Hits: 3667

نُشر هذا المقال مختصراً لاعتبارات المساحة في عدد مجلة القافلة يناير-فبراير 2014 . ونعيد هنا نشره كاملاً.

الإجابة المختصرة على هذا السؤال هي لا.

إذاً ما هو تفسير هذه الفجوة الظاهرة بين العالم العربي والعلوم؟

وما هو تفسير السبعة قرون العجاف التي تلت قرابة سبعة قرون من الإزدهار؟ فمنذ بدايات القرن الرابع عشر بعد الميلاد -أفول العصر الذهبي- وحتى يومنا هذا تراجعت الحالة الإبداعية عند العرب، فما عاد لنا أية حضور على خارطة الإبداع العلمي، ولم تعد هذه المنطقة مصدراً لأي إنتاج علمي أو فكري ذي قيمة.

Averroes

مناقشة هذا السؤال عادة ما تتحور سريعاً إلى التذكير بالعصر الذهبي للعلوم في المنطقة ومساهمات علماء العرب والمسلمين الأوائل في حفظ العلوم والمؤلفات الفلسفية اللاتينية و إضافاتهم العلمية القيمة عليها في مجالات الطب والفلك والجبر والبصريات والتي تلقفها الغرب بعد ذلك لتكون شرارة عصر النهضة الأوروبي والثورة العلمية الحديثة. لكننا بتحوير النقاش لهذا المنحنى نبدو وكأننا نرغب في دفع شبهة أننا بتركيبتنا الوراثية شعوب عاجزة عن الإبداع وأن الجفاء الحالي بيننا وبين العلوم ليس إلا حالة طارئة.

أفول نجم أية حضارة ليس حالة فريدة في تاريخ الحضارات. فالتاريخ يخبرنا أن الحضارات تمر بمرحلة ازدهار تليها مرحلة ركود أو اندثار. لكن الإشكال لدينا أعمق، فمنطقتنا الإسلامية عموماً والعربية بشكل خاص تبدو وكأنها مستعصية على الانخراط من جديد في الحداثة والتصالح مرة أخرى مع العلوم الحديثة. ما هو السبب؟ بُحث هذا السؤال باستفاضة في الأوساط العلمية المختصة بدراسة تاريخ العلوم ودراسات الشرق الأدنى والأوسط، نظريات عدة لا يمكن الخوض فيها بالتفصيل هنا، لكنها حاولت تفسير أسباب تحول شعوب هذه المنطقة من شعوب منتجة للحضارة إلى شعوب تكاد تعاديها وتنبذ الفكر الذي أنتج مخرجاتها. يرجح البعض أنه وبالإضافة إلى العوامل السياسية الخارجية فإن عواملاً داخلية من داخل الحضارة نفسها، مثل رواج بعض المذاهب الفلسفية والدينية، ترك أثراً كبيراً في نسق التفكير ومنهجيته لدى العرب والمسلمين مما أدى بالتدريج لتقلص الإنتاج الإبداعي ثم توقفه.

لكن هل يصح ونحن في القرن الحادي والعشرين، قرن التواصل والعولمة والانفتاح على الآخرين، أن يكون للإبداع العلمي إثنية؟ لماذا نريد إبداعاً علمياً “عربياً”؟

يجدر التنويه هنا إلى أنه عند الإشارة للحركة العلمية النشطة في العصر الذهبي، توصف الحضارة بـ “العربية”. وهذا الوصف رغم أنه ليس دقيقاً تماماً، لأن تلك الحضارة لم تكن حضارة إثنية خالصة كالحضارة الصينية القديمة أو الهندية مثلاً، فالكثير من كبار علماء تلك الحقبة ليسوا عرباً، إلا أن وصف تلك الحضارة بالعربية مُستحق بسبب أن اللغة العربية كانت هي الوعاء الحامل لتك الحركة العلمية فهي لغة العلوم يترجم منها وإليها و تدوّن بها المراجع وتنشر بها المؤلفات. فكانت كما هي اللغة الانجليزية اليوم: lingua franca. ففي العام ١٠٠٠م كانت قد تمت ترجمة جميع التراث الموجود للحضارة اليونانية من طب وفلسفة ورياضيات وغيرها للعربية وذلك كله تقريباً تم في بغداد في عصر العباسيين العرب، ومن هنا كانت التسمية مستحقة.

