Hits: 8828

لا شك بأن برنامج الأستاذ أحمد شقيري (خواطر ٦) قد حاز شهرة وقبولاً ساحقين. أنا كنت معجباً كبيراً بالجزء الذي عُرض العام الماضي.. الخاص باليابان. لكن يبدو أن المقارنة مع اليابان لم تعجب الكثيرين. ولذا فقد قرر الشقيري وفريقه أن يواجهوا الجمهور هذه السنة بالمعادلة القاصمة: سيقارن لهم المسلمين بالمسلمين.. بين الأمس واليوم.

سأجادل هنا بأن هذه المقارنة -عموماً وبما يتعدى خواطر- غير مجدية بل ومُضلِّلة. وأحسب أن هذا جدال صحي ودليل على الحراك الإيجابي الذي تحدثه حلقات (خواطر). أسأل الله أن يجزي القائمين عليها خير الجزاء.

فأقول وبالله التوفيق..

أنا عندي مشكلة أزلية مع هذه الثيمة.. ثيمة الماضوية والتعلق بمنجزات السلف. من غير العدل أن نقارن مسلمي اليوم بمسلمي زمان، ولا حتى مسلمي مصر اليوم بمسلمي ماليزيا. بل إن المقارنة مع اليابان التي احتج عليها المحتجون العام الماضي هي مقبولة عندي أكثر وأقرب للمنطقية. لأن اليابان بعزلتها وازدواجها الثقافي وانهزامها بعد الحرب تقدم لنا مثالاً إنسانياً أقرب لحالتنا وأجدر بالاقتباس. أما مقارنة المسلمين ببعضهم؛ فيفترض أنهم يجب أن يكونوا على قدم المساواة من التقدم -والتخلف أيضاً- لاشتراكهم في كونهم “مسلمين”.. وهذا افتراض مُضلل.

بل إن افتراض أن مسلمي زمان كانوا متقدمين لمجرد أنهم كانوا “مسلمين” -والشقيري لم يقل بذلك حقيقة- هو افتراض مضلل أكثر وهو من أساسيات خيبتنا المعاصرة. قراءتنا الساذجة للماضي سبب أكيد لكثير من مظاهر تأخرنا الحاضرة: إذا كان مسلمو زمان متقدمين ومسلمو اليوم مُتخلفين فلا شك أن إسلام اليوم مضروب! ولذا علينا أن نعود لإسلام زمان كي نتقدم. وهذه قراءة في قمة السطحية والظلم لظروف التاريخ والجغرافيا وديناميكية بناء الأمم ونشوء الحضارات.

أصلاً فمن هم مسلمو زمان؟! ما هي “الدولة الإسلامية” التي نقيس عليها؟ أعطني فترة محددة وأسماءاً محددة. عندك تاريخ طوله أكثر من ألف سنة حافل بكل شيء. دول مسلمة تقوم لتنقضّ عليها دول مسلمة أخرى. تاريخ عامر بالفتن والثورات التي غذتها بلا شك حشود وأجيال من المقهورين والجياع والمعدمين بينما “القطط السمان تمرح في دمشق” بفضل الوقف الذي أوقفه الخليفة على الحيوانات، وتاريخ من البدع والانحرافات العقدية التي لم نعرفها اليوم لو لم يبتدعها ويسبّكها لنا الأولون عبر عشرات القرون. وعندك حروب أهلية دامية وخلفاء مسمولو الأعين خاضعون لأوامر السلاطين وخلفاء مجاورون لخلفاء آخرين لا يعترفون بهم. تاريخ “الحضارات المسلمة” حافل بالمشرف والمخزي  ومع ذلك تجدنا نلصق أنفسنا بالأمثلة الناصعة فقط. وهذا يمثل قراءة يائسة للتاريخ غير عادلة ولا موضوعية. يعني نحن متفقون اليوم على أننا نعيش واحدة من أتعس مراحل الوجود الإسلامي وأكثرها تخلفاً وتبعية.. لكن تخيل أن يأتي بعد خمسمائة سنة من يشير لمشاريع دبي العظيمة ولمشاريع توسعة الحرمين الرائعة فيقرر أن المسلمين بالقرن الحادي والعشرين كانوا قمة في المهارة المعمارية وفي الرفاه والقوة.. هذا هراء طبعاً!

