تنبيه: قد تفسد عليك هذه القراءة بعض مفاجآت الرواية

لنتفق أولاً على كيفية نطق العنوان العجيب. قولوا معي: روبو.. پوكا.. ليپس.. روبوپوكاليبس! وكما تلاحظون فالعبارة هي تنويع على مصطلح Apocalypse الخاص برؤيا النهاية. وإذا أضفنا السابقة Robo اتضحت لنا الفكرة بأكملها. هذه قصة خيالية تستشرف نهاية العالم.. نهاية الحضارة علي يدي المنجز الحضاري ذاته: الروبوتات التي صنعها الإنسان وأمدّها بالذكاء الصناعي. حتى إذا ما بلغت من الوعي مبلغاً، أدركت تلك الآلات أنها الَأولى بالسيطرة وقررت أن تثور على أسيادها البشر بل وتفنيهم عن بكرة أبيهم. هذه حبكة مكررة حد الملل. نفس الموّال الذي عزفته سلسلة تيرمونيتور، وكتب فيه كل كاتب خيال علمي من أيام آسِموف. كل الذين شاهدوا أوديسا فضائية لن ينسوا موقف هال في هذا الصدد. وأنت إذا كنتَ متابعاً مخلصاً لمستجدات الخيال العلمي فلعلك ستستحضر ثلاثية روبرت سويَر الأخيرة WWW حيث يتشكل وعي ووجود للإنترنت. “ثورة العقل الإلكتروني” هي ثيمة تكاد تكون محروقة! فما الجديد إذاً في هذه الرواية Robopocalypse التي ظهرت في صيف ٢٠١١؟ ما مبرر خصوصيتها التي جعلت ستيفن سبيلبرگ -بذاته- يقرر أن يخرجها كفيلم سينمائي سيظهر -والله أعلم- في ٢٠١٣؟

  تُعد الرواية مثالاً للفكرة القديمة التقليدية المستهلكة التي تمت إعادة توظيفها بشكل جيد جداً. والذين قرأوا World War Z يقولون أن هناك تشابهاً كبيراً بين أسلوبيّ سرد الروايتين، حيث يقوم بطلٌ، هو ضمير المتكلم الرئيس –الشخص الأول– في الرواية، بسرد مذكرات وشهادات سواه من الناجين -نعرف هكذا أنه نجا هو الآخر- ليعطينا مشاهد متفرقة تشكل في مجملها الصورة الكبرى للحدث. ليست هناك مفاجآت باهرة في ربوپوبكاليپس ولا عقد فنيّة فذة. في البداية يتم إطلاق مارد ما من عقاله: (آركوس)؛ الكيان الرقمي الموجود على الإنترنت. آركوس الذي يعرف كل شيء ولا يعرف أي شيء.. والذي ظل حبيس الفضاء السايبري لآماد حتى أدّت تجربة خاطئة لإكسابه وعياً بذاته فقرر أن يستقل وأن يمسك بزمام السيطرة. آركوس هذا يشرع في تجنيد الروبوتات التي يغص بها العالم في الزمن المستقبلي القريب حيث تدور الأحداث. وحين نتكلم عن “الروبوتات” فإننا نقصد كل أشكال الآلة الذكية التي صنعها الإنسان لتجعل حياته أسهل: السيارات التي تسير بدون سائق.. ومثلها الطائرات، ألعاب ودمي الأطفال، روبوتات الخدمة المنزلية، عمال المناجم الآليون، روبوتات توزيع البريد، فضلاً عن الإنسالات العسكرية وأنظمة الدفاع والاتصال وشبكات الجوال وكاميرات المراقبة بطبيعة الحال. كل شريحة إلكترونية متصلة بالإنترنت سيتصل بها آركوس و”يقنعها” بأن تتمرد على البشر وتخدم قضية الشعب الآلي. تندلع الحرب حين تأخذ المفاجأة الناس ويكتشف مليارات البشر أن الآلات صارت لا تستجيب للأوامر الصوتية ولا لضغطات الأزرار.. بل إنها ما أن تقترب من إنسان حتى تسارع لتهشم جمجمته أو تدهسه. يقع الملايين ضحايا الصدمة الأولى.. ثم تنشأ المقاومة في ظروف إستثنائية.. وخلال ثلاث سنوات ينتصر الإنسان مجدداً على الآلة. سيناريو تقليدي جداً كما ترون.. لكن العبرة في التفاصيل.

