Hits: 10638

حنان الشرقي مدونة من المدينة المنورة، ولدت وعاشت في جدة. حاصلة على دكتوراه في علوم الحاسبات من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية. هذه هي تدوينتها الأولى هنا.

سمعتم عن التجربة الفيزيائية التي هزّت العالم قبل أسابيع؟ قرأتم عن ردود أفعال العلماء ما بين مصدق ومكذب؟ أتحدّث هنا عن نتائج تجربة “أوبرا” والمسماة نسبة إلى الأحرف الأولى من اسم مجموعة البحث التي قامت بها: OPERA.. ترجمة المعنى الحرفي لها إلى العربية تحتاج لشهادة عُليا في اللغات!!

لماذا أثارت تلك التجربة كل هذه الضجة؟ عمّاذا كان يبحث الذين قاموا بها؟ ومالذي فاجأهم في نتائجها؟ هل تغيرت الفيزياء كما نعرفها حقاً بسببها كما يقولون؟ وثبت أن آينشتاين كان مخرّفاً وتم كسر حاجز سرعة الضوء؟ أسئلة كثيرة جداً.. لكن إليكم هذه المقدمة أولاً.

يقسّم الفيزيائيون الكون إلى عالمين تحكم كل منهما قوانين مختلفة‫: ‬عالم الماكرو وتحكمه قوانين الفيزياء الكلاسيكية‫:‬ قوانين نيوتن وآينشتاين‫.‬ هذا هو العالم المُشاهد الذي ندركه بحواسنا، أما العالم الثاني فعالم المايكرو؛ وهو العالم المتناهي في الصغر المكون من الجسيمات الذرية الأولية‫.‬ عالم المايكرو هذا تحكمه قوانين بور وهايزنبرگ‫.‬ هذان العالَمان يبدوان كالبحرين‫..‬ بينهما برزخ لا يبغيان‫.‬ إلا أن المسألة غير ذلك.‬ فعالم الماكرو، والذي هو العالم الواسع الذي نراه كل يوم ونتحرك فيه، يتكون من ذرات وجسيمات متناهية في الصغر تنتمي لعالم المايكرو، وعلى الرغم من تضارب قوانين العالمين إلا أنهما يتعايشان في توافق تام. لا نعرف كيف يتم هذا التعايش لأن الفيزيائيين لم يتوصلوا للآن إلى تلك المعادلة السحرية البسيطة التي تمكننا من وصف هذين العالمين معاً في معادلة واحدة.

‎إذاً وكما قلت فعالم المايكرو يبحث في عائلة الجسيمات الأولية الأصغر من الذّرة: الإلكترونات، البروتونات والنيوترونات‫..‬ هذه العائلة الأولية عائلة كبيرة أخذت في النمو في القرن الحالي باكتشاف أفراد جدد ينتمون لها مثل الكواركات، والميوونات، والفيرميونات، والنيوترينوات، والليبيتونات -لا علاقة لها بليبتون الشاهي- وبينها كلها علاقات عائلية جيدة أحياناً  ومتوترة أحياناً أخرى‫.‬ أيضاً سنذكر أن لكل جسيم من تلك الجسيمات قرين فيزيائي‫..‬ أو ‫”‬جسيم مضاد‫”‬ له. هذه كلها معلومات ستفيدنا لاحقاً فاصبروا معي‫.‬

هذه المعرفة التفصيلية بتلك الجسيمات لم تتحقق بالبحلقة في مجاهر ذات قوة “جهنمية” كما قد نظن، بل إن الكثير من تلك الاكتشافات نتجت عن دراسات يقوم بها الفيزيائيون النظريون ‫و”‬يتوقعون‫”‬ بموجبها وجود الجسيم الأولي كذا‫،‬ ويضعون مواصفاته وذلك بالاستدلال الحسابي وغيره، ثم يأتي فريق آخر هم الفيزيائيون التجريبيون فيصممون تجارب للتحقق من صحة تلك النظريات‫..‬ وهكذا تنمو المعرفة الفيزيائية‫.‬

‎فمثلاً آخر جسيم توقع الفيزيائيون وجوده في عائلة الأجسام الأولية ولم يتم رصده فعلياً في التجارب هو جسيم يدعى بوسون هيگ، نسبة إلى العالم بيتر هيگ الذي تنبأ بوجوده نظرياً‫.‬ ولرصد هذا البوسون؛ أنشأت الهيئة الأوروبية للأبحاث النووية أضخم وأكبر مصادم في العالم – مصادم هادرون الكبير LHC- والذي كان حديث العالم قبل ٣ أعوام.

