إيمان القويفلي هي كاتبة وباحثة سعودية. تكتب حالياً ومنذ 2002 بصحيفة (الوطن). قررت مزاحمة المدوّنين في عالمهم لأنها تعتقد أن التدوين بات يقدّم أفقاً ومرونة لا تقدمها الكتابة الصحافية. تقول: أرى في التدوين مزايا تلائم نزعاتي في الكتابة. لا أقصد التحرر من السقف الرقابي فقط، لكن أيضا ً التجديد في شكل الكتابة، وموضوعاتها، و قدرتها على السخرية. نشر تدوينتي الأولى هنا يشبه بالنسبة لي تحديث بطاقة الأحوال الشخصية: صرتُ طالبة دراسات عليا، كاتبة صحافية، ومدوّنة..

هل سمعتَ مرّة بـ”اليمن السعيد”؟

عندي مشكلة مزمنة مع ربط السعادة بالمكان والظروف المادّية. فمن المغري الاندماج في الثقافة السياحية التي تروّج للسعادة كسلعة تستطيع مُدُنٌ معينة أن تبيعك إياها، أو الاستسلام للمحات الشوفينية القومية التي تجعل بعض الدول العربية تنسب لذاتها ازدهارا ً وسعادة مُطلقين متنصلة من بؤس الشوارع الخلفية. هذا يخالف تصوراتي عن السعادة، كونها حالة ذهنية شخصية، معقدة ونسبية، لا يمكن تحويلها إلى طقس جماعيّ دائم حتى في أفضل الظروف الموضوعية. لهذا وجدتُ قصة مجلة Forbes الأخيرة عن تصنيف دول العالم حسب سعادتها، مثيرة جدا ً للـمُخيّلة. معهد Gallup يؤكد بعد أربعة أعوام من البحث أن السعادة “ظرف مكان”، ولا يتوقف الأمر عند الدول بل يصل إلى القارّات، هناك قارّات برُمّتها أسعد من أخرى: أسعد دولة في أفريقيا أتعس من معظم دول أوروبا! أعرف أنني سخرتُ سابقا ً من الاتكاء المفرط على “لغة المؤشرات” لتقييم الواقع، لكنني لا أستطيع مقاومة الاستسلام – للحظة تدوينية – للمؤشرات عندما تسخر على حدٍ سواء من فلسفاتنا المثالية ومن كليشيهاتنا المبتذلة عن السعادة والتعاسة. خمّن مثلا ً إلى أيّ درجة -بحسب التقرير- يشعر “اليمن السعيد” بالسعادة؟

الجواب: بنفس درجة السعادة في غزة والضفة الغربية!

اختبر معلوماتك عن السعادة

• في الخاصرة العربية جراح نازفة تتمثل في العراق “الـمُحتل” وغزّة “المحاصرة”، قُم بتقدير مستويات التعاسة في كل من العراق، وغزة بالنسبة إلى العالم العربي.

الجواب: سكان العراق وغزة أكثر سعادة من سكان: مصر، المغرب، سوريا، السودان. (هذا لغز جانبي فوق البيعة: ما الذي يوجد في العراق وغزة ولا يوجد في هذه الدول؟ جائزة لأفضل إجابة* وأرجو ألا يجيب أحد: “الاحتلال”!).

• قارن بين السعادة في كلٍ من: السعودية والصين، مع التعليل.

الجواب: السعودية أسعد من الصين. المواطنة السعودية التي تحصل على حقيبة “لويس ڤويتون” المزيفة بـمائة دولار فقط تشعر بالسعادة أكثر من المواطنة الصينية التي تعمل في مصنع تقليد الحقائب. الصين تجعلنا أسعد لكن يمكنها أن تجعلنا أتعس أيضا ً بنفس القدر. يكفي أن تتوقف عن تقليد “بربيري”.

• متى يشعر السعودي بالسعادة؟

الجواب: يشعر السعودي بالسعادة القصوى عندما يذهب للسياحة في الدول الأقل سعادة مثل: لبنان، مصر، سوريا، ماليزيا، تركيا، المغرب.

• توجد دولة إسرائيل في وسط عربيّ يناصبها العداء و يحاصرها و يُضيق عليها و يهدد وجودها طوال الوقت، إلى أي درجة نجح العرب في “تطفيش” إسرائيل؟

الجواب: المصيبة في هذا البحث أنه يقول أن سكان إسرائيل أسعد من جميع سكان الدول العربية، مضافا ً إليهم سكان إيران و سكان تركيا! هذا يعني أن الجميع يكذبون: الإسرائيليون يكذبون عندما يقولون أنهم يعانون بسبب العرب، والعرب يكذبون عندما يقولون أنهم يجعلون إسرائيل تعاني.