وقبل أن نشرع في تحليل أسلوب الرواية يجب أن نتطرق أولاً لشخص المؤلف: دانيال إتش ويلسون. ابن أوكلاهوما  والـ ٣٣ عاماً. إن خلفية ويلسون المهنية والإبداعية جديرة بالاهتمام؛ فهو حاصل على الدكتوراه في علوم الحاسبات ومهتم في الوقت ذاته بالخيال العلمي –تنويعة عجيبة كما تلاحظون 😛 – بل إن شهادته هي في علوم الروبوتات بالذات ومن أحد أفضل الجامعات المتخصصة: كارنيگي ميلون.

حين نتابع مسيرة ويلسون مع الكتابة فسنجد أنه قبل أن ينشر أعمالاً إبداعية اتجه أولاً للكتابة في الشأن المعرفي وتبسيط العلوم. فنشر كتباً نالت شهرة كبيرة من قبيل: “كيف تبقى حياً أثناء ثورة الروبوتات؟” في ٢٠٠٥ أتبعه بجزء ثانٍ في ٢٠٠٧ بعنوان: “كيف تبني جيش روبوتات؟” وبين الكتابين اشتغل محرراً بمجلة Popular Mechanics. هذه السيرة المهنية المختصرة ضرورية جداً لنفهم الذهنية التي كتبت لنا الرواية، فنحن أمام أكاديمي متخصص له اهتمامات أدبية. وهذه الاهتمامات الأدبية مرتبطة تماماً بمجال تخصصه. بمعنى أن “حِرفة” لويس قد ألقت بظلالها على الطريقة التي تعامل بها مع مشروعه الروائي الروبوتي طوال خمس سنوات. وسأزعم هنا أنه تعامَل مع الرواية كمشروع بحث علمي منشور في “جورنال” متخصصة. في السياق الأكاديمي فالباحث ينشر دراسته الأولية في أوراق تُعرض بمؤتمرات علمية. وإذا كانت هذه البحوث جيدة كفاية فإنها تنشر بتوسع أكبر في مجلاّت علمية محكّمة. وهكذا تعامل ويلسون مع الرواية. إنه قد استعرض أفكاره الإبداعية الشاطحة في مجال تخصصه وطرحها في كتابين وعدة مقالات.. ثم اتخذ الخطوة الأكبر وصهر كل مالديه في تجربة روائية واحدة.

هذا الشرح أعلاه ضروري جداً لنستوعب لمَ روبوپوكاليپس رواية جيدة.. إنما ليست رواية عظيمة. فدانيال ويلسون قد يكون كاتباً واضح الأفكار وذا خيال خصب وسرد متماسك، لكنه ليس قاصاً مدهشاً.. ليس بعد. إنه لم يتخلص بعد من نزعته التعليمية وهو يكتب رواية خيال علمي.

