Hits: 16497

قام الأستاذ أحمد العمران مشكوراً بترجمة التدوينة للغة الإنگليزية ونشرها بموقع Riyadh Bureau

كالعادة أمسكنا بخناقات بعضنا على تويتر لنناقش قضية هدم الرواق العبّاسي (العثماني) في الحرم المكي. فريق كان يتباكى على الأثر التاريخي المفقود، وفريق يرى أن التيسير على الحجيج وتوسيع المطاف أولى من حفظ الحجارة (كنت أنا مع الفريق الأول).

عموماً فقد تأخر الوقت لإنقاذ الرواق، لكن مهما كانت وجهة نظرك فيهمني أن تعرف بأن المسألة أكبر من تاريخ الحرم المعماري وأكبر من شرف خدمة الحجيج. المسألة متعلقة بتاريخ الأمة، بأجيال تُقطع علاقتها ببيئتها، وبمخطط تدميري لا نفتأ نعايش فصوله في الحجاز منذ عقود. وإذا ظننتم بأني أبالغ فأرجو أن تعلقوا بعد أن تقرأوا كامل التدوينة.

لقد هبّ الكثيرون ليذكرّونا بأن توسعة الحرمين هي سنّة بدأها الفاروق عمر، وبأنه لا سبيل للتوسعة إلا عبر الهدم، بالرغم مما يقال بأن الازدحام الحالي في المطاف هو مشكلة متعلقة بعلم إدارة الحشود ولن تحلها إزالة الرواق، بل إن توسيع المطاف سيفاقم الإشكالية في الواقع!

هناك فريق آخر لا يرى في أي دعوة لحفظ الآثار النبوية والمتأخرة في الحرمين إلا دروشة وشركيات وتعلقاً بإرث التصوف وخزعبلاته. وهؤلاء لا أملك إلا أن أدعو لهم بأن يسلل الله سخيمة قلوبهم.

إن كثيراً من سكان الحجاز مقتنعون بأن في الأمر مؤامرة لطمس الهوية الأصيلة للمنطقة والتي بقيت شواهدها حية إلى ما قبل ٣٠ أو ٤٠ عاماً خلت وحسب، قبل أن تنشط البلدوزرات لتهدم وتنسف تلك الآثار بشكل مريع تحت ذرائع شتى: الحفاظ على صفاء العقيدة، التسهيل على الحجاج والمعتمرين، إنشاء مخططات سكنية ومشاريع تطويرية. وهي كلها ذرائع لا قيمة لها على أرض الواقع بل وتبدو مُختلقة ومزيفة على ضوء البدائل الكثيرة التي كانت متاحة وتم تجاهلها كلها على مر السنين لصالح الخيار الجذري. وللتدليل على ما أقول فسأستعرض معكم مآسي بعض الشواهد الإسلامية بالمدينة المنورة والتي كانت قائمة حتى وقت قريب ثم “اختفت” من خارطة الوجود بفعل فاعل متعمد وبدون أي مبرر مفهوم:

١- سقيفة بني ساعدة: والتي تعتبر أول “برلمان” انتخابي في الإسلام. تحكي لي والدتي أنها كانت تمر بها في طريقها للمدرسة وهي بعد صبية. وكنت أراهم قبل سنين يشيرون لحديقة عامة –اختفت الآن- بحسرة على أنها موضع السقيفة. لماذا اختفت الحديقة أيضاً؟ وأصلاً لماذا تقام “حديقة” في مقام هذا المعلم الذي هو في قلب تاريخ أمة الإسلام؟ لماذا ليست محلها قاعة مؤتمرات كبرى أو حتى نصب تذكاري. أأزيلت درءاً للشركيات؟ أم تيسيراً على ضيوف الرحمن هي الأخرى؟!

٢- جبل الرماة: هذا الجبل الذي جرت عليه وحول سفحه أحداث غزوة أُحد. لا تفتأ الأخبار تأتينا بمحاولات إزالته، أو باقتطاع جزء منه لأجل مد طريق، وأخيراً سمعنا عن محاولات منع تسلقه والاقتراب منه.

٣- المساجد السبعة: يقال أنها مواضع صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء حصار المدينة خلال غزوة الأحزاب. ومن جديد تتوالى الأخبار عن وجود مخططات لإزالتها –يقال لأنها مواضع غير ثابتة تاريخياً- وهذا عذر هزلي لأن الثابت وغير الثابت عندنا سواء في الهدم والكنس.

٤- بئر سيدنا عثمان: على تخوم حي سلطانة في قلب بساتين مهملة. وأذكر أن لوحة صدئة كانت تشير للموضع من سنين لا أدري ما فعل الله بها وبه.

هناك الكثير والكثير من المواضع الأخرى والأهم بالمدينة المنورة وبمكة المكرمة والتي طُمست مؤخراً أو طمرت أو نسفت أو أهملت عمداً ولن تعيدها للوجود الكتابة عنها. وفي مدونة لُبنى تدوينة قيمة بهذا الخصوص.

إن من أقوى الحجج التي يسوقها المعارضون لفكرة الحفاظ على آثار النبي والصحابة بمكة والمدينة هو أن الأولين لم يفعلوا ذلك. وأن بيوت الصحابة -مثلاً- لو كانت جديرة بالحفظ لما هدمها عمر بن الخطاب أو عمر بن عبدالعزيز كي يوسعا الحرمين.. فمن باب أولى أن نتجاهل الآثار اللاحقة ولا ننشغل بترف صيانتها. وأنا أقول بأن هذا رأي مردود لأكثر من سبب:

١- هل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن عبدالعزيز معصومان؟ وهل فعلهما مما يُحتج به بالكليّة؟ على كلٍ رحم الله الفاروق فلو رأى الثراء والجاه الذي يرفل فيه الكثير من أعداء الآثار أدعياء صفاء العقيدة اليوم لقرمعهم بدرّته حتى يستوعبوا فقهه حق الفهم!

