مقال لم يحظَ بالنشر

على أصداء قمة العشرين “الكبار” وهموم الاقتصاد العالمي، توافد قادة الدول العظمى على (تورونتو) الكندية. وكندا بالذات -لمن لا يعلم- يقطنها اليوم آلاف المواطنين السعوديين، ممن يمثلون -كما يفترض- النخبة الطليعية التي انتقتها مراحل الابتعاث الخمس حتى الآن. لذا فقد كان خبر زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز فرصة باهرة لهؤلاء كلهم.. للسعودية بأسرها ممثلة في فرعها الكندي.. كي تضرب مثلاً للعلاقة بين الملك والرعية كما يريدها ملكنا نفسه، وكما يراد لها أن تكون أمام عيون الإعلام الدولي المترصدة والمنتظرة لكل ماهو “سعودي”. كما كانت فرصة للمبتعثين كي يجسدوا لمليكهم نتيجة تجربته التقدمية ممثلة فيهم كنموذج أولي.. ليجسدوا له “القيَّم المضافة” التي اكتسبوها عبر العيش في كنف العالم الأول، وعن الرؤية المستقبلية التي كونوها لوطنهم من خلال هذه التجربة. أليس هذا هو المتوقع في اللقاء الأبوي الذي يفترض عقده بين الحاكم/الأب والرعية/الأبناء بكندا بمناسبة قمة العشرين؟

مع الأسف.. فالأمر ليس كذلك تماماً. وستأخذك جولة سريعة عبر منتديات المبتعثين على الإنترنت وقوائمهم البريدية وحتى جلساتهم البريئة على “صكات البلوت” ورؤوس “المعسل” في (أونتاريو) و (كيبك) و (كولومبيا البريطانية) وسواها.. ستأخذك الجولة لقيمة واحدة أساسية مستولية على فكرهم وطموحهم بخصوص هذه المناسبة الضافية. قيمة محض مالية مادية.. فهم لا ينتظرون من زيارة المليك إلا مزيداً من “الفلوس” ومزيداً من العطايا والمنح المجانية. عنوان هذا المقال هو في الأصل عنوان لمداخلة ضمن أخريات مثلها بمنتدى (مبتعث) الشهير على الإنترنت.. “إلحق على الشرهة ياولد” هي الرسالة التي يوجهها المبتعثون لبعضهم البعض وتخاطبهم بها ضمائرهم ولاوعيهم في الصحو والمنام. “إلحق على الشرهة” هي النبضة العصبية التي ترسلها أدمغتهم إذ يطالعون عناوين الأخبار ويعرفون أن المليك سيجتمع رفقة (هارپر) و (بيرلسكوني) و (كامرون) و (أوباما) في تورنتو ممثلاً المملكة العربية السعودية في أكبر محفل اقتصادي على الإطلاق.

مَن الملام في هذه الحالة الهستيرية؟ وفي هذا التجسيد المبتذل لمفاهيم الوطن والمواطنة؟ حين يدور المواطن السعودي المبتعث حول نفسه ويضرب أخماساً في أسداس وينبش في تفاصيل الأخبار بحثاً عن مقر الوفد السعودي في (تورونتو)، طامحاً للقاء أي مسؤول رفيع.. لا لشيء إلا كي يحوز على “هبرة” ما.. ليطاله شيء من الخير المتطاير. حين يكون منتهى هم المبتعث السعودي لو سنح له حلم فرصة اللقاء بقمة هرم صنع القرار في بلاده.. حين يكون منتهى همه هو إضافة زوجة المرافق لشقيقته للبعثة.. أو التكفل بمصاريف علاج خاله.. أو إسقاط دين متراكم عن كاهله أو إصدار تذكرة سفر استثنائية التفاصيل والظروف. حين يكون منتهى أمل المواطن السعودي المبتعث في دولة صناعية أولى أن “يخدم نفسه” أولاً.. وأن يقتنص “الفرصة”.. فما الفائدة من الابتعاث؟ وما تعريف المواطنة؟ هل يا ترى يسعى المواطن الإيطالي والأميركي والجنوب أفريقي للقاء ممثليه بقمة العشرين لنفس الأغراض الواردة بعاليه؟

حتى وقت كتابة هذا المقال، ما يزال كثير من المواطنين السعوديين المبتعثين لكندا ينبشون الأطراف ليهتدوا لموقع البعثة الملكية السعودية في (تورونتو).. ويطالبون بتنظيم لقاء عام جامع شامل لهم كلهم بولي الأمر. وما تزال الملحقية والسفارة تراوغان وتخفيان عنهم أكثر مما تبديان. هل تلام الملحقية والسفارة على هكذا سلوك في مواجهة هكذا نمط من المواطنين؟ أم كان من المفترض فتح الباب على مصراعيه، وترتيب لقاء أبوي يجمع المليك بخمسة آلاف مبتعث ومبتعثة بالإضافة لمرافقيهم لطرح مطالبهم أمام القيادة الكريمة.. وأية مطالب؟!