يقدم ويلسون تفسيرات ممتازة لكل تطورات أحداث قصته. من الناحية العلمية فالحبكة ممتازة. والترابط بين الأحداث والشخوص الموزعة عبر الزمان والمكان ممتاز هو الآخر ومتصل في سلسال واحد تكشفه لك الصفحات كلما أوغلت بها. لكن الشخصيات ينقصها العمق اللازم. كما وأن ويلسون لم ينجح تماماً في خلق حالة الرعب والكآبة الملائمين لأجواء روايته. حين تقرأ عن  “نهاية العالم”.. عن مذبحة تُرتكب في حق البشرية خلال ساعات وتستمر طيلة ثلاث سنوات، فإنك يجب أن تعيش حالة من القلق والتشويق. لكن الراوي عوضاً عن ذلك يمدك بالثقة ولا يخلو أسلوبه من الإملال. مرة بعد مرة ينجو أبطاله بحيواتهم ليعيشوا ويحكوا.. وإلا ما توفرت للبطل الأول -اسمه كورمِك والاس- مادة مذكراته. لغة ويلسون لم تساعده إذاً. التوصيف دقيق وحرفي لكنه ليس باهراً. لهذا قلت أن حاسة الأكاديمي متغلبة حتى الآن على حاسة القاص عند ويلسون.

كيف يتفق إذاً ألا تكون الرواية عظيمة ومع ذلك تشتري استوديوهات Dream Works حقوقها السينمائية وينبري ستيفن سبيلبرگ لإخراج الفيلم؟ ربما لأن الفكرة والأحداث حافلة بالصور المدهشة التي لم يفلح المؤلف في رسمها وستعيد عدسة الكاميرا تخليقها بشكل أفضل. سبيلبرگ مهووس بهذه القصص هو الآخر. وسيكون من المفيد أن نشاهد فيلماً آخر عن ثورة الروبوتات وعن حرب الآدميين لاستعادة السيطرة على العالم. على كلٍ فرواية روبوپوكاليبس فيها لمحات فلسفية جيدة تستحق الوقوف. فويلسون يقرر -على لسان أبطاله- أن كل شيء له وعي.. حتى الآلات. وفي الرواية فإن آركوس حين يقرر إنهاء سيطرة البشر على الأرض فليس تعصباً للآلة ضد كل ما هو حيّ.. بل لأنه يرى أن الآلة هي البديل “الحيّ” الأفضل من الإنسان! الآلة في الرواية هي الوريث الشرعي للإنسان. الآلة الذكية هي “نوع” مستقل.. ليس صنيعة الإنسان بل هي ندّ له.. ند أفضل وأحسن إدارة لموارد الكوكب. هكذا فإن خطة آركوس لا تقتضي إفناء البشر.. بل تتضمن الإبقاء عليهم لأنهم جزء محوري في التوازن الحيوي لكوكب الأرض، حيث تحيا الروبوتات. يجب الإبقاء على الإنسان مع وضعه تحت السيطرة، وإن اقتضى ذلك قتل بضعة ملايين أو تشويههم أو إجراء تجارب تحويلهم لأنصاف آليين من باب استكشاف الاحتمالات. كل ذلك لا بأس به عند الآلة الذكية التي ترى في الإنسان كائناً عنيفاً بطبعه لا هدف له في الوجود، وكما يثبت التاريخ، إلا الاقتتال وممارسة الحرب. المفارقة أن الآلة الذكية إذ تحل محل الإنسان تصاب بذات اللعنة. ولا يهزمها في نهاية الأمر إلا آلة مثلها إنما متحررة من سيطرتها البغيضة. الجزء الأكثر إدهاشاً في رواية ويلسون هو في ظهور سلالة من الروبوتات “الحُرّة”. روبوتات ترفض الخضوع لآركوس وللبشر وتريد الحفاظ على استقلالية وجودها. روبوتات تريد أن “تعيش”.. وتكتشف أن لها هدفاً مشتركاً مع البشر ومع أنصاف الآلات الذين صنعهم آركوس على سبيل التجربة.. فيتشكل حلف من الساعين للحرية هو الذي ينتصر في النهاية. الإنسان في هذه الرواية ينتصر على الروبوت الشرير لأن ثورة هذا قد خلقت روبوتات تبحث عن الحرية.. خلقت ثورة مضادة هزمت آركوس في النهاية وعلّمت البشر والروبوت كيف يتعايشون سواسية. وهذه صورة لها إسقاطاتها الجديرة بالاعتبار.. وجاءت في وقتها تماماً.