Hits: 10394

بعد المقدمة السالفة، سأتحدث الآن عن النواتج النظرية لتجربة أوبرا والتي ستلقي بظلالها على أساسيات الفيزياء كما نعرفها.. وتحديداً موضوعيّ سرعة الضوء والسفر عبر الزمن.

كان نيوتن من أوائل العلماء اللذين فكروا في الزمن، بالنسبة له الزمن كان ثابتاً.. قيمة كونية موحدة وثابتة بالنسبة لجميع الموجودات من أي زاوية نظرت إليها. أما آينشتاين فجاء بعده بقرنين ليقرر شيئاً آخر. في ‬نظر‫يته‬ النسبية الخاصة‫ فكّر آينشتاين في الثلاثة أركان التي يوصف بها الكون: الزمن، المكان، والسرعة. وبحسابات طويلة ومعقدة توصل لنتيجة مفادها أن أحد تلك المتغيرات الثلاثة يجب أن يكون قابلاً للتغيير بمعنى أنه قيمة نسبية – من هنا جاءت تسمية النظرية- وليست ثابتة لدى شخصين  يتحركان في إحداثيات مختلفة Reference Frames. وتوصل أيضاً إلى أن هذا المتغير النسبي لابد وأن يكون الزمن.. ليس المكان ولا السرعة. في وصفه للزمن يقول آينشتاين أنه مثل النهر الجاري‫،‬ يجري متباطئاً في بقعة ويتسارع في أخرى، الزمن يتباطأ تحديداً بالنسبة للأجسام التي تسير بسرعات عالية قريبة من سرعة الضوء. كيف يكون ذلك؟ سأورد بتصرّف المثال الذي عادة ما يُذكر لشرح النسبية الخاصة..

تخيّل أنه تم صنع مكوك فضائي قادر على السفر بسرعة ٩٥,٥٪ من سرعة الضوء وتخيل أنه دخل مرحلة التشغيل التجاري وأنك ستستقل المكوك في مشوار فضائي قريب -والدتك أرسلتك لكوكب مجاور لتشتري لها شغلة ما- المشوار الفضائي هذا يستغرق ٥ سنوات وعمرك وقتها كان ١٥ عاماً. نظرية النسبية الخاصة تقول‫ بما أنك سافرت بسرعة عالية جداً‬ ‫فإن ‬الزمن يمر عليك أبطأ ‫نسبياً ‬عن غيرك ممن هم في حالة ثبات‫ -تقريباً – لذا فعندما‬ تعود للأرض من مشوارك الفضائي ستجد أنه مر على الأرض بمقياس زمن الأرض خمسون عاما! عائلتك تقدموا في السن ومنطقة منزلكم أصبحت منطقة عمائر.. وأمك تقول لك أنه يجب أن تعود وترجع الشغلة لأنها ليست هي التي طلبتها!

هذا السيناريو ليس ضرباً من الخيال العلمي، بل هو حقيقة تنبأت بها نسبية آينشتاين وتم اختبارها مرات ومرات في تجارب عدّة‫. بالطبع لم يستطع أحد اختبارها في سرعات مقاربة ولو من بعيد لسرعة الضوء لكنها شوهدت في مركبات فضاء حيث وجد أن الزمن المسجل علي الساعات على متن تلك المركبات يتأخر عن الزمن المسجل على الأرض‬.

‎تلك الرحلة هي نوع من السفر عبر الزمن لكنه سفر بـ “اتجاه” المستقبل. على الأقل نظرياً، لا يوجد ما يمنع مثل هذا النوع من السفر سوى بعض المعضلات التقنية مثل‫ مضاعفة سرعة المركبات الفضائية. فأقصى سرعة وصلنا لها حاليا هي ٢٥ ألف ميل في الساعة، ‬ونحن‫ نحتاج لسرعة أعظم منها بـ ٢٠٠٠ مرة على الأقل. المعضلة التقنية الأخرى هي كيفية توفير الوقود اللازم لتوليد قدر مهول من الطاقة لتشغيل هذه المركبات. الوقود البترولي ثقيل جداً وفعاليته مخزية! لابد أن نعمل على ‬استحداث تقنيات نستطيع بها توفير طاقة من نوع فريد والتي قد تكون مساوية لمقدار الطاقة التي تطلقها أحد الشموس في المجرة! عموماً فالحراك العلمي قد يحل هذه المشكلة يوماً – وسيخلق لنا مشكلة مريعة في حال تم اعتماد بديل للنفط.. لكن هذه قصة أخرى-.

