المقال كما نشرته الشرق

يوماً ما، سيظهر مخرج إندونيسي عظيم، ربما تترشح أفلامه للأوسكار أو للسعفة الذهبية. ستظهر كاتبة سريلانكية فذة، أو روائية فلبينية ستحصل على جائزة البوكر الحقيقية. وستكون محاور إبداعات هؤلاء عن حياتنا نحن في السعودية.

هؤلاء وسواهم كثر، ستكون “الحالة السعودية” هي وقود تجربتهم الفنيّة. وسيخوضونها من باب استكشاف الذات، لأنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً أكيداً من هذه الحالة. إنهم سيسردون خبرات حياتهم معنا، داخل بيوتنا وبين مفاصل أسَرنا.. بل كأجزاء راسخة من أُسرنا. ولن يفعلوا ذلك لأنهم “مُغرضون” أو مدفوعون من قوى خارجية شريرة، ولا لأنهم تعلموا منا أن الأدب والفن فضائحيان. لكنهم سيقلّبون الدفاتر وينبشون الذكريات ليوثقوا تواريخهم هم الخاصة.. المتقاطعة بفجاجة وكاريكاتورية مع تاريخنا نحن الخصوصي. وفي سبيل ذلك فسيغوصون في تفاصيل المستور الذي نجتهد لنخبئه وراء الأسوار العالية وحواجز الزنك ليقدموا قراءات واقعية لنا قد لا نجرؤ نحن على مقاربتها. وهذا ليس تهديداً.. إنه مجرد توقّع بدهي مبني على فهم التاريخ، ومبني على مبادئ علم الإحصاء كذلك.

كم مليون آسيوي وآسيوية جاءوا لهذه البلد خَدماً وسائقين؟ لننس الممرضات وعمال الإنشاءات وفنييّ المكيفات حالياً. لنركز على بيوتنا. كم مليون فلبينية وإندونيسية عشن تحت أسقفنا وأكلن من طعامنا؟ غسلن ملابسنا الداخلية وراقبن بصمت كأزهار الحائط دقائق حياتنا؟ كم هندياً وسريلانكياً وُلد ببلادنا؟ درس في مدارسنا؟ وعَرَفنا جيداً جداً.. أكثر مما نجرؤ على التصوّر. كم مليون؟ أفنستكثر بعد ذلك كله أن تظهر منهم حفنة مبدعين لتستفيد من هذه الحالة الرهيبة؟

لا يعرف التاريخ قصة مماثلة لقصة الآسيويين في السعودية والخليج. ولا حتى الهجرات الكبرى إلى الأميركيتين لا تشبهها.. شتّان بين الهجرة والاستقدام، بين الاندماج والعيش على الهامش. حين نفكّر في حالنا مع العمالة المنزلية بعمق واسترسال فإننا لا نملك إلا أن نستحضر روما القديمة. ليس لأننا شِدنا حضارة تضاهي حضارتها.. لكن لأننا قلّدناها في استعباد ملايين البشر، في تحويلهم إلى خدم وفي الاعتيال عليهم تماماً حدّ العجز. ومفردة “استعباد” لا يجدر أن تكون صادمة ولا هي من قبيل المبالغة. نحن نبيع ونشتري البشر.. وفق القوانين والأنظمة طبعاً. ومن لا يعجبه هذا الكلام فليُلق نظرة سريعة على إعلاناتنا المبوبة وعلى أحاديث مجالسنا: فلان عنده فلبينية سيتنازل عنها مقابل مبلغ كذا.. وعلانة مستعدة أن “تبيع” سائقها الإندونيسي مقابل أفضل عرض. هذا واقعنا.

بطبيعة الحال، فإن وزارة العمل تبذل جهوداً مضنية لتقنين المسألة.. وكذلك الداخلية والخارجية وهيئات حقوق الإنسان إلى آخر قافلة الأجهزة الحكومية التي تسعى لتنظيم ظاهرة مأساوية في أصلها. هل توجد في العالم مجتمعات مثلنا، لا يستقيم حالها ولا يسعها أن تمضي في طريق الرفاه بدون أن تستقدم.. أن تستورد بلغة أكثر واقعية.. أفراداً جديدة لأسرها كل بضع سنوات؟ قلة هي الأُسر التي تلقي بالاً لاحتياجات هؤلاء الإنسانية أو تعدهم أعضاء بها. هذا هو الواقع شئنا أم أبينا. نستقدم الخدم ثم نتخلص منهم كالأثاث القديم.. تنتهي عقودهم فنعيدهم لبلدانهم مصحوبين بالشكر أو باللعنات، لنستجلب غيرهم. دائرة مفيدة لكل الأطراف كما تنص قواعد الاقتصاد. لكن ماذا عن تتمة القصة؟

ما هي القيمة السعودية التي تم تصديرها عبر أجيال وأجيال من الخدم والسائقين والطباخين والبـ “بيبي سيترز” عبر أكثر من ثلاثة عقود هي عمر تجربة الاستقدام؟ قلنا أننا سنركّز على العمالة المنزلية لأنها الأقرب والأشد التصاقاً بنا.. لأنها الأقدر على حفظ صورتنا الحقيقية ونقلها عبر قنوات التاريخ لو سنحت لها الفرصة أو استدعت الحاجة. خلال الصيف الماضي اهتم المشهد الثقافي الأميركي بفيلم اسمه The Help، مبني على رواية بنفس العنوان تتحدث عن حالة مشابهة: حالة المواطنات الأميركيات السودوات اللواتي اشتغلن خدماً في منازل البيض في ذروة العنصرية التي عاشتها أميركا خلال الستينات. النقد الذي يحمله الفيلم لتلك الفترة مؤلم.. لأنه يستحضر كثيراً من واقعنا نحن. الأميركيون البيض تعاملوا مع الملونين على أساس أنهم دون البشر.. رفضوا أن يشاركوهم المراحيض في البيوت لأن “السود موبؤون”. لكن الحقيقة أن هؤلاء السود قد ربّوا أجيالاً كاملة من البيض. ربّوهم واهتموا بهم وشاركوهم لحظات نجاحاتهم الأولى أكثر من أمهاتهم! وحين دار التاريخ دورته والتفت لتلك الحقبة فإنه كان في نقده لاذعاً ومؤلماً. يتذكر الأميركيون تلك الأيام مقتنعين بأنهم تجاوزوها. وأنهم تحضروا وصاروا أكثر إنسانية. هكذا يظنون.. ومن حقنا أن نختلف معهم. لكننا قبل ذلك يجب أن ننظر في مرآتنا ونتأمل في حالنا نحن. كيف نحن مع مليون فلبيني، مليون إندونيسية، ومليون بنغالي وسريلانكي يقيمون بيينا؟ ماذا سيذكر التاريخ عن حضارتنا التي أوغلت في استجلاب البشر على نحو لم تعرفه إلا إمبراطوريات اليونان وروما القديمة؟ ما هي مفردات إمبراطورياتنا نحن؟ ما هو إرثنا الحضاري الذي ستجسده يوماً مخرجة فلبينية في فيلم يشبه The Help؟ أو روائي إندونيسي في رواية مدويّة ستصدر بعد عشرين سنة عن جده الذي عمل سائقاً في بلاد النفط والرمال؟