بعد الثانوية، عملت في حقل مبيعات الخضار والفواكه لسنتين، فبدأت بسنترال في ثلاجة تستورد الفواكه، وانتهى بي الحال أبيع الخضار ما بين البسطة في عتيقة وسوق الجملة في العزيزية. وكنتُ أبحث خلال تلك الفترة عن جامعة تقبلني. كنتُ أسافر لكل كلية تفتتح أبوابها للقبول في أية منطقة، وأعود خائبًا. أما والدي الذي لم يتقن، رغبةً منه، لغة الواسطة، فكان يذهب معي في بعض محاولات التقديم داخل الرياض برجاء الأب وصور شهادتي ومستقبل مجهول. بعد سنتين، أي عام ١٤٢١، دخل معي إلى مكتب عميد القبول والتسجيل في جامعة الملك سعود، كان يوم الاثنين حيث يستقبل سيادته المواطنين ويستمع إليهم كشيخ قبيلة. قام أبي، في محاولة مبتكرة ويائسة، بعرض رسوماتي على العميد وهو يقنعه: “اقبلوه في كلية الفنّ التشكيلي، الولد رسام.” حدث أمرٌ غريب وجديد حينها، حيث قام سيادة العميد بإلصاق ورقة صفراء على ملفي بعد أن وقع عليها:

“الرجاء عمل اللازم”

كانت أول مرة أقرأ فيها هذه الجملة السحرية التي جعلت من موظفي القبول والتسجيل ينهون إجراءات قبولي خلال ساعة واحدة. لم أكترث حينها بصرفهم إيايَ، كسبعة هاص مقطوعة واللعب صن، إلى كلية الزراعة، ولم أتمادى كثيرًا في تحليل العلاقة بين الرسم والشجر، فربما كان دافعهم هو التصاق بعض أوراق الفجل والخسّ بملابسي، ولكن المهم أنني قُبلت، وسأستدرك الأمر لاحقًا وأقوم بالتحويل إلى كلية اللغات والترجمة.

لم تتمكن مخيلتي اللزجة من نفض تلك الجملة التي كنت أجهل لعامين أنها حل لمشكلتي -وسأكتشف مستقبلاً أنها حلّ للسواد الأعظم من مشاكل الناس في السعودية- أمست تزورني في الليل نائمًا، أراها بسقف الحجرة، ثم تتشكل على الصدّامات الخلفية للمراكب السائرة أمامي في طريقي إلى الجامعة، وكنتُ أحلم بعالم توزع فيه تلك الأوراق الصفراء بالمجان عند الإشارات كالماء والتمر في رمضان، ثم انتهيت بكتابتها على دفاتري خلال الفراغات بين المحاضرات وأتبعها بلقب مراهق متحمس:

“الرجاء عمل اللازم.. ذكريات المشتاق ٢٠٠١”

مرّت السنوات، وشاهدتُ تلك الورقة أكثر من مرّة على معاملات الأصدقاء والأقرباء، وبدأ المنطق بفرقعة نفسه كثيرًا ودائمًا في مخيلتي، وفكرت: إذا كان الإجراء لازمًا، فلماذا يتمرمط الناس ويفرقعوا أنفسهم ويتوسلون في سبيل الحصول عليه؟

كم هو سخيف أن تُختَصر حقوقك وأحلامك في جملة على ورقة صفراء يكتبها ممتلئ بالدهن والغرور، يصنع سعادته بتطبيل المساكين ودعواتهم. كم هو محبط أن تتحوّل أحلام الشباب السعودي من أن يكونوا مهندسين وأطباء ومحاضرين في الجامعات ومشاركين في خدمة البلد وسكانه، إلى أن يكونوا رجالاً كاملي الدسم يقضون أيامهم بتجاهل مصالح الناس ويكتفون بحل الكلمات المتقاطعة وإلصاق الأوراق الصفراء على المعاملات في أيام تتنزل عليهم الرحمة. كم هو مخجل أن تتحول حقوق الناس من مطلب يجب توفيرها ومعاقبة المقصرين في تحقيق عدالتها، إلى صدقة تمنح لهم بمنّة.

وكم أنا متحمس، لأن أخبركم الآن، أن جميع سكان السعودية من مواطنين ومقيمين سيحصلون على ثلاثة كراتين ممتلئة بجميع حقوقهم “اللازمة”، إذا ما توقفوا عن طلب الواسطة والتطبيل لكاتبي تلك الأوراق البالية، فقد انتهت صلاحيتها وصلاحية أقلامهم الفاسدة، فمن الآن وصاعدًا، سنكتب ونطالب بحقنا وحق الوطن بأنفسنا.