مقدمة لابد من تكرارها..

الرأسمالية لم تستح من أحد عندما عرفت بنفسها. فمن اسمها لا يخفى على عاقل بأنها قبلت رباً واحداً لها هو الحاكم الأول والأخير في عالمها: رأس مال. ولست هنا لأناقش مدى تجرد هذا الرب وعالمه من أي خُلق أو مسؤولية تجاه الغير، فجميع المجتمعات اليوم أوجدت حدوداً وسنّت أنظمة لتقويض اللاإنسانية المتأصلة في هذا العالم وحاكمه. ولكن عبر بضع تدوينات تساؤلية أريد البحث معكم عن تفاعلنا مع وداخل هذا العالم. والذي مهما قيدناه بتعاليم الاسلام، أو أي أنظمة اجتماعية اقتصادية اخرى، أو تركناه حراً عابثاً في مطلقه، فسنظل نتحرك في كينونته ونتأثر بربه.. رأس المال.

ثانياً: البحث عن القيمة

فشلُنا الاقتصادي أينما وجد -ورجاءً النظر لنسبة نمو اقتصادنا الغير متصل بالبترول- نابع من عدة أمور أتطرق لواحدة هنا تمهيداً لتدوينتي القادمة: معرفة ماهية الـ “قيمة” التي نقدمها لعملائنا. وضمير الجمع هنا لا يعود على المجتمع إجمالاً.. ولكن علينا أفراداً في وظائفنا في قطاعات العمل الخاص، بشقيه الربحي والغير ربحي، والحكومي. فكثيراً ما أتفاجأ من معارف وزملاء داخل وخارج محيط العمل لا يرون لأنفسهم دوراً في خلق القيمة التي من المفترض لمؤسستهم* تقديمها لعملاءها.

ولو أني حصلت على عشرة ريالات عن كل مرة سمعت بها العبارة “نفسي أساعدك بس لازم ننفذ التعليمات” لكنت قاربت على امتلاك منزلي! صاحب تلك العبارة عادة ما “يرى” دوره محصوراً في استلام معاملة، في ادخال بيانات، في اصدار أمر أو خطابٍ ما – فقط. وطالما ضاق به عقله عن استيعاب دوره في خلق القيمة التي نحن موعودون بها من قبل مؤسسته (سهولة التواصل مع الأهل، أو السفر في يسرٍ وأمان، أو توفير الطاقة اللازمة لمنزلي).. أما هو  فقد ساوى نفسه بالحشرة المتقنة لدورها في الطبيعة لتعيش طالما كانت الظروفة على ما هي معتادة عليه أو تندثر من منطقة ما إذا تغيرت عليها الظروف البيئية!

فنادل المقهى الذي يغيب لفترة طويلة عن أعين عملائه هو غير النادل الذي دوماً يبحث عن إشارة ولو بعين العميل. الأول ظن أن دوره يقتصر على أخذ الطلبات ثم نقلها للمطبخ والثاني رأى ان من واجبه التأهب لأي طلبات أخرى قد يحتاجها عملاؤه ماداموا في مقهاه. الأول سيقدم لك الطعام والشراب والثاني سيقدم لك جواً مريحاً لأمسية تستأنس بها مع رفقتك.. بدلاً من البحث كل عشر دقائق عن الجرسون!

وكذلك مأمور الهاتف لأي مؤسسة. دوره قد يقتصر على إجابة الأسئلة المتكررة للعملاء، وبالتالي الاعتذار عن الاجابة عن الأسئلة التي لم يسعها كتيب التدريب. أو قد يرى أن دوره هو حل -أو مساعدة المتصلين على إيجاد الحل- لمشاكلهم، فيقترح لهم جهات أخرى داخل مؤسسته قد تكون في موقف أفضل لمساعدتهم.

أترككم لمراجعة جدولكم اليومي للأسابيع الماضية ومراجعة ماذا كان يدور بخلدكم: الانتهاء من إنجاز العمل المناط بكم؟ أو السعي في تحقيق هدف؟ هل نحن حشرات تعمل بجد وإخلاص في العالم الرأسمالي دون دراية لتأثير دورنا في القيمة التي تقدمها مؤسساتنا؟ أم هل سعينا لرفع القيمة التي تقدمها مؤسساتنا؟

(*وأقصد بالمؤسسة أي كيان إداري بخلاف أشكال الملكية).

.

.

الجزء الأول: المسؤولية الشخصية