Hits: 2674

The Martianستمر عليك أوقات شديدة الإملال وأنت تقرأ هذه الرواية. ستصدع رأسك تفاصيل دقيقة حول كيفية تخليق الماء من أسطوانات الأوكسجين والهيدروجين، وكيفية زرع البطاطا في بيئة أنت المصدر الوحيد لسماد تربتها! ودقائق أخرى حول تشفير رسائل الكمبيوتر وطريقة حساب معدلات الطاقة الشمسية اللازم جنيها قبل تشغيل محرك يتطلب كذا مللي أمبير. تفصيل مدمر للأعصاب وشديد الإملال أقول لكم!

لكنك.. بعد كل مرة تطبق فيها الغلافين بحنق.. ستعود للرواية كرّة أخرى. لأنك ببساطة تريد أن تعرف: كيف سينجو إنسان تُرك –بالخطأ- على سطح المريخ.. وحيداً.. تماماً.. بدون أية رفقة بشرية ولا وسيلة تواصل مع أي أحد؟!

هل هناك احتمال لينجو أصلاً؟

عنصر التشويق الأساسي تمثله الواقعية الشديدة التي كُتبت بها الأحداث. حين تقرأ “المرّيخي – The Martian” فإنك ستنسى أنها رواية.. وأنه خيال علمي يفترض أن يكون مسلياً أو استشرافياً للمستقبل. هذا العمل مختلف لأنه شديد الجديّة من ناحية الأحداث بحيث أنه يقدم لك التصور الأقرب للحقيقة لهذا الحدث المريع: أن يُترك رائد فضاء وحيداً على المريخ.. لأن رفاقه ظنوا أنه قد مات.

المريخ الذي نتكلم عنه هنا ليس مستعمرة بشرية في المستقبل المتقدم حافلة بالمدن المغطاة بقباب زجاجية ووسائل الرفاهية إيها. إنه المريخ الخام بكل مواته. مجرد كوكب قحل مثله مثل القمر اليوم. هكذا يسعنا أن نفهم الحبكة البارعة التي نجحت في مد الأحداث على مدى 360 صفحة في حين أن معظمنا سيتخيل أن ثمة قصة ستنتهي بعد 360 كلمة. وأن البطل سيختنق ويموت. أو سيجوع حتى الموت. أو سيصاب بصدمة عصبية تقتله أو سينتحر فوراً. لا شيء يقع فورياً في هذه الرواية. وكمية الفيزياء والأحياء والميكانيكا المملة كلها لأجل تقديم تبرير شديد الإقناع لكيفية استمرار حياة رائد الفضاء المتروك على المريخ لأيام وأيام.. وأيام. بالرغم من سعي الكوكب الأحمر الذي لا يكل لإنهاء حياته. الرواية تقدم شبه دراسة عن أهمية غريزة العناد.. أو الاستمساك بالحياة.. والتي تفعل الأعاجيب في مواقف خيالية في تطرفها. إن عبقرية الرغبة في الحياة هي البطل الخفي في هذا العمل.

يقول بعض النقاد أن “المرّيخي” عمل يمزج ما بين أحداث Apollo 13 و Cast Away. وهو كذلك. لكن الذي يجعل من هذه الرواية شديدة التميز في نظري هو كونها تستعيد أمجاد الأعمال الأولى حيث كان الأدب يرصف الطريق أمام العلم.. وأمام التاريخ الحقيقي. فنحن لم نصل للمريخ بعد. لكن هذه الرواية تفترض أننا فعلنا. وتفترض حدثاً كارثياً ما.. ثم تسير معك صفحة بصفحة خلال كل السيناريوهات الممكنة لمحاولتك تجاوز هذه الكارثة. وكل ذلك مكتوب برصانة علمية بديعة. ولا شك بأنه سيدرس بدقة بالغة من قبل كل وكالة فضاء مهتمة بالمشروع. وهذا وجه من وجوه عظمة الخيال العلمي.

لابد من أن أذكر بأن الرواية بقدر ما هي حافلة بالتفصيل العلمي. فإن حبكتها مترابطة جداً. ومشوقة جداً لو تغاضينا عن مقاطع المحاضرات العلمية. كما أنها زاخرة بالسخرية المريرة الواردة على لسان البطل (مارك واتني) والتي ترغمك على القهقهة في عزّ معايشتك لمأساته.

كاتب الرواية هو مهندس البرمجيات الأميركي (آندي وير). وقصته مع هذا العمل الإبداعي جديرة بالتوقف. فهو قد كتب الرواية بين عامي 2009 و2011 مستفيداً من اهتمامه بالفضاء وبالفيزياء وبخبرته الحاسوبية. لكنه بعدما فشل في الترويج لعمله المحكم من الناحية التقنية عند الناشرين التقليديين. قام بنشر الرواية مجاناً على الإنترنت. ثم طالبه القراء الذين أعجبهم العمل بأن يوفر نسخة عبر متجر أمازون لأجل أجهزة Kindle. ففعل مسعّراً النسخة الواحدة بـ 99 سنتاً. والنتيجة أن هذه الطبعة الكندلية تصدّرت مبيعات أمازون وباعت 35 ألف نسخة رقمية خلال 3 أشهر. حينها فقط تنبه ضباع النشر الورقي للمسألة. وباع (وير) حقوق روايته لدار (كراون) في 2013 مقابل مبلغ مكون من ستة خانات ليتصدر قائمة نيويورك تايمز لأفضل أعمال الخيال العلمي في مارس 2013. ويبدو أن شركة فوكس القرن العشرين تسعى للحصول على حقوق تحويل الرواية إلى فيلم.
نهاية سعيدة لقصة الكاتب مع كتابه. أما نهاية بطل الرواية مع مأساته فتنتظركم لتكتشفوها.