‎نعم أتفهّم ظهور علامة تعجب كبرى هنا، فهل يعقل ان تهدر هذه الدول الأوروبية المتقدمة ٣٠ سنة من وقت خيرة علمائها، ومئات الملايين – حسب بعض التقديرات ٤,٦ مليار يورو- فقط لاكتشاف هذا الكروسون أو.. انت ايش قلت اسمه؟.. البوسون؟؟ و ما ضر البشرية لو لم تكتشف هذا الجسيم الذي جرؤ  البعض على تسميته بـ”جُسيم الله” أو The God Particle؟ ماذا سيفيد رصده؟

‎التعجب في محله. لكن لو صدقت نظرية البروفيسور هيگ – وشركاه – فإن هذا البوسون هو الجسيم الذي يعطي لجميع للجسيمات الأخرى كتلتها، ويعطي بالتالي لهذا الكون كتلته التي لا نعرف من أين تأتي أكثر من ٩٠٪ منها، أقول لو تم رصده في النهاية – والبعض كان قد تنبأ بأنه لن يُرصد أبداً – فإن ذلك قد يساعد على الإجابة على أسئلة كبرى أخرى معلّقة في علم الفيزياء‫؛‬ مثل ماهية المادة المظلمة والطاقة المظلمة وربما أيضاً معرفة سر قوة الجاذبية و كيفية ربطها بالقوى الأخرى التي نعرفها حتى الآن: القوى الضعيفة والقوى الشديدة والقوة الكهرومغناطيسية.

أحد النتائج غير المتوقعة التي سُجلت مؤخراً هي نتائج تجربة الأوبرا التي تحدثنا عنها في البدء، وهي تجربة قامت بها مجموعة علماء في إيطاليا بالتعاون مع هيئة سيرن -على طريقة امسك لي وأقطع لك- الهدف منها كان دراسة خصائص جسيمات أولية أخرى تدعى نيوترينوات تاو.. والنيوترينوات هي أحد أكثر الجسيمات الأولية وفرةً في الكون.. وقد تم التنبؤ بوجود جسيمات التاو هذه في السبعينيات من القرن الماضي، ورُصدت فعلياً في تجربة أجريت العام ٢٠٠٠.

سدد علماء سيرن “فوهة مدافعهم” التي تطلق النيوترينوات نحو نفق تحت الأرض يصل بين الـ LHC في جنيف ومقر معهد LNGS في گران ساسو بإيطاليا عابراً مسافة ٧٣٠ كلم تحت جبال الألب. ولأن النيوترينوات كتلتها صغيرة جداً تكاد تكون معدومة، فإن مصادم الهادرون يطلقها بسرعات فائقة تقارب -لكن لا تصل إلى- سرعة الضوء. قام العلماء، مجهزين بأجهزة GPS الفائقة الحساسية، بحسابات متناهية الدقة لحساب مكان وسرعة النيوترينوات في رحلتها الطويلة والتي تستغرق أقل من ٣ أجزاء من الألف من الثانية. على الجانب الآخر من النفق حصل شئ أذهلهم تماماً! وجدوا أن هذه النيوترينوات تصل من رحلتها قبل الموعد المتوقع. ماذا يعني ذلك؟ يعني أنها تجاوزت سرعتها المتوقعة.. بل وتجاوزت الحد الأعلى للسرعة المسموح به في هذا الكون: سرعة الضوء!! نتيجة غير متوقعة وأيضاً لا يمكن تصديقها. أعيدت الحسابات مرات ومرات وأخذ في الاعتبار دوران الأرض و الفرق بين الليل والنهار وتغير الفصول بل أنهم أوقفوا حركة المرور في المنطقة المجاورة لمركز الأبحاث لضمان دقة أجهزة القياس وإلغاء كل ما يمكن أن يؤثر على حركة النيوترينوات، بل واستخدموا معياراً إحصائيا أقوى من المعتاد لقياس مدى دقة النتائج وهو معيار ٦-سيگما مما يعني ان احتمال ان تكون النتائج المشاهدة ناتجة عن الصدفة هو واحد في المليار.. لكن النتائج المذهلة ظلت صامدة! يقول مراقبون أنهم لن يصدقوا هذه النتائج إلا في حالة قيام مجموعة أخرى بإعادة التجربة وحصولهم على نتائج مماثلة! مجموعة أخرى تعيد التجربة؟! لماذا يا جماعة؟ لماذا لا تعلنون قانوناً فيزيائياً جديداً تطلقون عليه اسم “قانون الأوبرا” ثم تمضون وقتكم في الظهور الإعلامي وفي انتظار نوبل الفيزياء؟ للأسف لا يمكنهم ذلك لأن المشاهدات الاستثنائية تستوجب إثباتات استثنائية.

