ابتهال مبارك هي صحافية وكاتبة سعودية مقيمة حالياً بنيويورك. هذه هي تدوينتها الأولى هنا.

مرحباً مليون بالزائر المليون لجناح معرض المملكة بمعرض إكسپو بمدينة شنگهاي بالصين السيد (وان هوا) وعروسه اللذان ربحا تذاكر سفر ورحلة للسعودية لسبعة أيام كما نقلت لنا الأخبار الأسبوع الماضي. الرابح المحظوظ (وان هوا) معلم الكمبيوتر في مدرسة متوسطة بمدينة شنگهاي المتزوج حديثاً لم يدر بخلده وهو يزور جناح المملكة أن يختاره الحظ ليكون الزائر المليون ويربح رحلة مجانية للسعودية تسبقها تهنئة خاصة من إحدى فرق الفنون الشعبية السعودية المشاركة في المعرض. “تزوجت منذ فترة قصيرة وسوف أقضي شهر العسل في السعودية”، قال (هوا) المتفاجيء بفوزه وهو غافل عن أن السعوديين أنفسهم سيتلقون الخبر بدهشة عارمة تفوق دهشته بمراحل يكون فيها تعليقه المقتبض الذي وصلنا مصدر تندر وتنكيت بل وسخط لأكثر من خمسمائة قارىء وقارئة في موقع عناوين الإخباري الذي نقل لنا الخبر على شبكة الانترنت.

التعليقات الساخنة انهمرت كسيول جدة تعليقاً على الخبر ساخرة من حظ (وان هوا) “الأغبر” مستهجنة عدم ممانعته في قضاء شهر العسل هو وعروسه في السعودية داعين موسوعة گينيس لاختياره الرجل الأسوأ حظاً في العالم معلنين شفقتهم البالغة عليه كما كتب أحدهم “والله إني أشفق عليك”، في حين انصب اهتمام مجموعة كبيرة من المعلقين إلى محاولة تحليل وتقديم سبب منطقي برأيهم يبرر سبب ربحه بالجائزة بأنه إما أن يكون عاق والدين أو ظالماً لأحد تلاميذه، أو أن يكون السبب ببساطة أن زوجته فأل سيء عليه ليستنتج المحللون بأنه حتماً ولابد سيقوم بتطليقها في اللحظة التي يصل فيها لأي مطار سعودي. غالبية التعليقات كما أرى تندرج في باب النكات اللاذعة اللهابة مما يتناسب طردياً مع الأجواء السعودية حالياً. البعض تساءل عن سبب ذهاب (وان هوا) للجناح السعودي من الأساس متسائلاً “اللي ابي افهمه انت وش موديك ع الجناح السعودي وش تدور؟ وش الجديد اللي نبي نسبقكم عليه؟” ولم يغب على الاخرين من تنبهيه لإحضار صك زواجه وبطاقة العائلة معه في حله وترحاله تحسباً لو طلبها أحد أفراد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في حين تركزت غالبية التعليقات على التندر على خدمات السياحة الداخلية والبنية التحتية لبعض المدن كالقاريء الذي كتب “والله كأني اشوفك [ألحين] قدامي على طريق خليص كارهن حياتك”. أحد خفيفي الدم رحب بـ (وان) وحذره في آن واحد قائلاً ” حياك الله بس لما تشوف منقبه لاتضربها تحسبها نينجا مراقبك ترا بتوطى بطنك.”

أكثر ما لفت انتباهي في التعليقات بعيداً عن فحوى الشكاوى هو تنوع وثراء الخلفيات الاجتماعية والمناطقية للمعلقين والمعلقات من اختلاف اللهجات واختلاف طريقة التهكم وحتى قيام بعضهم بمحاولة ترجمة تعليقه للصينية – على وجه أدق إحدى اللغات الصينية فلا توجد هناك لغة صينية واحدة- عن طريق خدمة گوگل للترجمة في حال وصل رابط الخبر والتعليقات المصاحبة له إلى (وان هوا) عله يعقل ويعتذر عن الجائزة. القلة القليلة التي نافحت وذكرت البقية بمناقب بلدنا والتي تتركز حول “الأمان / الأسواق التجارية/ مجانية التعليم” – الرجاء إدخال الأيقونة المناسبة هنا – طبعاً لوحت بكرت المواطنة الأصيلة ورمت الساخرين بالتهمة الفظيعة ” جواسيس روس” ياريت فكروا بالأسوء ” طروش بحر،” ياللعار. بيد أن الغالبية وربما للمرة الأولى في تاريخ التعليقات العنصرية على الأخبار تجاهلت دعوات المواطنة الأصلانية تماماً واستمرت في الضرب تحت الحزام بثلاثة أشبار.