السعادة في دول مجلس التعاون:

على طريقة المدارس التي تعزل التلاميذ الموهوبين في صفّ مستقل، و تخصص صفا ً آخر للتلاميذ ذوي صعوبات التعلم؛ أقترح أن يعيد العالم ترتيب خريطته فيضع السعداء جدا ً إلى جوار بعضهم، والتعساء إلى جوار بعضهم. هذا سيرفع مستوى الانسجام بين دول الجوار و سيخفض حروب العالم ومشكلاته إلى أدنى حد. في هذه الحالة ستبقى معظم أوروبا متماسكة ككتلة من الدول الأكثر سعادة، وأفريقيا أيضا ً لكن ككتلة من الدول التعيسة.

المشكلة أن دول مجلس التعاون ستتمزق بطريقة فاجعة. فالإمارات، في المرتبة 20 كأسعد دولة عربية، ستتركنا وتذهب إلى صدر المجلس جوار أميركا، بريطانيا، النمسا. أما الكويت، ثاني أسعد دولة عربية، فستذهب إلى جوار آيسلندا، آيرلندا، لوكسمبورگ. قطر ستُجاور ألمانيا، إيطاليا، الأرجنتين. حتى البحرين ستقصّ الجسر الذي يربطها بنا وتحمله وتذهب إلى جوار أسبانيا و فرنسا (ثم تندم لاحقا ً على هذه الخطوة. لأن الأسباني لن يذهب إلى البحرين ليحضر فيلما ً في السينما). أما السعودية… فستحظى بجيرة لصيقة وحميمة مع “باكستان” التي نشعر مع سكانها بنفس القدر من السعادة.

هذا البحث يفسّر لنا لماذا لا تستطيع دول مجلس التعاون أن تعمل معا ً.

(لغز إضافي: ما الذي يوجد بقطر، البحرين، الكويت، الإمارات، ولا يوجد بالسعودية؟ جائزة أخرى لأفضل إجابة* وأرجو ألا يجيب أحد بـ”النفط”).

السعادة السعودية

.. رغم أن النفط والثروات الوطنية عموما ً ذات صلة وطيدة بالسعادة كما يؤكد البحث. المال يمكنه أن يشتري درجة معينة من الرفاهية تجعل الحياة أيسر وأقل معاناة. لكن البحث يؤكد على الجانب الآخر أن “… الفلوس مو كل شي يا ولدي” كما تقول المسلسلات الخليجية المهووسة بقصص “الأقنياء” و “الفغارى”. كوستاريكا هي مضرب المثل هنا. فرغم أنها لا تمتلك اقتصادا ً مزدهرا ً بقدر الدول الاسكندنافية إلا أنها سادس أسعد دول العالم بفضل شبكة العلاقات الاجتماعية القوية التي تشبع حاجات الفرد نفسيا ً واجتماعيا ً. من اللافت للنظر وجود فوارق واسعة بين مؤشرات دول الخليج رغم تشابه الظروف الاقتصادية والاجتماعية. إذ تفصل 38 مرتبة بين أسعد دولة خليجية (الإمارات) و السعودية التي تأتي في المرتبة 58.

ما الذي يجعل سكان دولة كبيرة المساحة، نفطية، مجتمعها تقليدي مترابط؛ لا يشعرون بالسعادة أكثر من سكان باكستان؟ لاحظ أن معدل الدخل “السنوي” للفرد الباكستاني أقل من 1000 دولار. جزء من الجواب يأتي في مكانٍ آخر من التقرير: فالسعادة ترتبط أيضا ً بتوقعات السكان. ونحن لدينا أكبر مصنع لإنتاج أحلام اليقظة في الشرق الأوسط، بمساعدة المعطيات الأولية التي تدفعنا إلى رفع سقف التوقعات: عائدات النفط، والجيران الرشيقون يدفعوننا إلى رفع سقف التوقعات إلى حدود لا تتحملها لياقتنا المثقلة بالشحم واللحم، و الترابط الاجتماعي الذي يضل الطريق فيوصلنا إلى الاختناق بدل أن يأخذنا إلى السعادة.

كل شيء يجعلنا نحلم بأن تمنحنا حياتنا المزيد، و لعل سبب التعاسة هو أننا جميعا ً نحلم لكن بعضنا القليل جدا ً يستطيع الحصول على ما يحلم به، مثلا ً حقيبة LV الأصلية الفاخرة، بينما يضطر الباقون للاكتفاء في نهاية الحلم بالحقيبة التقليد، بألوان كانت ستدفع مصمم “الحلم الأصلي” للانتحار.

ملحوظة: تستورد السعودية سنويا ً ما قيمته 10 مليارات ريال من البضاعة المقلدة و المغشوشة.

—-

* حقيبة LV تقليد بـ100 دولار.