إذاً مشكلتنا الأولى مع المتشبثين بأمجاد الماضي أنهم غير دقيقون في تعريف هذا الماضي. إنهم يواجهونك بأمثلة متفرقة من تاريخ طويل عمره ألف سنة حافل بكل شيء ويطالبونك بأن تضاهي هذه الألف سنة!

مشكلتنا الثانية مع الأخوة المذكورين بعاليه، أنهم يلصقون كل أمجاد الماضي بالإسلام. وهنا أرجو منكم أن تشرعوا حواسكم معي وتقرأوا بهدوء، ومن كان منكم قائماً فليجلس، لأني لا أريد كثيراً من التعليقات المتهورة.

هناك افتراض عَبثي يقرر بأن عزة المسلمين زمان -لو كان ثمة واحدة- وتقدمهم الحضاري هي نتيجة مباشرة لتدينهم. وهذا كلام غير معقول. لا تستطيع أن تجادلني أن الزهّار والبتّاني والبيروني وابن الهيثم وابن سينا والخوارزمي وابن رشد والجرجاوي إلى آخر قائمة رموزنا العظيمة قد وصلوا لما وصلوا إليه لمجرد أنهم كانوا مسلمين أتقياء! ولا يمكن أن تقنعني بأن إنشاء البيمارستانات والخانات والحمامات ومجاري الشوارع كان دافعه تمسك الدولة بالدين. لكن تلك كلها كانت مظاهر حالة حضارية، منظومة سياسية اجتماعية اقتصادية متكاملة، عرفت المد والجزر على مدى قرون كما ذكرنا. ليس من العدل أن تأتي لي بآلاف الأشخاص المبدعين الذين عاشوا عبر عشرة قرون كاملة وتجابهني بهم وبتخلفي المعاصر لتقول لي “شوف كيف كان المسلمين”!

بل ونزيد.. فالتاريخ يخبرنا بأن معظم “رموزنا النوابغ” كانوا مصطدمين مباشرة مع “المؤسسة الدينية” إن صح التعبير. ابن رشد تصاقع مع الغزالي رحمهما الله وبينهما مؤلفات متطاولة كل يَصِم الثاني فيها بالتهافُت -من المدهش أن مؤلّفات الاثنين كان مصيرها الحرق في الساحات على أيدي الفرق الأكثر تشدداً والأقرب للحاكم.. وهذه بالتأكيد صورة غير مجيدة من التاريخ -. أيضاً ابن سينا أحد أعظم رموز عصرنا الذهبي الغابر.. تم تكفيره مراراً وتكراراً من قبل بعض أعلام عصره أيضاً. والكثير من المغردين بمجد الحضارة الإسلامية سيتحفظون عند الحديث عن رموز أكيدة في صلب هذه الحضارة من قبيل جابر بن حيان أو إخوان الصفا لمجرد أنهم شيعة!

هل يعني هذا أن الإسلام غير مسؤول عن أمجاد أتباعه؟ وأن الحضارات الإسلامية الكبرى قد ازدهرت بمعزل عن الإسلام؟ بالطبع ليس هذا هو المقصود.. ما سيقودنا للنقطة الأساسية الثالثة في هذا الطرح:

الإسلام فضلاً عن كونه منظومة تشريعية، هو أيضاً حالة وجودية وحضارية.. لا يُشترط أن تكون مسلماً لتتبناها.

ما المقصود بهذا الكلام؟ المقصود أن الإسلام حين كانت له دولة واحدة من حدود الصين وحتى الأندلس -لم تعمّر طويلاً-، فإنه كـ “دين” لم يواجه معتنقيه بأسئلة الحضارة المدنية ولم يدفعهم ليقارنوا أنفسهم مع الغير. إنه فقط حثّهم لأن يصيروا “أناساً أفضل”.. وترك لهم مطلق الحرية لتفعيل هذا المقصد الشرعي.