بالطبع بلادنا تحوي علي العديد من المعالم السياحية والتي وإن لم نتعود نحن السعوديون على الاحتفاء بها وتقديرها فالسائح الغربي و الشرقي لابد أن يثير اهتمامه التنوع الجغرافي والثراء الثقافي من شمال المملكة لجنوبها وشرقها لغربها مروراً بوسطها. بيد أني لا أحسب أن أياً من القراء المعلقين تفوته هذه الحقيقة بل أجزم أنهم من أكثر المواطنين والمواطنات حباً وفخراً ببلدهم فهذه التعليقات لاتكشف لنا حساً كوميدياً عالياً فحسب بل تلقي بالضوء على النكتة السعودية التي باتت تنافس مثيلتها المصرية في خفة الدم والتنوع والجرأة هي انتقادات مواطنين لديهم من التجارب السيئة مايكفي للسخرية منها.

تذكرت وأنا أحاول استبطان وتحليل التعليقات تحقيقاً مهماً وجميلاً للزميل المبدع طامي السميري نشر قبل أربعة سنوات في ثقافة الخميس بجريدة الرياض تحت عنوان “النكتة السعودية كتعبير ثقافي” حاول فيه سبر أغوار النكتة السعودية باعتبارها كما يعتقد “إحدى الركائز الأساسية لفهم المجتمعات فهي مرآة صادقة لها تكشف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن الرغبات المكبوتة لتوفر عناصر التلقائية ولارتباطها بالواقع الاجتماعي والمعيش اليومي.” في إحدى محاور الاستطلاع يتساءل طامي ما إذا كانت المسجات وشبكة الانترنت هي التي أخرجت لنا النكتة السعودية في ظل غياب النوافذ الفكاهية كالمسرح والسينما والمسلسلات. لفتت انتباهي إجابة الزميلة الكاتبة إيمان القويفلي في التحقيق، التي وثقت ظاهرة تطور النكتة السعودية في إحدى مقالتها السابقة، مجيبة بجزمها على أن صناعة النكتة السعودية الحقيقية لم يبدأ إلاَّ عندما توفرت لها نوافذ الانترنت ورسائل الجوال في مجتمع كثير العقد وكثير المحاذير.  “الآن يمكننا أن نضع مانشاء من نكت علي الانترنت ونقرأ مانشاء حيث لا أحد ليلام أو يغضب عليه لأنه نشر هذه النكتة. الانترنت قطعاً تقوم بالدور الذي كانت ستؤديه المجلات والبرامج الساخرة التي تنتفي في الثقافة السعودية لأن تقديم النكتة بشكل رسمي لازال أمراً يثير الحساسية بشدة”، لاحظَت القويفلي. أتفق تماماً مع إيمان في استنتاجها وأرقب معها منذ وقت ليس بقريب اختلاف وتنوع تعليقات القراء بخاصة على الأخبار والمقالات في الجرائد إلى المواقع الالكترونية وألاحظ أن الكثير منها يندرج تحت باب النكتة الساخرة.

ماذا تريد التعليقات على خبر الضيف الصيني أن تقول لنا يا ترى؟ الكثير والكثير. هناك نصيب لعدد كبير من الأجهزة الخدمية الحكومية والأهلية من شركة الكهرباء، بلديات المدن، الخطوط السعودية، تسعيرات الفنادق والشقق المفروشة، ليس هذه فحسب بل طال الانتقاد الشباب السعودي بحيث قام بالبعض بالتندر على توقع ملاحقة الشباب للزوجين الصينين في بعض مناطق المملكة وحذرهم بأن لايعتقدوا أنهم محتفين بهم بل هم فالواقع يغازلون زوجته التي لابد وأن تكون كاشفة وجهها.. النكات على خبر الضيف الصيني لا تلخص لنا فحسب الشكاوى التي يعاني منها المواطنون والمواطنات كل صيف بل توضح لنا أن الإنترنت لم يوفر للسعوديين حرية انتقاء الأخبار من مصادر عدة فقط بل وفر للكل نافذة حرة للفكاهة. هنا ترمومتر حقيقي لقياس ضغط وحرارة الوطن لنرقبه معاً.

پي. إس : أحب أن أختم تدوينتي الأولى وأقّلد جائزة أطرف تعليق في الخبر للقاريء خفيف الظل من القريات الذي دعا (وان هوا) وعروسه للقريات قائلاً “يالله حيه يالله حيه والله ان تجيني بالقريات وتتعشا عندي طبعا بحجزلك بالباص من الرياض الي القريات لان اغسل يدك ياولد هوان انك تلقا حجز عندي لك برنامج يحبه قلبك نخلي مرتك عند امي بالقريات ونطلع انا وانت سوا سوريا يومين هههههه نسهر شي سهرتين حلوه بالشام ونرجع تكون امي علمت مرتك وشلون تحلب الغنم وتسوي لبن خاثر ، بعدها نطلع كشته للحره علي جيبي حبه وربع قل [تم] تكفا.”

وسلامتكم :)

ظهيرة يوم صيفي جميل من بروكلين ، الأول من يوليو 2010

Ebti