Hits: 3368

خالد الصامطي هو قاص سعودي حاصل على بكالوريوس ترجمة (لغة عبرية) من جامعة الملك سعود. يدرس حالياً بالولايات المتحدة. صدرت له مجموعة قصصية بعنوان (احتمال وارد) . هذه هي تدوينته الأولى هنا.

محاولة للتفكير بصوت عالٍ..

“الترجمة طريق مختلف، بشكل مثير للانتباه، يمكنني من الاهتمام بالشعر وباللغة التي وجدت نفسي أعيش بداخلها معظم الوقت، أعتقد أنهما يغذيان بعضهما البعض.” -مارلين هاكر

في أحدى جلسات جماعة السرد بأدبي الرياض قمنا بتخصيص جلسة، مع بداية انطلاقة النشاطات الأسبوعية، لقراءة قصص عبرية مترجمة، كان ذلك في شهر يونيو من عام 2005 -وأنا أكتبُ التاريخ أدهشتني حقيقة أن خمسة أعوامٍ مضت هكذا (وفرقع بإصبعيه الوسطى والإبهام)- حيث قمت بترجمة بضع نصوص قصصيّة عبرية إلى العربية. كانت المسألة تدريبًا جيّدًا على الترجمة الأدبية. ولا أخفي أنني وقعت عدّة مرات، خلال عملية الترجمة، في حيرة، وخصوصًا عندما أقف على مسألة تتعلق بترجمة جزئية من ثقافة اللغة العبرية إلى ثقافة اللغة العربية، ومصطلح ثقافة اللغة يُعنى بثقافة أهل اللغة خلال حقبة كتابة النّص ويغطي ذلك زمن أحداث النّص نفسه، وقمتُ كما يقوم أيّ مترجم بالمساومة والصلح بين الثقافتين، ذلك الصُلح الذي لا يخلو من الخيانة، الخيانة التي يقوم بها أي مُترجم. وعلى الرغم من أن الخيانة فعل سلبي صادم، إلا أنه مع الترجمة فعلٌ متلازم لأي عملية نقل، ولولا الخيانة لما تمكّن أحمد النجفي وأحمد رامي من إظهار رباعيات الخيّام بذلك الشكل الإبداعي الباذخ، لغةً وفكرةً وبناءً. عمومًا، منذ تجربتي تلك إلى تجربتي مع الإنگليزية الآن، انظم هاجسٌ جديدٌ إلى القائمة التي تنتابني حالَ الكتابة السردية، هاجس قد يشاركني فيه أيّ سارد مهتمّ بعلوم اللغة، وهو قلق الترجمة، فيغلبني أحيانًا وأغلبه أحيانًا أخرى.

عندما يكتب الكاتب نصًا سرديًا، الكاتب العربي مثلاً، فهو يفعلُ ذلك معتمدًا على الفهم العربي، يستخدم مصطلحات وتعابير المكان والثقافة. وعندما يكتب المتعلّق بخصوصية ثقافته القبلية أو الإقليمية، تتشكل لديه الحالة الأولية من قلق الترجمة، وهي ترجمة تلك الجزئية من العربية (مثل اللهجة في الديالوگات والقصائد التراثية) إلى العربية أيضًا -داخل ذات النص- كي تصل إلى القارئ العربي الذي قد يغيب عن فهمه ذلك الجزء.

الترجمة هنا تأتي أحيانًا على طريقة تفسير المعنى بصوت الراوي مثلاً، بين جُمل الأحداث التالية للحوار، بتسلسل يُمكّن القارئ من اكتشاف ما غاب عنه دون أن يشعر أنه مُتهم بالغباء، وأصبح لدينا جزءان من النص (اللهجة العربية، وتفسيرها بالعربي) يحملان ذات المحتوى، الأول العربي الغامض، والثاني العربي الشارح. ولكن، عندما يتمّ نقل النص إلى لغة أخرى، الإنگليزيّة مثلاً، سيجد قارئها أنه أمام كاتب يقوم بتكرار المعاني وبتوضيح أمورٍ لا حاجة إلى توضيحها، وهذا ينقص من قيمة النّص الفنيّة لدى القارئ الإنگليزي. وهنا نستطيع أن نتهم المترجم ونحمله مسؤولية ضعف النّص فنيًا في اللغة الجديدة، وخطأ المترجم هو أنه كان مخلصًا للنّص الأصلي، حيث ترجم اللهجة العربية إلى الإنگليزية، وكان الصحيح أن يقوم بالخيانة، أي أن يتدبر لهجة إنگليزية أو أن يلغي أحد المحتويين من النص المترجَم، وسيصفق له المترجمون الآخرون بحرارة إذا ما أتقن خيانته، فلا أحد يستطيع فهم الجزء الفني والإبداعي في عملية “الإستنذال” بلغة النص الأصلي، كما يفعل المترجم.