مرة أخرى لماذا نريد إبداعا علميا عربيا ونحن في عصر العولمة؟

المعرفة والإنتاج العلمي اليوم أضحى المقياس الذي تقيم به قدرة الدول على التقدم وتطبيق خططها التنموية والاقتصادية، وهو ما أصبح يعرف عموماً بالاقتصاد المعرفي. هذا الاقتصاد المعرفي هو الذي ينتج المجتمع المعرفي(١) “ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﻧﺸﺮ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻭﺇﻧﺘﺎﺟﻬﺎ، ﻭﺗﻮﻅﻴﻔﻬﺎ ﺑﻜﻔﺎءﺓ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﻨﺸﺎﻁ ﺃﺳﺎﺳﺎً ﻟﺘﺮﻗﻴﺔ المجتمع: ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ، ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ، وصولاً للحالة ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺑﺎﻁﺮﺍﺩ، ﺃﻱ ﺇﻗﺎﻣﺔ ﺍﻟﺘﻨﻤﻴﺔﻧﺴﺎﻧﻴﺔ” (٢). لهذا السبب يصبح سؤال جريان منابع الإبداع العلمي لدى العرب سؤالاً مصيرياص، حيث أن المعرفة أزاحت تقريبا دعائم الاقتصاد التقليدي: الأرض، اليد العاملة ورأس المال، واستبدلتها بركائز أخرى: ” المعرفة والإبداع، التعليم، البنية التحتية المبنية على تكنولوجيا المعلومات، والحوكمة الرشيدة” (٣).

أود أن أجادل هنا بأن أهم ما ينقص العرب من هذه الركائز ويسبب التعثر في طريق الإبداع هو التعليم القادر على خلق ثقافة. تعليمنا بحاجة لأن تتحول مؤسساته من مجرد مؤسسات لتصدير المتعلمين إلى مؤسسات تخرّج باحثين ومستعلمين عن الحقائق. وعلى هذه المؤسسات التعليمية والبحثية ذات الطموحات العالية و التي بدأت تظهر في المنطقة مؤخراً أن تدرك أنها وبسبب ظروف البيئة الثقافية والعلمية المحيطة بها، فإنه تقع على كاهلها مسؤولية إضافية عظيمة، فإلى جانب الاستثمار في البحث العلمي؛ يتوجب عليها أن تعمل بجهد مضاعف على ترسية دعائم الثقافة العلمية والفكر الحر في المجتمع، هذه الثقافة لابد ألّا تأتي مجرّدة من السياق الثقافي والفكري للمنطقة، بل مرتبطة ومتفاعلة مع واقعها ومحيطها المحلي.

فنحن قد ننجح في بناء هياكل تعليمية ممتازة تخرج أفرادا قادرين على التفكير والإبداع، لكن الإنتاج الإبداعي لا يخرج للوجود ويزدهر إلا في وجود بيئة حاضنة. فالإبداع سواء كان العلمي أو غيره هو وليد الأطر العقدية والفلسفية التي يؤمن بها الأفراد المنتمون لهذه الحضارة. للأسف فإنه قد طغت على الفكر الإسلامي -وهو الفكر المسيطر على المنطقة- عبر فترات متلاحقة من التاريخ توجهات للإيمان بالخوارق و ترجيح كفة الغيبيات على المحسوسات والحقائق العلمية، وكما ذكر برنارد لويس في “الإسلام والغرب” فإن العرب والمسلمين غرقوا في الغيبيات بعد القرن الرابع عشر الميلادي لدرجة أن أحداثاً مفصلية في التاريخ مثل عصر النهضة الأوروبي والثورة العلمية وعصر التنوير قد مرت على هذا الجزء من العالم مرور الكرام. وإنه لمن المؤسف أن نُسق التفكير هذه ما تزال سائدة حتى الآن، بل وما زالت مفاهيم مثل استقلالية الفكر وتحدي السائد وعدم التبعية مفاهيم دخيلة وغير رائجة.

