهد المخرج إليه بها والتي ستكون –غالباً- في صالح الأجيال التي وثقت به وربما لم تعد حيّة لأنها خضعت لسلطان الزمن الطبيعي، ولم تحظ بنعمة الغفوة الطويلة التي تمت هندسة يقظتها بكل دقة.
في قصص أخرى، يخضع البطل للتجميد، فكأنه دجاجة محفوظة في الثلاجة، لتتم إعادة تسخينه بعد أجيال فيعود للحياة الطبيعية مخاتلاً ساعته البيولوجية.

هل هذه القصص محض خيال؟ أم أن لها أساساً علمياً؟ وهل هي ممكنة الحدوث في المستقبل المنظور أو البعيد بفضل التقدم التقني؟

فلنركز على جزئية التجميد، وهي عملية لها أساس علمي فعلاً ويعبّر عنها بالمصطلح Cryonics والتي تعني أصولها اللاتينية “بارد كالثلج”، ويراد به عملية حفظ الأجساد الحية عبر خفض درجة حرارتها تدريجياً إلى مستويات متدنية جداً بحيث لا يموت النسيج الحي، وبحيث تعاد هذه الأجساد لليقظة بعملية عكسية بعد فترات متطاولة من الزمن.
هذه الفكرة تبدو جذابة جدة لعدة فئات من الناس. هناك بطبيعة الحال المصابون بأمراض لا برء منها.. أو لم يكتشف العلم –بعد- علاجات لها. المصابون بهذه الأمراض يرغبون في التأكيد بأن يتم تجميدهم، بما يقتضيه ذلك من تعطيل للوظائف الحيوية لأجسادهم، وتعطيل لأمراضهم بالتبعية، إلى الحين الذي يتم فيه اكتشاف علاجات لأمراضهم المزمنة فيتم إيقاظهم ليمارسوا حياتهم الطبيعية.. إن صحت هذه التسمية!

جدير بالذكر أن هذه الفكرة تحديداً قد دُفع بها لمقدمة الأخبار في الولايات المتحدة عام 2013 بفضل فتاة اسمها كيم سوازي، والتي تم تشخيصها بسرطان الدماغ القاتل وهي بعد في الثالثة والعشرين. قامت كيم بجمع ما يكفي من أموال المتبرعين لتجميد جسدها ما أن تم تشخيص موتها إكلينيكاً.. وسيقرر لنا المستقبل ما إذا كانت فكرتها هذه موفقة أم لا.

الفريق الآخرين من المتحمسين لفكرة التجميد هم محبو الحياة الأصحاء، من الأثرياء والمفكرين المهووسين بفرضية الخلود. ومع الإقرار بأن الخلود مستحيل، إلا أن تمديد الحياة عبر التجميد المستمر الذي تتخلله فترات يقظة تبدو قريبة بما يكفي لمفهوم الخلود.
المدهش أن هناك منشآت تجارية تقدم هذه الخدمة حول العالم.. وقد تعمدنا ألا نصف هذه المنشآت بالعلمية نظراً لوجود تساؤلات كبرى معلقة بخصوص هذه الممارسة فضلاً عن أنها لم يتم إثبات نجاحها للآن.

لكن، إذا قررت أن تجمد نفسك طوعاً فعليك أولاً أن تدفع مبلغاً يوازي 150 ألف دولار هي رسوم العملية، فضلاً عن إيجار شهري قدره 400 دولار لخزان التجميد الخاص بك. وحين يتوقف قلبك عن النبض وتُعلن ميتاً قانونياً وإكلينيكياً، فسيتدخل فريق التجميد فوراً ليزود دماغك بالأكسجين والدم. سيُغمر جسدك في الثلج ويحقن بمادة الهيبارين لمنع دمك من التخثر. ثم ستتم إزالة المياه من الخلايا لتستبدل بخليط كيميائي قائم على الجلسرين يسمى cryoprotectant – والهدف من ذلك هو حماية الأعضاء والأنسجة من تشكل بلورات الجليد في درجات حرارة منخفضة للغاية. هذه العملية. سيتم تبريد جسمك على سرير من الثلج الجاف حتى يصل إلى درجة 130 مئوية تحت الصفر، ولخطوة التالية تتضمن إدخال جسمك في وعاء يوضع بعد ذلك في خزان معدني كبير مملوء بالنتروجين السائل عند درجة حرارة 196 تحت الصفر المئوي. يتم تخزين جسمك مقلوباً بحيث يكون الرأس إلى أسفل، تحسباً لأي حادث تسرب في خزان، ولضمان بقاء دماغك مغموراً في سائل التجميد.

هذا البروتوكول المقنع تعترضه عدة عقبات تقنية وأخلاقية. أولها أن الإنعاش القلبي عقب التجميد الطويل غير مؤكد ولا مضمون العواقب. كما أن تكون البلورات الدقيقة المتجمدة بين الخلايا، بالرغم من كل الاحتياطات الواردة سلفاً، يظل قائماً. تلك البلورات الثلجية من شأنها أن تحدث تلفاً حقيقياً بالخلايا لا يفيد معه الإيقاظ. لكن المناصرين للتجمدين يزعمون بأن العلم سيتقدم –بالتبعية- ليجد حلولاً لهذه الإشكالات مع حلول أوان الإيقاظ الموعود.
على صعيد آخر، فإن التجميد لفترات طويلة له تأثيرات غير معلومة على وظائف الدماغ ذاته، وعلى قدرته على التذكر والاسترجاع. وهي كلها محاور بحث غير مثبتة طالما لم يتم إيقاظ أحد بعد من نومة التجميد الطويلة.

يجادل البعض بأن الاستيقاظ بعد مئة عام من الآن -لو أمكن- فسيأخذ بأحدنا لعالم مختلف لا نعرف فيه أحد ولا ننتمي له بأي شكل بحيث تصبح معايشة الواقع الجديد كابوسية. كما أن الافتراض بأن ظروف الحياة ستتحسن في المستقبل بحيث تستحق أن تعاش هو من نوع المقامرة في المستقبل. أما الاتكال على منظومة الرقابة والصيانة التي تشغلها شركة تجميد ما لقاء مبلغ مالي، في عملية ممتدة عبر أجيال إلى حين لحظة اليقظة، فلا تبدو واعدة جداً، وإن كان الأمر مستحقاً للمخاطرة، وفقاً للعشرات الذين خاضوا غمار التجربة حتى اليوم.