Hits: 2269

أورد بوركهارت في مذكراته، أنه لما استعرت الحرب بين محمد علي وسعود الكبير بدايات القرن التاسع عشر، سارع شيخ تجّار جدة في حينها، واسمه (العربي الجيلاني) لنقل حريمه ومتاعه إلى قصره الشتوي الذي بمصوع.

مصوع هذه تقع في الضفة المقابلة للبحر الأحمر.. على الساحل الإريتري. وقد كانت هي وسواكن وعدن والمخا والقصيّر وينبع تشكل مع جدة رؤوس شبكة (بحر-أحمرية) ربطت تجارة الهند بمصر وجنوب آسيا بأفريقيا وأوروبا المتوسطية.. فخلقت ما يشبه الدولة الافتراضية التي تقاسمت الأعراق والثقافات ويّا الثروة قبل أن تفتتها ظروف الحداثة لاحقاً.

الخلاصة أن ضفتي البحر الأحمر عالمٌ واحد شطره الماء. وتلك الحقيقة المنسية هي ما يبني عليها حجي جابر في روايته البديعة (سمراويت)، التي يمكن أن نصنفها أيضاً كسيرة ذاتية لمؤلفها ولجيله من الإريتريين.. فتبدو في أجزاء منها مثقلة بالتاريخ بدون أن يذهب ذلك بجمال السرد أو يقطع خيط الأحداث.

سمراويت رواية عن إريتريا كتبها إريتري مغترب.. وهي مع ذلك يجب أن تُقرأ في السعودية. لأنها تستمد من جدة نصف روحها ونصف قصتها. وحجي جابر، مثلما كتب قبله معتز قطينة ومثلما سيكتب آخرون، يستحضر ملامح حياة موازية هي جزء من التركيبة التي تشكل السعودية اليوم وشكّلت جدة منذ الأزل.

إذاً حين كتب حجي عن بطله (عمر)، ونشأته في نزلة جدة، عن تشجيعه المحموم للإتحاد وعشقه لصوت عبادي، قبل أن يتلبسه هاجس البحث عن الوطن أخيراً.. فإنه نقل لنا أكثر من سيرة قديمة في صيغة الحاضر. لأن سيرة إريتريا، والقرن الذي يندلق بعدها مطوقاً خاصرة القارة السمراء، هو في صميم سيرة الساحل العربي المقابل وتاريخه الموغل. وهذه المعلومة تكثّف العقدة في نقطة واحدة.. نقطة الاستهانة المبطنة التي تكلل علاقتنا.. استهانة أقرب للرفض وعدم التصديق. وكأننا نستكثر أن يكون ثمة رابط بتلك السماكة وذاك القدم بيننا وبين أولئك.. أو أن يكون الذي يجمعنا أكثر مما يحتمله تاريخ النفط الطارئ.

لكن سمراويت، التي تحمل ملامح أسمرة ودهلك ومصوع تعلمنا الكثير.. وتذكّرنا بأن تلك الأخيرة بالذات كانت المرفأ الذي استقبل مهاجري الإسلام الأوَل. تعلمنا أن مفردة “حبشي” مخاتلة وشاسعة.. وأن ذواكرنا جاحدة وقصيرة النفَس لحد يثير الشفقة.

يصر حجي جابر على أن يربط بين الضفتين بإحكام.. على الاقل عبر الـ ١٩٠ صفحة. في فصول تتناوب بين جدة وإريتريا مستفتحاً بداياتها تارة بأشعار للثبيتي وتارة لمحمد الشيخ مدني، يجعل أبطاله يقابلون محمد صادق دياب من هنا، ومحمد سعيد ناود من هناك، يأخذنا عبر آثار المحتلين: عثمانيين وإيطاليين وأثيوبيين، يحدثنا عن شعب حارب طويلاً حتى تعب. حرر وطنه أخيراً لكنه تاه عنه. في سمراويت يعود عمر لأسمرة مندهشاً لأن الرحلة التي تأخرت ثلاثين عاماً قطعتها الطائرة في ساعتين وحسب. يعود بحثاً عن الذكريات وعن الحب والذات، يعثر على شظايا من ذلك كله.. لكنه الوطن الذي حسب أنه سيغطيه بعد عقود من الغربة المقنعة.. ما يزال مستعصياً عليه. ويكتشف أن غربته لها أكثر من وجه.. أشدها قبحاً ذاك الذي قد يتلبسه الوطن.

——————

العنوان اقتباس من بيت لمحمد الشيخ مدني