مجلة القافلة. العدد 1، المجلد 62. يناير-فبراير 2013 (المقال بموقع المجلة)

تنويه: يمثّل هذا المقال عودة لي للقافلة في حلّتها الجديدة كمحرر علمي للمجلة بعد توقفٍ دام لعامين بالتمام والكمال. سعيد بعودتي وآمل أن يكون الحدث كذلك بالنسبة لكم 🙂

Arthur_Samuel_Atkinson_looking_through_a_telescope2

يخمن العلماء عدد المجرات في الكون بحوالي الـ 200 مليار. وبناء على هذا الرقم فإن عدد الشموس في الكون يمكن التعبير عنه بالرقم (سيبتليون) ويكتب كواحد وإلى جواره أربعة وعشرون صفراً! أما عدد الكواكب المشابهة لكوكبنا الأرض في هذا الخضم المهول فيقدّر بالأربعين ملياراً.

كم من أعمال الخيال العلمي بنيت على تلك الأرقام؟ إن فكرة تشكّل إمبراطورية فضائية ذات لحظة في الزمن القادم.. ممتدة عبر ذلك الاتساع المريع، تبدو أجمل من أن تُتجاهل أو يُغض عنها الطرف. تلك الإمبراطوريات التي كتب عنها المئات بدءاً من (هـ . ج. ويلز) وصولاً إلى (أورسون سكوت كارد) ستكون حافلة بأشكال الحياة المختلفة. بـ “مسوخ” فضائية غالباً ستكون خضراء البشرة.. أو لعلها تشبهنا. ألا يفترض بأي كوكب مفعم بالحياة أن يكون نسخة من أرضنا؟ أم أن الأرض متفردة حقاً؟ هل للعلم الحقيقي قول في هذا المجال؟

الأرقام السالفة ستأخذنا لدنيا من الاحتمالات والتي لها هي الأخرى علومها المؤصلة. وفي ثنايا علم الاحتمالات توجد معادلة دريْك – Drake Equation، والتي ظهرت عام 1961 في إطار مشروع أكبر اسمه SETI كان وما زال مكرّساً للبحث عن حياة عاقلة على كواكب أخرى. وتهدف هذه المعادلة لحساب العدد –المحتمل- للحضارات الفضائية القادرة على التواصل معنا عبر تقنيات الاتصال اللاسلكي.

المعادلة مباشِرة وسهلة، وهي نتاج مضروب العناصر التالية:

24b31e87c6c617382237ab57357bd539

حيث يمثل المجهول N العدد المحتمل للحضارات الذكية التي يمكن أن نتواصل معها في نطاق مجرتنا درب التبانة.

في حين يمثل R معدل تكون المجموعات النجمية في المجرة.

Fp = نسبة تلك النجوم (الشموس) التي تدور حولها كواكب

Ne = معدل الكواكب التي يمكن أن تستقبل حياةً لكل واحدة من تلك النجوم

Fl = نسبة الكواكب التي قد تستقبل حياة وفيها ظروف لتطور الحياة

Fi = نسبة الكواكب التي قد تكون جياة إنما عاقلة

Fc = نسبة الحضاراتالعاقلة على تلك الكواكب التي يمكن أن تصل لاختراع اللاسلكي لتتصل بنا.

L = المدة الزمنية اللازمة لصمة حضارات عاقلة متطورة كي ترسل لنا رسالة لاسلكية نستطيع فهمها.

والموضوع ليس هزلياً بتاتاً البتة. بل إن عناصر معادلة دريك هذه قد تمت مناقشتها -بالقبول أو الرفض- مطولاً عبر عشرات السنين من قبل قامات فكرية وعلمية مثل (كارل ساگان) والذي أسهم بالذات في صياغة مبدأ ينص على أن الأرض ما هي إلا كوكب صخري نموذجي يقع في منطقة نموذجية من مجرته تصلح لظهور الحياة على متنه، وأن الكون يعج بمثيلات الأرض من التكوينات الصخرية ذات المواقع الملائمة لازهار الحياة. لكن هذا المبدأ الجذّاب جداً قد اصطدم دائماً بحائط سؤال بسيط فيما بات يعرف بمتناقضة (فيرمي) : “إذا كان الكون يعجّ بصور الحياة العاقلة، فلم لا نقابل أياً منها؟”.