السمات الحضارية التي اكتسبها المسلمون العرب الأوائل أخذوها عن الأمم التي حكموها واختلطوا بها في إطار منظومة إمبريالية. منظومة عولمية إسلامية باهرة.. المفترض أن نعتبرها قمة المُنجز الإسلامي عبر التاريخ. لأنها منظومة أتاحت لكل “نوع” من المسلمين، أي كل عرق ومجموعة إثنية ذات خصوصية ثقافية أن تعيش مسلمة ومحتفظة بسمات تميزها. سنعود لهذه النقطة قريباً.

المسلمون في “الماضي” لم يعرفوا إذاً المعضل الحضاري الذي نعانيه اليوم. إنهم لم يكونوا مهزومين حضارياً ولا ثقافياً وبالتالي فإن “التدين” وقتها لم يقدم لهم “حلاً” لمشكلة مثل التي نعانيها نحن اليوم.. لأن تلك المشكلة لم تكن موجودة عندهم أصلاً. لم تكن هناك حالة حضارية متفوقة عليهم. دولة الإسلام جاءت في وقت مفصلي من التاريخ لتحل تلقائياً محل الكيانات المنهارة المجاورة (البيزنطيون بالشام، الساسانيون بالعراق، القوط بالأندلس.. إلخ). الذي فعله الإسلام أنه قدم إطاراً شرعياً جديداً تنمو الدولة داخله وتزدهر. إطار من ناحية صياغة مؤسسة الحكم، والأهم من ذلك.. إطار لصياغة حقوق الإنسان. طبعاً فإن هذه الأطر كانت مرنة بحيث تم “تعديلها” مراراً كما يثبت التاريخ أيضاً.. بل وتم كسرها وتخطيها تكراراً لأجل المصلحة السياسية. وحتى التصور العقدي تطور بأكثر من شكل يستحيل معه أن نقارن الفكر الديني لدى العثمانيين بذلك في عصر الخلفاء الراشدين مثلاً.. مع أن الكل يشار له كـ “سلف صالح عظيم”.

لكن الإسلام ظل المظلة الشرعية التي ما فتئت المؤسسات السياسية تعود إليها مرة تلو الأخرى.. وكان هو القناة التي من خلالها وجهت مشاريع التنمية التي هي أصلاً حق لأي إنسان تحت أي ديانة. الخليفة الأموي بدمشق أو قرطبة.. والسلطان المملوكي بالقاهرة حين يرصف الشوارع وينشئ المدارس فإنه كان يفعل ذلك لخدمة رعاياه المسلمين حتماً، لكنه أيضاً كان يفعل ذلك بغرض تكريس شرعية سلطته الشخصية.. إنها ديناميكية الدولة التي كانت تقود حراك النهضة.. وغياب الدولة ارتبط بمظاهر الانهيار بالتبعية.

وعوداً على ما سبق، فلم يكن الإسلام وحده مسؤولاً عن عظمة المسلمين. لكن كثيراً من الأقوام التي  انضوت تحت لوائه كانت موهوبة بموهبة “العظَمة”، وكان بعضها أكثر قابلية من بعض لتشكيل الحضارات وبناء الامبراطوريات المجيدة. الذي فعله الإسلام أنه وفر غطاء واحداً مكّن الكل من التوحد تحته. ومن الاستفادة من بعضهم على تفاوتهم في “القابلية للعظَمة”. والتاريخ يثبت لنا -مجدداً- أن الحواضر المسلمة تفاوتت بتفاوت أناسها. كم عدد العلماء والمحدثين المسلمين من آسيا الوسطى؟ كم نسبتهم مقارنة بأمثالهم من العرب؟ أصلاً هل كان هناك علماء ومفكرون عرب؟! هل يسعك أن تقارن لي حضارة الإسلام في الأندلس أو دولة خوارزم بتلك في مملكة تومبكتو الصحراوية المسلمة؟ أليس من المنطقي أن نفترض أن تعاطي المسلم التركي أو الملاوي مع مقومات الحضارة المدنية هو مختلف كلياً مع تعاطي المسلم العربي أو الباكستاني.. مع أنهم كلهم مسلمون؟!

