مجلة (موهبة)، العدد ٣٨، نوفمبر ٢٠١٠

“كوكب الأرض هو خامس أكبر كواكب المجموعة الشمسية. أي أن هناك أربعة كواكب أخرى أكبر منه”. حين كنتُ تلميذاً يدرس مادة العلوم، فإن تلك المعلومة البسيطة لطالما أثارت غيظي. لأني أردت أن تكون الأرض.. كوكبي أنا.. أكبر وأفضل من مثيلاتها في كل شيء!

طبعاً فهذا النمط الصبياني في التفكير ليس ملائماً لدراسة علم الفلك. لكننا يسعنا أن نتمسك به و “نتخيل” أن الأرض كانت أكبر حجماً مما هي عليه الآن، ماهي تبعات هذا الخيال؟

لنقرب الصورة لأذهاننا أكثر، فإننا سنقارن الأرض بالكوكب الأكبر إطلاقاً في مجوعتنا الشمسية: المشتري. محيط كرة المشتري الغازيّة هو عشرة أضعاف محيط الأرض. أما كتلة المشتري فتفوق كتلة الأرض بثلاثمئة مرة.

لو أن الأرض كانت بحجم المشتري -مثلاً- فإن تأثير هذا الحجم سينعكس على سكانها فوراً. أولاً وقبل كل شيء فإن مقدار قوة جذب الكوكب يتناسب مع كتلته. وهذه معلومة لا تعني أننا سنسقط أسرع من شاهق وحسب، بل وأيضاً أننا سننمو بخِلق مختلفة: أقصر وأصغر حجماً وأسمك عظاماً وأقوى عضلات على الكواكب الأكبر!

لكن المزيد من العضلات لن تعني المزيد من القوة بالضرورة. الرجل الرياضي الذي يسعه أن يرفع ثقلاً مقداره مئة كيلوگرام على الأرض سيمكن من رفع ٦٠٠ كيلوگرام على القمر بنفس الجهد، لأن جاذبية القمر هي سدس جاذبية الأرض! والعكس بالعكس صحيح. على سطح المشتري فإن الجسم الذي يزن ثمانين كيلاً “أرضياً” سيصير وزنه ١٩٢ كيلوگراماً.. وكله بسبب قوة جذب الكوكب الكبير.

هذه الحقائق العلمية استخدمها مؤلفو الخيال العلمي قديماً لتفسير القوة الخارقة لشخصية (سوبرمان) التخيلية. في تلك القصة فإن (سوبرمان) قد وُلد على سطح كوكب اسمه (كريبتون) حجمه أكبر من الأرض بألف مرة.. وبالتالي ذو قوة جذب أقوى من الأرض بألف ضعف. وحين وصل (سوبرمان) الطفل للأرض بحجمها وجاذبيتها الهزيلين مقارنة بكوكبه الأم، فإن عضلاته قد صارت أقوى ألف مرة.. على الأقل!

بطبيعة الحال، فإن هذا السيناريو التخيلي غير ممكن علمياً. بحسب قوانين قيزياء المادة فإن وجود كوكب “صلب” أكبر من الأرض بخمسين مرة فقط هو مستحيل، لأن هذا الكوكب ستكون له كتلة أعظم من كتلة شمسنا بثلاثة آلاف مرة.. مع العلم بأن محيط الشمس هو ٣٤٢ مرّة محيط الأرض!

لو أن الأرض كانت أكبر حجماً، فإن منظومتنا الشمسية كانت كلها ستتغير. لأن قوة جاذبية الأرض الجديدة ستؤثر قطعاً في مدارات القمر والكواكب الأخر مما سيغيرها بحسب قانون (نيوتن) الثاني. كما وأن حجم الأرض الكبير سيقتضي أن يتجاوز طول اليوم الـ ٢٤ ساعة. كبر حجم الأرض يعني قربها أكثر من الشمس مما سيغير درجة حرارتها تماماً ويقلب مناخها رأساً على عقب.

إذا تضاعف حجم الأرض مرتين فهل سيزيد حجم مملكتنا العربية السعودية مرتين أيضاً؟! هل ستستغرق الرحلة من جدة إلى الدمام خمس ساعات جواً؟ وماذا عن الطيران عبر المحيط الأطلسي؟ هل ستكون عندنا تقنيات تسمح برحلة واحدة بدون تزود بالوقود كما هو الحال اليوم بحجم الأرض الحالي؟

لو أن الأرض كان حجمها أكبر، فهل كنا سنتمتع بالمزيد من الأراضي البيضاء ومن الغابات والشواطيء الساحرة؟ والمزيد من المراعي والمواشي والموارد المعدنية الثمينة؟ والمزيد المحاصيل الزراعية أيضاً؟ هل كنا سنزيد في التعداد البشري أكثر؟ هل هذا شيء جيد؟ أم أن المزيد من البشر سيجلبون المزيد من الاختلافات ومن الصراعات والنزاعات على موارد الأرض.. مهما كان حجمها؟!