أبرز محاولات الرفض العلمية لأطروحة (دريك) ظهرت عام 2000 على يدي عالم المتحجرات الأميركي (بيتر وارد – Peter Ward) والذي جابه معادلة (دريك) بمعادلته الخاصة حول ندرة أو فرادة الأرض والتي تنص على أنه:

fc58708056f2223420413a90874d1917

وقبل الخوض في المجاهيل التي تشكل عناصر المعادلة بعاليه، يسعنا أن نقول أن فرضية (الأرض الفريدة – Rare Earth) تقول بأن ظهور صور حياة معقدة، وذكية بالتبعية، على الأرض كانت نتيجة لتضافر مدهش بين عدد من الظواهر والأحداث الفلكية والجيولوجية معاً. وتقود الفرضية كذلك لفكرة مفادها أن ظهور حياة متعددة الخلايا وذكية على كواكب أخرى وإن كانت شبيهة بكوكبنا هي نادرة جداً.. لأن تكرر الظروف والحوداث الكونية التي حلّت بالأرض الدقة ذاتها مع كواكب أخرى هو أمر بعيد الاحتمال جداً وفق المعادلة التي وضعها (وارد).

مصفوفة الظروف الخاصة بالكوكب –الفريد- والمؤهل لحمل حياة على سطحه، والتي حولها (وارد) إلى مجاهيل أو متغيرات في معادلته سالفة الذكر، يمكن إجمالها فيما يلي.

هناك أولاً الموقع الصحيح في المجرة الصحيحة. فالكون معظمه “ميت” بمعنى أن المجرات هائلة وحافلة بالمصائد القاتلة للكواكب. الوضع، من حيث الأشعة الكونية ومدارات الجذب وسواها يختلف بين قلب المجرة وطرفها. كما وأن الأمر يختلف بالنظر لكمية النجوم التي تحويها كل مجرة ما يأخذنا للشرط الثاني من المعادلة والخاص ببعد الكوكب عن تلك الشمس. هل هو مناسب أم لا؟ وهل الشمس ذاتها مناسبة عمرياً لدعم الحياة على سطح الكوكب؟ أم أنها عجوز باردة جداً أو شابة حارقة جداً؟

الشروط الأخرى التي افترضها (وارد) متعلقة بوجود كواكب أخرى في المجموعة الشمسية مدار الذكر. لأن أحجام وترتيب الكواكب في أي مجموعة شمسية يتوقع أن يكون له أثر على التركيب الكيميائي والفيزيائي للمجموعة ككل. وتأثير مباشر على مدار الكوكب المحظوظ بالحياة. ثم يأتي التساؤل حول وجود أقمار للكوكب الحافل بالحياة. وحول طبيعته الجيولوجية، حركة قشرته الصلبة فوق لب مصهور. لأن القصة الجيولوجية للأرض والكوارث البركانية والزلزالية التي رافقتها مصحوبة بالأحداث الفلكية الأخر كانت لها كلها علاقة حاسمة بتشكل الحياة على النحو الذي نعرفه، ونسهم به، اليوم. وبطبيعة الحال يتطرق وارد كذلك لقابلية أشكال الحياة في ذلك الكوكب على الاستجابة لمتطلبات التكيف والترقي مع تحديات الحياة التي قد تنهي مغامرتها على سطحه بكل بساطة فيما لو فشلت أشكال الحياة تلك في التعامل معها إيجابياً.

هكذا نرى كم هو الكون معقّد بقدر ماهو متسع. اتساع الكون يظلّ محفزاً على تخيل أشكال أخرى للحياة عبر ه. وهو تخيّل مشروع ومنطقي متسق مع الاتساع اللانهائي للكون. لكن هذه المسافات الفلكية بين الكواكب تبرر هي الأخرى عدم وقوع أي اتصال مثبت بيننا وبين حضارت فضائية مفترضة. وبين الفكرتين يتقدم العلم الرصين بمعادلات وبأرقام ونصوص قد لا ترقى لمستوى النظريات المثبتة لكنها تظل فرضيات خاضعة للشرط العلمي. وهنا يتجلى جمال المنطق واللغة البرهانية حتى في صدد الدفاع عن فكرة قد تبدو لأول مرة أقرب لبيت شعر.. أو لفكرة مفادها أن كوكبنا فريد وعزيز ليس له مثيل في الكون، وأننا نحن، بوجودنا ذاته، نشكّل وجه فرادته الأصيل.