حين نتكلم عن مجد المسلمين الغابر فإن هناك لازمة دائماً ما تتكرر.. وهي التذكير بأن المسلمين لما تخلوا عن دينهم انحدروا وتفوق عليهم عدوهم.. بالرغم من أن هذا العدو لم يُسلم!! وهذا قصدي من “الحالة الحضارية التي يسع غير المسلمين تبنيها”. مقومات تلك الحالة تتجلى في مبادئ من قبيل: العدل، والمساواة، والتسامح والانفتاح، والتعددية والحرية -تكلم عن بعضها الشقيري-. وكلها وُجدت بتفاوت ما في الفترات الإسلامية الزاهرة. عبر الحروب الصليبية وعبر حملات استعادة أيبيريا فإن أوروبا قد تعرفت على هذه المقومات.. وكانت تلك المواجهات بمثابة أجراس إنذار للمسلمين لضرورة إقامة أركان تلك الحالة مجدداً. لاحظ أن الصراع العثماني/المسيحي في أوروبا لم يكن له نفس الوقع لاعتداد العثمانيين بقوتهم ولتفوقهم العسكري حينها. فقط مع تراجع قوى العثمانيين بسبب عناصر متعلقة بالجغرافيا السياسية بدأ الحديث عن الأخذ من أوروبا والبحث عن مفاتيح مشروع النهضة.. في الدين وسواه.

بالعودة لحلقات (خواطر)، فالمشروع بلا شك يحمل رسالة نبيلة ومهمة جداً.. إنه يطرح أسئلة النهضة ويسعى لأن يحرك حماسنا في هذا الاتجاه. لكن الأستاذ أحمد الشقيري لا يقدم لنا حلاً حين يقارن لنا قلعة صلاح الدين بحواري القاهرة القذرة اليوم.. ولا حين يطالب مساجد جدة بأن يكون لها “ريسبشن” مثل مساجد ماليزيا. إنه هكذا يرمينا في جوف المقارنة ثم يتركنا نمصمص الشفاه ونتحسر بدون أن يبين لنا أسباب التفاوت ومبرراته. كما أن طرحه قائم على “فلاشات” سريعة للماضي.. هو يتعرض غالباً للظاهر بدون أن يحلل لنا المعطيات وتفاصيل التاريخ والسياسة والاقتصاد. والخوف أنه سيقنعنا أكثر بأننا متخلفون بالفطرة وألا أمل فينا لأن المسلمين الذين عاشوا قبل ألف سنة كانوا أسعد وأنظف وأكثر حرية وصحة.. وهذا كلام غير صحيح طبعاً.

في الواقع فإن كان هناك درس وحيد من حلقات (خواطر ٦) وتعلمته أنا، فهو أن النهضة بعد التخلف عملية معقدة وطويلة وتأتي من فوق. كل مظاهر التقدم و”العزة” الإسلامية التي تعرضت لها الحلقات هي مظاهر قد أجبر الحكام شعوبهم عليها.. بشكل أو بآخر. وكانت نتيجة مباشرة للتفوق العسكري والاقتصادي للدولة وما وفره ذلك من كفاية في المجتمعات دفعت بأفردها للالتفات لأسباب الرفاه والترف الفكري. (خواطر) يسأل الناس في الشارع عن السيارة الإسلامية وعن مبررات تخلفهم.. والناس مشغولة بهمّ الرغيف والهدمة. إجابات أسئلة النهضة ليست في يد الشعب.. وهذه تناقض مرير مع طبيعة البرنامج الشعبي جداً.

أسأل الله صادقاً أن يكون زعماء المسلمين ممن يتابعون خواطر أيضاً!

*** إضافة متأخرة

إذا سمح لي فريق خواطر، فهذا مقترح لفكرة خواطر ٧: ماذا لو تم استعراض أشكال الحضارة الإسلامية حول العالم. كيف اعتنق الصينيون الإسلام؟ وكيف طوّعوا ثقافتهم لتتوافق مع الدين الجديد؟ -تصميم المساجد بالصين كمثال-. ماذا عن مسلمي غرب أفريقيا والملايو وشرق أوروبا؟ سيضطر الفريق لأن يسافر كثيراً والحال كذلك :) .. لكن الفكرة هي في تعريف الناس بعالمية الإسلام ورحابة حضارته.