عندما وضع ليوناردو دافنشي تصوره للطيران وإمكانية حدوثه قبل ٤٠٠ سنة من اختراع أول طائرة، لم تخطر بباله كيفية صنع محركها أو نوع الطاقة المستخدمة فيه وغيرها من التفاصيل، ربما نستطيع خلال الـ ٤٠٠ سنة القادمة التغلب على هذه العقبات بالإضافة طبعاً إلى أن ٤٠٠ سنة ليست بالمدة بالطويلة فهي الوقت الذي يستغرقه مشوار فضائي بسيط بالمكوك إلى النجم GJ 1214.

كل التنظير بعاليه كان بخصوص السفر في نفس اتجاه الزمن .. إلى المستقبل. لكن ‎‫ماذا عن السفر إلى الماضي؟ هل من الممكن حصول ذلك؟ يعتقد بعض الفيزيائيين بعدم إمكانية السفر للماضي -ليست عندهم مشكلة مع السفر للمستقبل!!- وأشهر من عارض هذه الفكرة آينشتاين نفسه وستيفن هوكنگ.

مبرر الرفض هو قانون كوني نراه ولا نحتاج لإثباته يدعى بالسببية Causality ومعناه أنه لا يمكن أن يسبق الحدث مسبباته. فمثلاً لايمكن إن ينكسر كوب الشاي الذي أمامك قبل أن تدفعه عن حافة‫ الطاولة، لا يمكن أن يولد الإنسان قبل ولادة أمه، وهكذا. السباحة بعكس تيار السببية ستؤدي إلى تناقضات Paradoxical Situations لا يمكن تفاديها‬، المنطق يستدعي إذاً وجود قوانين فيزيائية في الطبيعة تمنع حصول مثل هذا التناقض‫. ماذا لو كان بالإمكان السفر ‬للماضي لتغيير مجرى التاريخ؟ تخيل لو أن شخصا ما عاد عبر الزمن ومنع قابيل وهابيل من أن يتقاتلا؟ هل كنا سنعيش الآن في مدينة فاضلة؟ ‬إن التأمل في هذه المسائل واللعب باحتمالاتها يبدو تدخلاً صارخا في سنن كونية “عليا”. فهل منع ذلك الفيزيائيين من مواصلة التفكير في إمكانية حصولها؟ بالطبع لا! وفيزيائيو الكمّ بالذات لديهم أكثر من حيلة نظرية للالتفاف حول إشكالية السببية هذه وتبرير إمكانية السفر عبر الزمان ذهاباً وإياباً .. هنا أرجوكم أن تركزوا معي.. أجل تركزّوا أكثر مما سبق لأن الجماعة عندهم حلول!

أحد الحلول الكميّة لمعضلة السببية تبرّع بها‫ الفيزيائي ‬هيو إ‫فيريت صاحب نظرية الأكوان المتعددة Multiverses. تقول هذه النظرية أن هناك أكوان متعددة، نسخ لا نهائية للكون الذي ندركه، وأن جميع الاحتمالات الممكن وقوعها لأي حدث ستقع لكن في أكوان مختلفة.. كيف؟ مثلاً لو أنك سافرت للماضي الى الحقبة الزمنية حينما كان والدك يفكر في التقدم لخطبة والدتك، فإن كلا الاحتمالين الممكنين سيقعان كلٌ في عالم مختلف. هكذا فسيخطب والدك والدتك في عالم )أ( ولن يحصل النصيب في العالم )ب(. عليه فستولد أنت في عالم)أ( ولن تولد في عالم )ب(. سيكون لك إخوة في أحد العالمين ولن يحصل ذلك في العالم الآخر.. إلخ. وبالتالي لو استطعت السفر إلى الماضي وقابلت والدتك وأقنعتها بعدم قبول والدك زوجاً لها فأنت بالتالي لا تغير التاريخ لأن التي قابلتها قد لا تكون والدتك وإنما نسختها في ذلك العالم والتي وحسب تسلسل الاحتمالات في ذلك العالم قد لا تمت لك بصٍلة!!

