لأننا لو نشعر بذلك، برغبتك الواضحة في عودتنا، لن يفكر أحدٌ، مجرّد التفكير، بالبقاء في الغربة. سنعود وليست الشهادة التي تدفعنا إلى العودة، فهي لا تتجاوز كونها ورقة لا تختلف عن مثيلاتها التي عُلقت لأجيال على جدران إدارات مؤسساتك يا وطني، تلك التي أنتهك بعض حامليها بنيتك التحتيّة ولعبوا المونوبولي ببيوتك الشعبية وغير الشعبية، ووزعوا بيادقهم على شطرنج مخططاتك، ثم تركوك عاجزًا أمام تهديد السحاب، الزائر الخفيف الذي يأتي مرةً في العام. سنعود وليس من المهم معرفة مسميات الدول التي درسنا بها، أو مواقعها على الخريطة، ولا مدى ارتباطها بالوثن أو اهتمامها بالقبلة، ففي النهاية هي دولٌ تعترفُ بحقّ الإنسان بها، الذي كرّمه الله عن بقية الخلق. سنعود إذا أردتنا أن نفعل، ولكننا لا نسمع صوتك يا وطن، هل ترغب في أن نعود؟

لقد تعلمنا الآن يا وطن، أليس هذا هو الغرض من خروجنا في بادئ الأمر؟ لقد تعلمنا أن نفصح عما نريد. العلاقة بين الناس لن تنجح إذا ما كانت الرغبات والشكاوى لا تُفصح، وإذا قيلت كُممت الأفواه وفتحت أبواب الزنازين لمساجين رأيٍ وتوجُّه. لقد تعلمنا في الغربة أن نعرف ما لنا وما علينا، حتّى حقّك علينا يا وطن عرفناه هنا، ذلك الحق الذي أشغلنا عنه صخب شكوانا. لقد عرفنا قيمتك عندما غادرناك، ولكننا نخسرك بمجرد أن نصل إلى جمارك مطاراتك.

أول حق لك علينا، هو أن نعالجك من ورم الفساد، الحقّ في محاكمة الكبار المختلسين من مخصصات مشاريعك، والصغار جامعي أموال المواطنين مقابل منحة أرض أو وظيفة جندي في سلاح الحدود. حق الحديث عنهم في الصحف والتلفاز وجرّهم إلى المحاكم كبقية المجرمين. حق الفقير المُقعد في حجرةٍ ما في الشميسي الذي لا يجد من يدفعه إلى الشارع كي يقول أنه جائع، والمرأة التي لا رجل يخرج صوتها من زاويةٍ دمرتها السيول وعيون مجتمعٍ ذكوريٍ قاس. حق للجميع في تنظيف إداراتٍ تختنق بالفساد وتخنق مراجعيها. كلنا، ملتحينا وحليقنا، رثّنا ونظيفنا، سنيّينا وشيعينا، ليبرالينا وتنويريّنا، قبليّنا وخضيريّنا، كلنا مواطنوك، ونرنوا حقوقًا لم نتعرف عليها حتى فُتح لنا باب العالم، وأُرسلنا إلى الخارج كي نتعلم، لنكتشف أننا سواء، وأن لنا في الغربة حقوقًا كاملة كأجانب لا تفرق كثيرًا عن غيرنا، ويتم احترامها أكثر مما تُحترم حقوقي فيك يا وطن.

لقد تعلمنا أن يعرف كلّ إنسانٍ حدوده ومساحة سلطته، أن نحفظ للآخرين حرياتهم في التعبير دون مساسٍ وتعدٍ، علاقة احترام وصراحة بين أفراد الشعب، وبين الشعب والسلطة. فهنا لا يجرؤ أحد ما، أي أحد، بغير حقّ أن يتدخل في شؤونك الخاصة فقط لأنه يعرف أنه لن يحاسب. هنا لا أحد يشكك بمصداقيتك في الشارع فقط لأن لديه سيارة بختم حكومي، السلطة تعمل لصالح الشعب، توصلهم إلى بيوتهم عندما يضيعون في زحمة المدن، وتتلو عليهم حقوقهم باحترامٍ إذا ما أوقفوهم لأي سبب.

