مجلة موهبة العدد ٣٩ ، ديسمبر ٢٠١٠

قيل أن العبقري الكبير (ليوناردو دافنشي) كان يكتفي بـ (الغفو) لمدة عشرين دقيقة كل أربع ساعات. وقيل أن (نابليون بونابارت) كان ينام أربع ساعات متواصلة في اليوم وحسب. في أدبيات العظمة والنبوغ فالنوم هو محض “مضيعة للوقت” وترف تضطرنا له الحاجة الفسيولوجية قسراً.

في المتوسط، فإن الواحد منا يقضي ثلث عمره في النوم. وهذه معلومة مؤسفة لأول وهلة. لأن النوم هنا يبدو بمثابة غياب عن العالم.. غياب عن فرص المتعة والإنتاج والحياة. لكننا نعرف أن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً. فالنوم هو وسيلة لتحقيق ذلك كله. النوم المثالي هو وسيلتنا لإعادة شحن بطارياتنا، معنوياً وبدنياً، كي نستيقظ ونبدأ صباحاتنا الجميلة أكثر حيوية وإقبالاً على الحياة.. هذه هي النظرة الأخرى المفرطة في التفاؤل.

البعض يمارس النوم كـ “هواية”، ولديه القدرة على السبات لساعات متطاولة! والبعض يتمنى لو يتمكن من النوم. (الأرق) لأسباب نفسية أو عضوية هو مرض حقيقي يعاني منه الكثير من الناس.

لنتخيل أننا قد خُلقنا بدون الحاجة للنوم. أن أجسامنا لا تحتاج لهذا النوع العميق من الراحة الذي حير علماء وظائف الأعضاء. كيف كان شكل الحضارة البشرية سيتغير؟ ما هو تأثير النوم علينا –أو غيابه- من النواحي الاجتماعية والاقتصادية أيضاً؟

بدون نوم، فإننا –سنفترض- أننا سنغدو أكثر إنتاجية. وهذا افتراض مفرط في التفاؤل كما ذكرنا. لأن كثيراً من “الصاحين” غير مفيدون ولا منتجون أصلاً. أن يكون الإنسان مستيقظاً لا يقتضي بالضرورة كونه مفيداً ولا صالحاً. ألم يقولوا في المثل بأن (نوم الظالم عبادة)؟!

في عالم بلا نوم فإن الليل والنهار يتساويان من حيث الساعات الإنتاجية والاستهلاكية بالنسبة للمدراء وللتجار. لن يعود هناك من داعٍ لأن نقصر ساعات الدوام على النهار. لأن الموظف والبائع والتلميذ أيضاً يسعهم أن يكدّوا لساعات أكثر.. لا أحد ينام! المحلات التجارية لن تغلق بالليل ولا المصانع ولا المدارس. بمعنى أن السكون لن يحل أبداً والبشر والسيارات ستملأ الشوارع طوال الوقت. هذا خيال جميل بالنسبة لأصحاب المتاجر. لكنه خيال مخيف. فالنوم يوفر لنا على الأقل “حجة” كي ننفرد بأنفسنا ونهرب من ضوضاء العالم. النوم يوفر لك عذراً مثالياً كي تتهرب من ضيف ثقيل أو تتخلص من مناقشة حادة. النوم هو فرصتك كي تجلس مع نفسك لتقرأ صفحات من كتاب أو لتنجز عملاً هاماً في الساعات الأخيرة قبل أن تأوي لفراشك. النوم هو القيمة المركزية التي يقوم عليها قطاع صناعي وهندسي هام. بدون نوم فليست هناك حاجة لصناعة الأسرة ومشتقاتها: الوسائد وشراشف السرر ومصابيح القراءة الليلية.. ولا لوجود غرف نوم بالبيوت!

بدون نوم فلن يكون هناك نعاس. كم من حدث تاريخي هام وقع لأن حارساً ليليلاً أو جندياً قد غلبه النعاس فتسلل الأعداء تحت أنفه؟ كم من كارثة بشرية حلت لأن النعاس قد خذل مراقب أجهزة الإنذار في ذات مصنع أو منشأة عسكرية؟

هناك قول آخر ينص على أن “كلام الليل يمحوه النهار”. النوم والاستيقاظ لاستفتاح يوم جديد هو نذير لفتح صفحة جديدة مع أحداث اليوم السابق. هكذا تبرمجنا كبشر عبر آلاف السنين. لو كنا لا ننام فهل كانت خلافاتنا ستصير أكثر حدة؟ هل كان مفهوم “اليوم لجديد” سيحمل أي قيمة معنوية أو اجتماعية؟ نحن ننام لنهرب من مواجهة الهموم والواجبات أحياناً. بعضنا ينام لينسى. إذا انعدمت حاجتنا للنوم.. وصارت أبداننا وأنفسنا أقوى.. فهل سنتعامل مع بعضنا بشكل أشد قسوة وضراوة؟ وإذا كنا لا نحلم إلا حين نغرق في النوم، فكيف هي الحياة في عالم بلا أحلام؟ هل سنكون مستيقظين أبداً.. وغارقين في نفس الوقت في أحلام اليقظة؟ هذه، والحال كذلك، يقظة خائبة جداً!