التركيز على الغيبيات كطريق للإيمان أدى في الحضارة الغربية إلى انفصال العلم عن الدين تماماً، لأنه متى وجد الانسان تفسيراً عن طريق العلم لظاهرة طبيعية تسقط الحاجة لديه للإيمان بالغيبي وهو ما شوهد في أوروبا حيث أن الإلحاد والحركات اللادينية ظهرت في القرن الثامن عشر مباشرة في القرن التالي لعصر النهضة العلمية هناك. بالنسبة للثقافة العربية والإسلامية فتركيز الثقافة على اللامحسوس وتغييب دور العقل والفكر تماماً كان من أحد أهم أسباب العزوف عن دراسة الظواهر الطبيعية مما أدّي لإخماد الفضول الذي يؤدي لدراسة أسرار الكون. يجب الإشارة إلى أنه لا يجب علينا أن نرى واقعنا من خلال منظار الحضارة الغربية ومحاولة إسقاط تجربتها على واقعنا. فالطريق لإعادة الوهج لشعلة الإبداع العلمي في العالم العربي لا يستلزم أن نسير على خطى ومنهج تفكير النهضة الأوروبية التي لم يكن لها خيار نسوى أن تتجاوز الدين. والتغيير في واقعنا العربي والإسلامي يجب أن يأتي عن طريق العودة لروح الإسلام وجوهره الذي يدعو للتفكير وإعمال العقل وفلسفة الإسلام في نظرته للكون ودور الإنسان فيه.

إن كان علماء العصر الذهبي قد اتخذوا من أهمية تحديد موقع مكّة ومواقيت الصلاة وحساب المواريث منطلقا لحل مشاكل زمانهم والتبحر في علم الفلك والجبر وقياس محيط الأرض، فإن مسلمي العصر الحديث يجب أن ينطلقوا من قيم مناسبة لواقعهم وزمانهم. فإحياء النفس البشرية واستئصال الفقر والأمراض كلها دوافع للإبداع في مجالات الطب والفيزياء والنظريات الاقتصادية التي تحقق العدالة التي هي من ركائز الإسلام. وعلى الأقل في الوقت الراهن يجب علينا عدم الخوض في الجدليات التي تضع الثقافة -الدين- في موقع المصادمة مع العلم، لأن ذلك لا يجب أن يكون هاجساً ولا حتى عائقاً للإبداع العلمي في عصرنا هذا بالذات، فأية فتح في علاج الأمراض المستعصية أو استهداف الأورام لا يحتاج أن يمر بالضرورة عبر تفاصيل نظرية الانتخاب الطبيعي، و الإيمان بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً لا يعيق التقدم في سبر أغوار الفضاء وغزو الكواكب. كل ما يجب علينا فعله هو إطلاق العنان للتفكر في الخلق فمنابع الإبداع بالتأكيد لم ولن تنضب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) قد تبدو العلاقة هنا دائرية هل المجتمع هو الذي يصنع الاقتصاد أم الاقتصاد هو الذي ينتج المجتمع.

(٢) ﻳﻮﺳﻒ ﺣﻤﺪ ﺍﻹﺑﺮﺍﻫﻴﻢ، ﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻭ ﺗﻨﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺍﺭﺩ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﺒﻨﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ، ﻣﺮﻛﺰ ﺍﻹﻣﺎﺭﺍﺕ ﻟﻠﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﻭ ﺍﻟﺒﺤﻮﺙ ﺍﻹﺳﺘﺮﺍﺗﻴﺠﻴﺔ، ﺃﺑﻮ ﻅﺒﻲ،2004.

(٣) مراد علة، ﺟﺎﻫﺰﻳﺔ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻟﻼﻧﺪﻣﺎﺝ ﻓﻲ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ، ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺗﺤﻠﻴﻠﻴﺔ، المؤتمر العالمي الثامن للاقتصاد والتمويل الإسلامي، النمو المستدام والتنمية الاقتصادية الشاملة من المنظور الإسلامي، قطر، 2011.