كنت أتفرج البارحة على حفل الأوسكار.. وأنا تابعت كل حفلات الأوسكار منذ ١٩٩٥ على الهواء مباشرة.. وكل مرة ينبض نابض في ضميري بأن هذه مضيعة للوقت!

بالنسبة لي كانت اللحظة الأكثر إثارة للانبهار ليلة البارحة هي لحظة تكريم صاحب أفضل موسيقى تصويرية. وهذه جائزة هامشية كما لابد سيتفق معي كثير منكم.. إنها أقل أهمية من أحسن ممثل وأحسن مخرج.. صح؟!

لكن Michael Giacchino حين حانت لحظة مجده وتكلم لـ ٤٦ ثانية، قد قال كلاماً مهماً جداً يجدر بكل مدرسة وكل كلية وكل أسرة عربية عندها أطفال أن تعلّقه في مكان بارز جداً. وقد يبدو من المبتذل عند الكثيرين أن نستلهم دروس التربية من الفنانين: سقط متاع المجتمعات (!!) لكني سأترجم لكم كلام الرجل هنا لتقرأوه مراراً.. ويسعكم أن ترجعوا للنص الأصلي و للقطة الفيديو.

قال گياتشينو:

“شكراً لكم. حين كنت في التاسعة سألت والدي: هل يمكنني أن أستخدم كاميرا الفيديو الخاصة بك؟ تلك الكاميرا الـ ٨ ملم القديمة التي في الدُرج؟ والدي قال لي بالطبع هي لك. أخذتها ورحت أصنع بها أفلاماً وبدأت أمارس الإبداع وأختلق الأفكار بأقصى ما وسعني. أبداً لم يحصل أن سألني والداي: مالذي تفعله؟ هذه مضيعة للوقت!.. ولا حتى لمرة واحدة في عمري. وكبرتُ، صار لي مدرسون وزملاء وأناس عملت معهم خلال حياتي وكل هؤلاء لطالما أسمعوني بأن ما أفعله هو ليس مضيعة للوقت. وبالتالي فقد كان كل ما أصنعه دوماً طبيعياً ومقبولاً بالنسبة لي. أنا أعرف أن هناك صبية وفتيات لا يتمتعون بمثيل لمنظومة الدعم هذه.. ولهؤلاء أقول إن كانوا يسمعونني: استمعوا إلي جيداً.. إن أردتم أن تكونوا مبدعين في شأن ما فامضوا وافعلوها.. إنها ليست مضيعة للوقت.. افعلوها.. أوكيه؟ شكراً لكم. شكراً لكم”

في الحقيقة وبعد أن استمعت لهذه الكلمات على هامش معمعة الأوسكار وبين التجليات الباهرة لبينلوبي كروز و تشارليز ثيرون، فإني قد غصصت بالفشار وغرقت في التأمل. ما الذي يقوله هذا الأميركي الحائز على الأوسكار لتوه؟ وأين نحن من أن نفعل ما نحب؟ كم طبيباً صار كذلك لمجرد أنه “جاب مجموع” مع أنه يكره الطب ويعشق الرسم أو التصوير أو كان سيخدم أمته أكثر لو احترف الوثب الثلاثي؟ وكم “صائعاً” في شوارعنا اصطدموا مع مجتمعاتهم وتركوا مقاعد الدراسة لأن “المجتمع” يرى أنه من العيب أن يتخصص أحد في الإخراج التلفزيوني أو في تصميم الأزياء؟!

أليس من المدهش أنك تسمع الناس تنتقد للآن “ظاهرة” معرض الكتاب وتعيب على المؤلفين والروائيين لأن مجد الأمة مقترن عندهم بـ “الاختراع” والتصنيع والهندسة النووية.. فقط؟!

سأختم بنص آخر لواحد اسمه Howard Thurman أعتبره شخصياً من أجمل الكلام:

“لا تسأل نفسك عما يحتاجه العالم. إسألها عما يجعلها مفعمة بالحياة، ثم امض وافعل ذلك الشيء.. لأن العالم بحاجة للناس المفعمين بالحياة.

Don’t ask yourself what the world needs. Ask yourself what makes you come alive and then go do that. Because what the world needs is people who have come alive.”