حل آخر ربما يكون أكثر “تعقلاً” بمقياس الفيزيائيين على الأقل جاء به عالم رياضياتي شهير: كُرت گودل .. توصّل گودل لحلول لمعادلات نيوتن تسمح بتجاوز سرعة الضوء دون أن يكسر ذلك أي قوانين فيزيائية معروفة. لكن تلك الحلول ستصمد فقط في حالة كان الكون يدور حول نفسه. لكن الدلائل إلى الآن تقول عكس ذلك‬ وأن كوننا لا يدور‫. وهناك مخرج ثالث للمعضلة يقول أنه لو كان الكون مطوياً حول نفسه على شكل الحرف C، فإن معادلات آينشتاين سوف لن تتعارض ووجود الممرات التي تحدثنا عنها في الجزء الأول Wormholes والتي تصل منطقتين مختلفتين ببعضهما. وبما أن الأبعاد التي نصف بها الكون من ضمنها: الطول، العرض، الارتفاع و الزمن، فإن المرور في أحد هذه الممرات سيوصلنا لأماكن أخرى ‬في المكان و أيضاً ‫في الزمان‬، وبما أنه طريق مفتوح فلا يوجد مانع من التنقل في هذا الممر باتجاهين ‫سواء للأمام أو للخلف!

غني عن القول أننا نستطيع أن نتأمل بأعيننا في حدث وقع في الزمن الماضي.. في الحقيقة والواقع وبدون أي خيال علمي أو خرابيط.. بمجرد أن نرفع رؤوسنا للسماء في الليل وننظر إلى النجوم التي تبعد عنا سنوات ضوئية. اعتبروا هذا بمثابة الـ “كويز” وفكروا في معناه 🙂

يبقى السؤال: ‎إذا كان‫ الزمن يتباطأ للمسافر بسرعات تقارب سرعة الضوء، ماذا سيحصل إذاً في حالة سافرنا بنفس سرعة الضوء؟ يقال بأن الزمن حينها سيتوقف تماماً! نعم الزمن لن يمر على شخص مسافر بسرعة الضوء!‬ جميل ..‫ ماذا إذاً لو تجاوزها؟ هلى سيمر الزمن الى الوراء؟ هل من الممكن أن يسافر الراكب على مركبة فوق ضوئية إلى الماضي فيعود من رحلته شاباً و قد سافر كهلاً؟

والآن.. كيف نربط بين كل هذه المعلومات والمقدمة التي بالجزء الأول ونيوترينوات أوبرا الأسرع من الضوء؟ هل تغيرت الفيزياء التي نعرفها؟ الجواب ببساطة هو: لا. لكنها قد “تعدلت” على أية حال.. وهذا ديدن المعرفة. فنحن حتى ومع وجود قوانين النسبية وميكانيكا الكم ما زلنا نستفيد من نظريات نيوتن وماكسويل.

فلو ثبتت صحة نتائج تجربة أوبرا فسيترتب التالي ]المصدر[:

– كسر سرعة الضوء

– تقسيم الجسيمات الذرية لجسيمات دون سرعة الضوء وجسيمات فوقها، واعتماد نموذج معياري جديد للذرة.

– تصبح سرعة الضوء حرجة Critical وليست مطلقة، وتتعدل نظرية النسبية الخاصة وفقاً لذلك.

أما لو ثبت أن نتائج التجربة غير صحيحة، فسيتغير ثابت سرعة الضوء “c” لعدد أكبر.. وستعتبر سرعة النيوترينو موازية له.

إن مجمل المعرفة البشرية يمكن تشبيهه بأحجية تركيبة Jigsaw ذات أجزاء كثيرة جداً ودقيقة جداً جداً. ونتائج تجربة أوبرا، فيما لو تأكدت، فستوفر للعلماء المزيد من قطع الأحجية ليلعبوا بها. شخصياً أعتقد أن هذه التجارب ستكون الفائدة منها كبيرة لكن أغلب الظن أنها ستأتي في اتجاه آخر غير المتوقع كما يخبرنا تاريخ العلوم. إن كل مظاهر التقنية والعلم التي بين أيدينا اليوم هي نتاج تراكمي لاسكتشاف أجزاء تلك الأحجية.. وقابلية الصورة للتغير تتيح لنا الفرصة لـ “تطوير” منتجاتنا على الدوام. اليوم وبعد تجربة أوبرا صار بوسع العلماء أن “يتكلموا” بأريحية أكثر عن إمكانية كسر سرعة الضوء.. مثلما تكلّم سابقوهم ذات زمان عن إمكانية الطيران، ومثلما نطمح لأن نتكلم عن الانتقال الآني أو تمديد عمر الخلية لمئات الأعوام. قراءة التاريخ علمتنا أن ما كنا نعتقد أنه خيال جامح في فترة من الزمن قد يصبح واقعاً معاشا في ‬فترة‫ لاحقة. والله سبحانه و تعالى أعلم.‬