مجلة (موهبة)، العدد ٣٣، مايو ٢٠١٠

والصواب أن نقول: تخيل أنه لم يعد سوى لونين. فالأبيض والأسود هما في الحقيقة لونان كما سيجادلك أي فنان وأي فيزيائي مختص في الكهرومغناطيسية وموجات الضوء.

وتخيّلُ عالم ثنائي الألوان: بالأبيض والأسود وتدرجات الرمادي بينهما، سيقودنا للبحث أولاً عن تفسير فيزيائي. لأنه خيال يعني أن طبيعة الضوء ذاتها قد تغيرت. درجات الألوان التي نعرفها هي في الأصل ناجمة عن تغيرات في الطول الموجي لشعاع الضوء. كل لون هو عبارة عن “نبضة” كهرومغناطيسية مختلفة، وانعكاس إشعاعي متفرد تلتقطه أعيننا لتتذوقه بشكل مختلف. في عالم بلا ألوان فإن الشمس -مصدر الضوء- ستكون قد أصيبت ببلية ما. لن تكون هناك أشعة تحت حمراء ولا فوق بنفسجية. أو أن الغلاف الجوي للأرض قد أصيب بعطب ما.. عطب لا يسمح سوى بـ “فلترة” الأبيض والأسود ولا يخلق أي لون من ألوان الطيف السبعة أو أي من الاحتمالات اللانهائية الأخرى الناتجة عن مزجها. ربما وسعنا أن نتخيل وباءاً ماحقاً أصاب الناس جميعاً فصارت شبكيات أعينهم لا تلتقط إلا الرمادي بتنويعاته.. وهذا خيال مخيف!

كيف كانت حياتنا ستتأثر لو أننا عشنا في عالم بلا ألوان؟

في البداية لن يكون هناك فن. أو أنه سيكون فناً بارداً بلا وهج الأصفر ولا تفجّر الأحمر ولا عمق الأزرق. إن الرسوم التي صنعها رجال الكهف الأُول وفنانو الفراعنة والأغريق كانت كلها ستكون مختلفة.. كما وأن تطور الفنون: الرسم والمسرح والأزياء أيضاً كانت ستختلف جذرياً عمّا نعرفه اليوم.

في عالم بلا ألوان فإن العقلية البشرية بأسرها.. ونفسية الإنسان ذاتها كانت ستتطور على نحو مغاير تماماً. لنتذكر أن الألوان هي إشارات بصرية. في عالمنا التخيلي فإن الأحمر لن يغدو رمزاً للخطر. لن يتغنى أحد بخضرة الحقول ولا بزرقة البحر والسماء. ستختفي من قواميسنا تشبيهات مثل: “عيناك زرقاوان كنبع صافٍ”. هل نجرؤ على افتراض فَناء الشِعر في غياب اللون؟ وماذا عن الاقتصاد. ألم يكن بريق الذهب وحمرة الياقوت وسحر الفيروزي والكهرماني.. ألم تكن هذه التشكيلات اللونية المذهلة سبباً في تكريس المعادن والأحجار الثمينة كعملات أولى عبر التاريخ؟!

في عالم بلا ألوان فإنه لن تكون هناك إشارات مرور. وسيكون هناك لونان فقط لكل فرق كرة القدم: فريق أسود وفرق أبيض. ترى ماذا سيلبس الحكم؟ كما لن تكون هناك أعلام للدول. ستكون هناك شعارات مليئة بالرسوم والنصوص.. لكنها ستخلو من المعاني اللونية. لا لون يرمز لدم الشهداء، ولا لون للسلام ولا لون للنماء. كما وأن دلالات مشاعرنا ستتغير. لأن الأصفر لن يغدو رمزاً للغيرة، والأزرق لن يُقرأ كدلالة على الثقة.

في عالم بلا ألوان فإنه قد لا تكون هناك أزهار ولا ورود. قد لا نهتم بها كما نفعل اليوم. ولا بالفراشات أيضاً ولن نعرف قوس قزح. كل الورود ستكون رمادية.. ياللخيبة.

لو أن الألوان اختفت، فإن حاسة الإبصار لدينا ستتحور على نحو مختلف على مر الأجيال. ربما كانت ستغدو أضعف كثيراً مما هي عليه الآن. وقد يعني هذا أن حاستي السمع والشم ستتطوران على نحو فائق على حساب البصر.. كما يحصل مع المبتلين بالعمى. وعلى هذا الأساس فمن يدري؟ ربما تتطور الإنسانية بأسرها مستفيدة من هذا التعديل. فتصير إشارات المرور صوتية معتمدة على ترددات فائقة القصر تلتقطها آذاننا التي صارت مرهفة جداً.. وتصير الأعمال الفنية والإبداعية موجهة لذائقة المتلقي الشميّة! ما أتعس العالم بلا ألوان.