المقال على موقع الشرق

كان ستيف جوبز إنساناً متكبراً، قليل التقدير للآخرين وجارحاً في نقده لهم، مغروراً بنفسه وعنيداً حدّ الهوس. لم يكن يتورع عن الكذب ناسباً إنجازات فريقه لنفسه. لكنه كان في النهاية شخصاً ذات كاريزما هائلة ومصدراً للإلهام لكل من عمل معه.. شخصية فذة غيّرت العالم!

هذه هي الخلاصة التي قد تخرج بها بعد قراءة كتاب السيرة الذاتية المعنون: Steve Jobs، والذي تم تأليفه بطلب من صاحب الاسم.. المخترع ورجل الأعمال والمصمم والمفكر الأميركي الذي رحل عن دنيانا في الصيف الماضي بعد صراع عنيف مع المرض. كان ستيف جوبز يعرف أنه يموت منذ ٢٠٠٩، ولم يمنعه ذلك من مواصلة الإبداع. طريقته العجيبة في التفكير قادته لأن يتصل بوالتر آيزاكسون، أحد أشهر كتّاب السير الأميركان ليكلفه بتوثيق قصة حياته، أن يأخذ التفاصيل من جوبز ومن خصومه كذلك قبل أن توافيه المنية، لكي لا تضيع هذه القصة المذهلة الحافلة بالدروس على أبنائه الذين لم يسعفهم الحظ بأن يعرفوا والدهم العظيم جيداً.. وعلى الأجيال القادمة.. هكذا يصف جوبز ذاته قصة حياته. غرور؟ أم ثقة أكيدة بالذات؟ الواقع أن سيرة جوبز لا تفتأ تتأرجح بين المعنيين.

الكتاب السميك يأخذنا للبدايات الأولى.. يتحدث عن المهاجر السوري (عبد الفتاح الجندلي) الذي تخلى عن رفيقته الأميركية. تركها حاملاً لتتخلى هي بدورها عن ثمرة علاقتهما: ابنٌ تم تبنيه من قبل عائلة (جوبز).. أسموه (ستيف). وحين كبر وعرف أن والديه الحقيقيين قد تخليا عنه.. أمده ذلك برغبة ممضة في التفوق وباحتقار كامن لكل شيء. لقد كان جوبز ثائراً بطبعه.. ثورية رسختها فيه ظروفه الشخصية.. فبان أثرها على كل المنتجات التي أتحفنا بها بعد ذلك

لا يمكن أن نفهم عبقرية جوبز بدون أن نضع معامل (الحظ) في المعادلة. وهي نقطة تطرق لها كتاب عظيم آخر اسمه (الأفذاذ) من تأليف (مالكوم گلادويل). في السياق التقليدي فإن جوبز كان سيعتبر طالباً فاشلاً. رفض المدرسة ورفض أن يكمل الدراسة في الجامعة التي اختارها هو وتكبد والداه لأجل إلحاقه بها مبالغ طائلة. اشتغل عن ذلك بالفلسفات الشرقية. اعتنق البوذية وصار نباتياً، سافر للهند وعاش حياة فوضوية تماماً.. تعاطى المخدرات وافتخر بذلك لآخر حياته!! الفرق بينه وبين أي “فاشل” آخر أنه لم يتوقف للحظة عن التأمل فيما حوله، وعن البحث عن ذاته ودوره في الحياة.. وأنه كان مؤمناً بعظمته الكامنة، موقناً بأنه إنسان مهم وله قيمة لكنه فقط بانتظار اللحظة اللائقة ليتوهج.. أو أنه لم ينتظرها بسلبية لكنه اقتنصها اقتناصاً. في تلك الفترة الحرجة من حياته انطلقت ثورة الحاسبات بمنتصف السبعينات. وصادف أنه كان يعيش في كاليفورنيا. لقد وضعه الحظ في المكان والزمان المناسبين تماماً رفقة عظماء آخرين من طينة (ستيف وُزنياك) و (بيل گيتس).

هل كان عصر الكمبيوتر هو الذي صنع عظمة (ستيف جوبز)؟ أم أن ستيف جوبز هو الذي صنع عصر الكمبيوتر؟ يقودنا الكتاب للاستنتاج الأخير. مع أنه من المعروف أن الحاسوب الشخصي مدين بانتشاره الخارق لفلسفات تسويق آي بي إم ومايكروسوفت. لكن المنافسة التي أشعلها جوبز بجهازه الأول (آپل ٢)، والسبق الذي كرسه بتصميمه البسيط والذكي كانت هي الأساسات التي رسمت ملامح عصر الحاسوب خلال العشرين سنة التالية.

اليوم فإن اسم ستيف جوبز مقترن حول العالم بأجهزة الآيپاد والآيپود. تلك كانت آخر إبداعات الرجل الذي عرف الفشل مراراً دون أن تنكسر عزيمته. حين طُرد من الشركة التي أسسها أنشأ شركة أخرى اسمها (نيكست) حددت لفترة معايير الحاسبات البحثية.. على واحدة من تلك الأجهزة كتب (تم بيرنارز لي) أول كود للشبكة العنكبوتية في التسعينات. ولما ترجاه أعداؤه ليعود لقيادة آپل مجدداً سنة ١٩٩٦ فإنه أطلق ثورة ثانية في تصميم الحاسبات. إن الحضارة مدينة لستيف جوبز ولآپل بالواجهة الرسومية وبمعالجات النصوص وتقنيات النشر المكتبي المتقدمة التي استلهم منها المنافسون وطوروها. ستيف جوبز أعاد تعريف نموذج الأعمال الخاص بتسويق الموسيقى والأفلام والتطبيقات البرمجية والبيع عبر الشبكة بأسرها وبشكل كلي وشامل. والشركة التي اشتراها لاحقاً (پيكسار) غيرت فهمنا للفن السينمائي للأبد حين فتحت باب التخليق الرسومي عبر الحاسوب. ستيف جوبز أعاد تعريف الهاتف الجوال.. وأعاد تعريف الكتاب والتعليم الإلكترونيين. صنع ثقافة جيلين اثنين عبر ٣٠ سنة. قلة هم الأفراد الذين حققوا تأثيراً مشابهاً خلال فترة حياتهم.

ستيف جوبز لم يدرس الهندسة الكهربائية ولا البرمجة. وهو لم يكتب برنامج كمبيوتر في حياته. لكنه كان فناناً مهووساً بمعايير الكمال. هو أنجح من قرن الهندسة بالفن في تصاميمه المدهشة البسيطة. وهوسه هذا المقترن بشخصية شديدة المركزية والتعقيد هو الذي قاده لصنع منتجات كاسحة في شعبيتها. في حروبه ضد مايكروسوفت ولاحقاً ضد گوگل وآندرويد، فإن جوبز كان يعارض فتح الباب على مصراعيه لكل من يريد أن يطوّر. كان ينافح لجعل المنتج مغلقاً مطابقاً لمعاييره هو الشخصية الصارمة.. والمذهل أنه قد خلق ثقافة استهلاكية يعتنقها الملايين متوافقة مع هذا الذوق الشخصي! البعض يعتبر أن هذه فلسفة ستموت بموت صاحبها وأن أبل ستنهار قريباً. التاريخ وحده سيثبت هذا الكلام. نفس التاريخ الذي حفظ لنا سيرة ستيف جوبز كعبقري يمثل صفوة التجربة الإبداعية الأميركية في أيامها الذهبية.. حيث لكل صاحب حلم مكان في كتاب المجد.