وكما تعلمنا التعاطف والتعايش مع بعضنا على اختلاف توجهاتنا فقد تعلمنا أيضًا أن نتعاطف مع الحياة بما فيها، أن ترهف قلوبنا ونحزن عندما تنتهك حقوق البيئة. تعلمنا أن نتحدث نيابةً عن الأرض التي سعى الإنسان فيها مفسدًا ومخربًا، بأدخنة مصانعه ومجاريه وقمامته. عندما نعود يا وطني لن أضمن لك عدم النداء بإصلاح طرق الدخان في الرياض، الخرج، الجبيل، ينبع ومهد الذهب، لن نضمن لك عدم البكاء ندبًا على الأرض الأمانة في أعناقنا، والحيوات التي تقتل، عبثًا وإهمالاً، كلّ يوم ألف مرّة في السماء والبرّ والبحر الأحمر الذي سممناه بمجارينا. تعلمنا أن نكمل من حيث وصل العالم، وآخر حقيقة توصل إليها، هي أن الإنسان دمّر البيئة، لذلك فإن البلدان التي أُرسلنا إليها، تحاول جاهدة إعادة صياغة الصناعة والتطوّر وتصرّف المجتمع بشكلٍ يحترم الأرض وما عليها.

تعودنا ألاّ نقود السيارة كثيرًا، أن نتجنب اختناق الشوارع بالمراكب والرئات بكربون عوادمها. تعودنا أن نقود دراجاتنا حيث تُنظم مساراتنا من قبل الشرطة وتُحترم من قبل الناس، دون أن يهمزنا المارّة ويرمون علينا مخلفاتهم. تعودنا أن نركب القطارات، نقرأ كتبًا لا يمنع حملها في حقائبنا، ثم نلقي نظرةً على الركاب ونبتسم دون أن نوزع أحكامنا على مظهرهم أو نتنبأ بما يخبئون في صدورهم. تعودنا أن نخرج إلى شاطئ البحيرة ونجده نظيفًا، نأكل ونفرز بقايا رحلتنا إلى قمامة، وأشياء قابلة لإعادة التدوير، ونضع كل قسم في برميله، ثم نسير على أرصفة مع الآخرين، نساءً ورجالاً، كبارًا وصغارًا، سودًا وبيضًا، عربًا وآسيويين، دون أن يوقفنا أحد ليتأكد من وجود عوائل معنا، أو يسأل “وش عندكم تمشون هنا؟”.

تعلمنا الكثير يا وطن، وتعودنا على أكثر. رأينا تسامحًا مع الحياة نتمناه لك ونتمنى أن نعود به لأجلك. ولا نكترث بمن يشكك في حبنا لك ولترابٍ يشكل غبار ذاكرتنا، ولا نكترث بمن يهدد بملاحقة المبتعثين -غير العائدين- قضائيًا، فنحن نستلم فواتيرنا كل شهر ونعرف جيّدًا الأموال التي تصرف علينا، ولا ينكر فضلك يا وطن إلاّ جاحد أو مصاب بعطل مؤقت في الذاكرة. ولكن كل ما يهمنا الآن، هو معرفة إذا ما نحن مرحبٌ بنا بعد أن تعلمنا!

كيف تتحدث يا وطني وتخبرنا بذلك؟ لست أعرف والله! الحقّ، أنني لم أشعر بك، أو بما يسمى الوطنية سوى مؤخرًا، ولكني أنتظر من الناس الجواب، وأنتظرُ حقوقًا وقوانين لا يتم ارتجالها وتقييفها على حسب قبيلة العسكري أو مدير الإدارة أو عدد الذين نعرفهم من أصحاب البشوت. وانتظر أنتَ منّا أن نرتقي بتعاملنا كأفراد ونتكاتف لصالحك كمجتمع. افتح لنا ذراعيك قبولاً يا وطن، لأنك عندما تفعل، سيعود الجميع لأجلك، وكفرقٍ بين السماءِ والأرض بين من يعود إليك، ومن يعود لأجلك.

خالد الصامطي، شيكاگو 7 نوفمبر 2010