بدأت بالدوحة أمس فعاليات المسابقة الدولية الثانية والعشرين للمناظرة والحوار. المسابقة موّجهة لطلاب المدارس من حول العالم. والسؤال الذي لم يجبني عنه موقع المسابقة وأطرحه هنا: هل يشترك تلاميذ سعوديون بهذه المنافسة، التي هي أهم من الأولمبياد وكأس العالم وكل بيارق الشعر ومزايين الدواب؟
لماذا يكون التناظر والحوار مهماً لهذه الدرجة؟ أولسنا بارعين أصلاً في “اللتّ” والثرثرة؟ هذه منافسة محسومة لصالحنا إذاً!
ولأن هذه الأسئلة مغرية للطرح تلقائياً، فقد خصص لها القائمون على موقع المسابقة على الإنترنت -مشكورين- مساحة خاصة. ثمة رابط خصوصي تضغط عليه ليحملك إلى إجابة السؤال: ( ?What is Debating – ماهو التناظر؟). وبالبحث في القاموس فإنك ستجد مرادفات عدة لمفردة “ناظَرَ”.. عندك “جادَل” و “ناقَش” و “حاوَر”، والموقع المذكور يصف التناظر بأنه “خطاب منهجي – Formal Argument”. المسابقة ليست لمحض الثرثرة إذاً.. عليك كمتنافس ترتيب كلام موزون ومدروس لنقض فكرة ما.. ولنقض وجهة نظر الخصم.. “وجهة نظره” وليس أصله وفصله وشكله وتاريخه الأسود.. هذه كلها لا علاقة لها بالحوار الذي تشرف عليه لجنة تحكيم ستعطيك صفراً متيناً لو أن كلامك استند على ثمة هراء وحسب!
مالذي يعنينا في ذلك؟ كل شيء في الواقع.. لأن التناظر والنقاش العلمي ليس سهلاً ولا وليد لحظة تجلٍ مع فنجال شاي ساخن.. إنه ثمرة قراءة واطلاع وإلمام. وثمرة تمكن من مفردات اللغة وتمكن من قنوات تلقي الجمهور: كيف يفهم وماهي الكلمات الأكثر تأثيراً عليه؟ وثمرة قدرة فذة على إرغام العقل على تبني وجهة النظر المراد خدمتها.. بغض النظر عن قناعتك الشخصية بها! المناظر المحترف هو محامي ناجح وهو سياسي كبير وهو أفضل بائع في العالم.
وأنت إذا فكرت في كثير من نكساتنا وانهزاماتنا كعرب.. بل إذا فكرت في بعض أكبر مهازل البشرية.. فستجد أنها قائمة على محض كلام منطقي معسول نجح صاحبه في بيعه. كيف نجا (بروتس) من محاكميه بعدما قتل القيصر تحت الشمس؟ وكيف برر (بوش) و (بلير) غزوهما المشؤوم للعراق؟ كيف يظهر أي متحدث إسرائيلي اليوم بكل صفاقة على أي تلفزيون ليقنع الرأي العام بأن المحاصَرين بغزة أشرار ومعتدون؟
في الواقع، فإنك لا تحتاج لأن تكون منغمساً في السياسة الدولية ولا داعية بقامة (أحمد ديدات) رحمه الله لتستشعر الحاجة لأن “تتعلم” كيف تناظر. أنت إذا واظبت على قراءة هذه الجريدة مثلاً فستندهش لكم “سوء الفهم” الذي يخلقه الفشل في توصيل الفكرة أو الدفاع عنها بين التيارات المتخالفة. وستندهش لانعدام القدرة عند الكثير من كتّاب الصحف والإنترنت الكبار على بناء وجهة نظر علمية متجردة في أي شأن. وحتى إذا كنت مواطناً سعودياً عادياً، فستندهش أيضاً من القدرة المتواضعة لدى مواطنيك على شرح أنفسهم.. وتفاصيل حياتهم.. وقراراتهم الشخصية بين يدي المُسائل المحلي قبل الأجنبي. أزعم أن كثيراً من مشاكلنا العويصة -غير الأهم- كانت ستُحل بسرعة أكبر لو كان هناك نقاش منطقي: لماذا لا تقود المرأة السيارة؟ لماذا تلبسون الشماغ لليوم؟ لماذا العطلة خميس وجمعة؟ لماذا لا تتزوج المسلمة غير المسلم والعكس مسموح؟ هناك أسئلة إجاباتها قطعية: “قال الله وقال الرسول”.. انتهى. أو “إنّا وجدنا آباءنا على أمّة”.. انتهى أيضاً. هذا منطق مفهوم.. إنما بالنسبة لي ولك. لكن العالم ليس أنا وأنت فقط. تعلّم التناظر والنقاش العلمي هو عكس الاختباء والتقوقع وإدارة الظهر وكل ممارسات الهروب الأخرى.
في الدوحة يجتمع تلاميذ المدارس الثانوية من حول العالم ليتنافسوا في قوة الحجة وبيان الكلمة.. بالإنجليزية ربما.. لكنهم يتعلمون أيضاً كم هو العالم متنوع ومتعدد الأفكار والمذاهب. وأن ماهو مسلًم به عندي هو جدلي ومشكوك به عند سواي. مسابقة الصغار هذه منبثقة عن فاعلية دولية كبرى اسمها (مناظرات الدوحة – Doha Debates) حيث يتم تعليم الكبار أيضاً فن الجدل، واستضافة متناظرين كبار من حول العالم. وهذه إضافة حضارية لافتة من قطر نرفع لها العقال تقديراً وإعجاباً.
هل يتعلم تلاميذ المدارس السعودية النقاش؟ هل هناك حصص نشاط تعقد بها مناظرات معينة بين الطلبة حول أي قضية خلافية.. ولتكن سعر (قوطية البيبسي) مثلاً؟ هل يكافأ المعلم الذي يحرض طلابه على الجدال العلمي الحرّ؟ أم يتعرض للعقاب ويفصل؟ لماذا؟
فلنعلم صغارنا كيف ينقضون الأفكار ويبنون الحجج.. وهذا لن يفتح طريقاً لتغيير ثوابتهم.. لأن “الثوابت” لاتزداد إلا ثباتاً مع النقد والتأمل المنطقي العقلاني.. أليس كذلك؟!