‎لكن مالذي يمنع جسيماً من نوع خاص أن يتجاوز سرعة الضوء؟ كأن يكون من فصيلة “كائناً من كان” مثلا؟ و لماذا كل هذا الإصرار على عدم تصديق النتائج الحالية خاصة وأن السرعة المسجلة تزيد عن سرعة الضوء بـ٦٠ نانو ثانية فقط؟ ومن هذا الذي يعتقد أن الكون هذا هو “كون أبوه” حتى يضع حداً أقصى للسرعة الكونية؟ إنه السيد آلبرت آينشتاين!  لأنه وحسب معادلته الشهيرة التي تربط الكتلة والطاقة بالسرعة فإن أي جسيم له كتلة لا يستطيع أن يسافر بسرعة تقارب سرعة الضوء دعك عن أن يتجاوزها. فالفوتون، الجسيم الأولي للضوء، هو الوحيد القادر على السفر بالسرعة القصوى لانه جسيم عديم الكتلة. وللتوضيح أكثر.. فلٍكي تستطيع أن تسرّع جسيماً ما بحيث يتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء، فإنك يجب أن تزوده بكمية ضخمة جداً من الطاقة. مصادم الهادرون مثلاً يضخ كمية من الطاقة تكفي لإنارة مدينة كاملة لتسريع حفنة من البروتونات لتصل سرعتها إلى سرعة أقل من سرعة الضوء. ولا يمكن بأي حال تسريع هذه البروتونات لتكسر حاجز سرعة الضوء لأنه وحسب معادلات آينشتاين للطاقة والمادة والعلاقة بينهما فإن كمية الطاقة التي نحتاجها حينها ستساوي “لانهاية” أو ‫Infinity.‬

‎ لكن ماذا لو كان آينشتاين مخطئاً وكانت النيوترينوات فعلاً قادرة على السفر بأسرع من سرعة الضوء؟ هل سنرمي بمئة عام من الفيزياء وراء ظهورنا؟ هل معنى ذلك أن النسبية، أشهر وأرشق نظرية في تاريخ العلوم، كانت غير صحيحة بالمرة؟ بالطبع لا. لأنه وكما رأينا في تاريخ تطور العلوم أحياناً قد تكون نظرية ما صحيحة تحت ظروف وتصمد أمام العديد من الاختبارات وتفسّر الكثير من الظواهر إلا من بعض الاستثناءات والتي يُطلق عليها Anomalies مما يعني أنها مقاربة للحقيقة أو كما يقال Approximation of the Truth، لكن يأتي اليوم الذي تقود فيه هذه الاستثناءات إلى كشف حقائق جديدة لم تؤخذ في الحسبان في النظريات الحالية. وهكذا تتبدل النظريات وتتطور العلوم.

‎بعض الذين فسّروا تجربة أوبرا لم يرفضوا تماماً فكرة ان تكون النيوترينوات أسرع من الضوء لأكثر من سبب، أحد الأسباب هو أنه ‫حسابياً لا يوجد في نظرية النسبية الخاصة أو العامة ما يمنع احتمال وجود جسيمات ما سرعتها دائماً – في جميع حالاتها – مساوية أو أسرع من سرعة الضوء. مثلا الفوتونات -الجسيمات الصغيرة التي يتكون منها الضوء- سرعتها دائماً واحدة مساوية لسرعة الضوء أي أنها لا تكون ساكنة ثم تتسارع حتى تصل لهذه السرعة. الممنوع في النظرية هو إمكانية ‬أن تتزود جسيمات ما بطاقة ‫كبيرة وهي في حالة سكون ‬بحيث تتسارع إلى ان تصل لمرحلة تتجاوز فيها سرعة الضوء‫. لذا لم يستبعد البعض أن تكون هذه النيوترونوات وهي التي تملأ الكون و تسافر في أرجائه و تخترق الشموس والكواكب، لم يستبعد أن تكون سرعتها الاعتيادية أصلاً أسرع من الضوء. وهذا لا يتعارض مع نظرية آينشتاين كما أوضحنا.

هذا تفسير، أما التفسير الآخر فيذهب لأبعد من هذا وقد ناقشه فيزيائيون كثر من قبل ويقول بأن قانون عدم تجاوز سرعة الضوء ينطبق فقط عندما نُعمل نظرية النسبية في فضاء مستوٍ. لكن لو أُعملت هذه المعادلات في فضاء من نوع آخر – فضآء متقوس مثلا- فلا يُشترط تحديد السرعة القصوى بسرعة الضوء‫. ‬بعض الفيزيائيين من منظري نظرية العوالم المتوازية والأبعاد المطوية Wrapped Dimensions على الرغم من رغبتهم في الظهور بمظهر المشككين في نتائج الأوبرا إلا أنهم لم يخفوا حماستهم فيما لو كانت النتائج صحيحة، فنظرياتهم تقول بأنه في حالة وجود عوالم متعددة Multiverses، فإن الجسيمات تستطيع أن تتجاوز سرعة الضوء و ذلك بالمرور عبر أبعاد أخرى غير مرئية لنا قد تختلف فيها السرعة القصوى للضوء عن عالمنا، أو أن الجسيمات قد تصل أسرع نتيجة لمرورها بطرق مختصرة عبر هذه الأبعاد Wormholes!

بغضّ النظر عن أي التفسيرات هو الأقرب للصحة، إلا أن الكثير يتفقون على أن معطيات تجربة أوبرا قد تقودنا لتغيير رأينا -ولو نظرياً- بخصوص فكرة فيزيائية مدهشة.. السفر عبر الزمن! وهذا ما سنتكلم عنه في الحلقة القادمة.