“الترجمة كالمرأة. إذا كانت جميلة، فهي غير وفيّة، وإذا كانت وفيّة، ففي الغالب أنها غير جميلة.” -إفگيني إفتشينكو

إن الكاتب المتمكن من لغة، أو أكثر، إلى جانب لغته الأم، المتعاطي مع ثقافات تلك اللغات الأخرى، الممارس القراءة والكتابة على دفاترها، يجد نفسه يجاهد في التعامل مع نصوصه، فهو عندما يكتب شيئًا من خصوصية ثقافته، يكون القلق لديه مضاعفًا، لأنه ودون أن يدري أمسى مهتمًا بعالمية الفهم بعد أن اعتمد عليه كثيرًا عند الحديث والقراءة والكتابة باللغة، وهنا يأتي قلق الترجمة في طوره المتقدم، ويضطر الكاتب أحيانًا أن يفكر في النّص بلغته، وبلغةٍ غير التي يستخدمها حال الكتابة، يتساءل: هه، كيف ستبدو هذه الجملة العربية بلغةِ الآخرين؟ ثم يبني نصهُ بثقافة لغتهِ ومفهومًا لدى الآخرين –إذا ما تُرجم النّص على يدِ مترجمٍ جيّد. إنّ هذه العملية تتشكلُ بتلقائيةٍ لدى ذلك الكاتب، فليس هنالك كاتب يقوم بتعقيد حالته الكتابيّة من باب التسلية! ثمة زناد يتم تفعيله داخل مركز الترجمة في المخّ، ذلك الجزء الذي يحمل التجربة اللغوية، ويعرف أن ثمة خسائر وأرباح فنيّة قد يتعرّض لها النّص وهو يتنقل بين اللغات.

“يعتاش المترجمون على الاختلافات بين اللغات، وطوال الوقت يعملون على إزالتها.” -إدموند كاري

لا أحد ينكر ارتباط الأعمال الشعرية والسردية -مقالة وقصة ورواية- بالواقع المُعاش. إن القارئ في علم اللغة، والمتأمل للواقع في عصرنا، يلحظ أن لغات العالم تقوم الآن بعمليات اتساع سريع وإن كان اتساعًا تسببه غالبًا دخول مفردات من لغة أخرى، وباتساعها تتداخل دوائر اللغات مع بعضها البعض، وتشترك في كثير من الاصطلاحات والتعابير التي تتهافت إلى قواميسها جميعًا وفي أوقات متقاربة سواء بشكل رسمي -عن طريق المرجع أو المجمع اللغوي- أو على أيادي شعوبها فاضحين كسل المجامع؛ كما هو حالنا مع مجامع اللغة العربية، فأنا ألاحظ دخول كلمة الگوگلة من المصدر الاسم گوگل (محرّك البحث Google ) دون نشرٍ رسمي، وعلى كلٍ، نحن متأقلمون ومتصالحون مع الوضع لأننا أصلاً لم نعد نعرف دور مجمع اللغة. الكتّاب المؤلفون والصحافيون لدينا يقومون بذلك الدور على أتمّ وجه، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. يقولها الكاتب ويؤمن بها القرّاء وتدخل قاموسهم، لأن القارئ العربي غالبًا ما يكون النخبة الفكرية للمجتمع، وهكذا دخولها للقاموس هو استخدامها من قبلِ كاتبٍ آخر. وفي الجهة الأخرى الصحافة، قد تدفعُ عبوّة منتجٍ غذائيٍ صحفيًّا ما إلى درجةٍ من السموّ الإبداعي والتجلّي، إلى أن يقوم وبجرأة صرفيةٍ متمكّنة باختراع كلمة من داخل لغته، كالذي قامت به إحدى الصحف المصرية عندما نشرت تحذير من أحد المنتجات حول كونه يحتوي على مواد “مسرطنة”، وهكذا تمت ولادة الكلمة “مسرطنة” في لغتنا، كما تولد “السلطنة” لدى متذوّق الموسيقى، بدون تجهيز أو قدرة على التحكم بفعاليتها، تأتي مع عبوة منتج بتروكيماوي أو مع أغنية قديمة منبعثة من راديو كرسيدا جي تي إكس 89 على طريق الساحل.

“اللغة، أيّ لغة، لعبةٌ لابدّ منها لقتل الوقت على رصيف المقهى، ونقاش مشكلة السياسة وامتداح أعين البنات. وليس ثمة إنسان في العالم يتنازل عن دوره في هذهِ اللعبة إلاّ إذا قطع السلطان لسانه.. أو أصيب بتسوّس أسنان.” -الصادق النيهوم

إن تداخل اللغة ونموها في عصرنا يتم بتدرج ملحوظ، نحنُ لا نستطيع منعه، لأننا لو حاولنا فنحن نقف ضد طبيعتنا الإنسانية، وكأننا نحاول أن نقف ضد ممارسة الحديث، فاللغة ما هي إلاّ نتيجة محاولة الإنسان التواصل مع إنسان آخر، وإنسان اليوم غالبًا ما يتواصل مع العالم، مع ثقافات كثيرة بلغات مختلفة، وبشكلٍ متدرج يخضع إلى تأثير العالم عليه، يتم ذلك عبر اللغة والنشاط الإنساني الذي يُعبّر عنه بالمظهر والإجراءات والتعاملات اليومية مع الأشياء والناس. أما اللغة فهي تتسرب إلى عقولنا الباطنة، تنساب بخفة، وتتشكل بطريقة لا يلحظها أحدنا، وتنتقل بالعدوى، وتنتشر في المجتمعات كانتشار القطرات في المطر.

وعلى سطوح تلك المساحات المتداخلة، تطفو الكثير من التساؤلات، حول الخصوصيات، الانتماءات، الأعراق، العادات، الأديان، التاريخ، الأسلاف والجغرافيا، وتستمرّ اللغة بالنمو والتداخل والتراجع والموت والنشاز والفصاحة والحياة، وداخل كل هذه المتناقضات يتوزع قلق الترجمة بين اللغة وثقافاتها، أو بينها وبين الثقافات الأخرى، سعيًا إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الفهم العالمي، لأن الفكرة هي المسيّرة وفهمها هو هدف كلّ كاتب.

خالد الصامطي

20 مايو 2010 شيكاگو