٢- ولو اتفقنا على فعل سيدنا عمر رضي الله عنه والخلفاء من بعده بخصوص توسعات الحرمين، فماذا عن الآثار البعيدة كل البعد عنهما وتم انتهاكها أيضاً؟ أليس من المدهش أن تبقى عشرات ومئات مشاهد الآثار عبر التاريخ لتتسلمها الأجيال الواحد بعد الآخر حتى تصل لعهدنا الميمون فيكون مصيرها المَحْق؟ هل كان المسلمون في مكة والمدينة عبر العصور الأموية والعباسية والمملوكية والفاطمية والأيوبية والعثمانية، كلهم ضُلّالاً وفي عقيدتهم خفّة حتى تحل بركة آخر الزمان علينا نحن فنقرر أن نزيل تاريخاً عاش لأربعة عشر قرناً؟ يعني كلهم أخطأوا بالإبقاء على تلك الآثار ونحن الذين معنا الحق وبعد النظر؟

٣- ولو افترضنا -جدلاً- أن ديدن الأولين كان هدم الآثار، فلا يجب أن نفعل نحن ذلك. لقد عايش الصحابة نبيهم صلى الله عليه وسلم وشاهدوه. أما نحن فأحوج ما نكون لأي شيء من أثر ذلك الجيل وقد تباعد بيننا وبينهم الزمان. أما الخوف الأعمى من الشركيات فإقرار بالضعف في تعليم أصول الدين.

الآن نأتي للسؤال الأهم الذي سأختم به: ما فائدة هذه الآثار أصلاً؟ أليس الأهم هو العلم الذي في الصدور؟ إننا سنحب الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته بوجود الآثار أو بعدمها فلم هذا التباكي غير المبرر؟

أقول: لقد أزعجَنا فريق من الناس بتهديد ما يسمى بـ “التغريب”. وبـ “أزمة الهوية”، وكيف أن بلادنا “بلاد الحرمين” مستهدفة في ثقافتها وخصوصيتها. وهذا الكلام في مجمله صحيح. وأزيد هنا بأن أبرز وأهم أسلحة التغريبيين أعداء هوية الأمة وخصوصيتها هو هدم الآثار القديمة –نبوية وسواها- وطمسها!

إن “بلاد الحرمين” ليست هي كامل السعودية. بلاد الحرمين ومعالم زمن النبوة هي في حدود الحجاز، في مكة المكرمة والمدينة المنورة وما حولهما: في الطائف وبدر وحنين وحمراء الأسد وخيبر وسواها. ولقد نشأت أجيال من أبناء هذه الأرض بدون أن تعاين المعالم الحسيّة والمادية التي كانت ستربطها بذاك الزمن الجميل الذي لا نفتأ نستعيد مآثره طوال الوقت. بل إن تلك الآثار والمواضع هي ملك لأمة المسلمين جمعاء. وقد تكفلنا نحن بمحوها، فماذا نتوقع منهم في المقابل؟

بفضل أعداء الآثار تحولت كل من مكة والمدينة لنسخ مشوّهة من دبي أو شانگهاي؛ كتل أسمنتية وناطحات سحاب قبيحة فجة تتضارب مع خصوصيات التاريخ والجغرافيا.. ولا يتفلسفنّ عليّ أحد ليقول بأن تلك المباني الفارهة يراد بها خدمة الضعوف من ضيوف الرحمن!

التاريخ ليس ترفاً. التاريخ مهم لأنه بطاقة هوية الأمة. نحن قررنا أن ندفن تاريخنا -الإسلامي- تحت الأرض وفي جوف الكتب.. مع أننا نقرّ بأننا لا نقرأ! كم متحفاً للتاريخ النبوي في مكة والمدينة؟ ربما واحد فقط.. مع إن الفكرة جرى التنفير منها رسمياً.

والآن، من سيقنعنا بأن الأمر ليس فيه مؤامرة مؤدلجة؟ أليس من المضحك أننا ندعو للتيسير على الحاج والمعتمر، بينما نصيب هوية ابن الأرض في مقتل ونشوهها للأبد حين نرسخ في وعيه –كذباً- بأنه لم يكن ثمة قبل الإسمنت إلا التراب؟!

المسألة أكبر من الرواق العباسي بذاته، لكن دفاعنا المستميت عنه– وهو محض حجر لا يضر ولا ينفع – ما هو إلا ردة فعل لكل ما سبق.. محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وبدافع تراكمات متعلقة بجرائم أثرية سابقة.. وبدافع هاجس الهوية المتهددة.

أخيراً سأترككم، يا أصحاب الغيرة على الهوية والعقيدة وأعداء الضلالة، مع هذه التغريدة للأمورة الظريفة پاريس هيلتون، لتحتفلوا معها بافتتاح متجرها، قبل يومين، بمكة المكرمة شرّفها الله.

تدوينات قديمة ذات صلة:

- معركة الهوية خسرانة

- الرقص على رفات الهوية

- اللوفر أولى منا بآثارنا

- متحف الرسول.. في دبي؟!