كم كنت أكره الرياضيات.. وكم أنا ضعيف فيها إلى اليوم! وهذا اعتراف مخجل بالذات حين يصدر عن باشمهندس عضو هيئة تدريس متخصص في “الكنبيوتر”! لكني مظلوم والله!! أنا وملايين المواطنين والمواطنات الذين مروا على ماكنات التفريخ التي هي نظم التعليم العربية.

وأنا لا أوجه هنا أدنى لوم لأساتذتي ومعلميّ الأجلاء أيضاً، لأنهم إنما كانوا يقومون بواجبهم وفق المتاح.. وهذا “المتاح” هو سبب نكبتنا.. ممثلاً في المناهج والمقررات التعيسة التي لا تستحق سوى أساليب شرح أتعس.

لماذا كنا نكره الرياضايات؟ ولماذا تكرهها أختي التي هي الآن في المرحلة المتوسطة؟ لماذا حين صرت (أوريا) في جامعة البترول اضطررت لأن أعيد دراسة كل ما مررت به من علم جبر ومثلثات وكأني أصادفه لأول مرة؟ وليتني أفلحت!

هذه التدوينة هي بخصوص تطوير المناهج. والأخوة المواطنون المطاوعة الذين أعرفهم يستفزهم هذا الموضوع جداً لأن الحديث يقتصر دوماً على مقررات المواد الشرعية. لكن الحقيقة أن مسخرة المقررات وتأخر الأمة والوطن هي مرتبطة أيضاً بمهزلة مقررات المواد العلمية. هل درس أحدكم التفاضل والتكامل -لو كنتم تذكرون هذه الأسماء-؟ ماذا عن الجبر الخطي؟ والمصفوفات ومعادلات الدرجة الثالثة والرابعة؟ لماذا درسنا كل هذا “الهراء”؟ وماهي فوائد كل ذلك في حياتنا؟ وكيف تطورت هذه العلوم أصلاً وإلى أين هي ذاهبة؟

تلك هي الأسئلة التي يفترض أن تكون أول ما تجيب عليه مقررات المدارس. أستاذ الرياضيات حين صعقنا بقوله “أثبت أن…” في أولى متوسط.. فإنه كان يجب أن يشرح لنا مفهوم علم المنطق الرياضي. وعلى ذلك فقِس.

ما أتكلم عنه هنا هو فلسفة العلوم.. وتاريخ العلوم. وربطهما بالحياة اليوم. لماذا لم ندرس هذا التاريخ؟ إذا كان (نيوتن) قد صاغ ثلاثة قوانين “زي الفُل” قبل مئات السنين، فلماذا يأتي (آينشتاين) و (ماكس بلانك) و (ماكسويل) ويخربوا عليه؟ وإذا كان (الخوارزمي) و (ابن الهيثم) قد دوّنا أسفاراً عظيمة قبل ألف سنة، فكيف نسمح لعلماء الغرب بأن يسرقوا إنتاجهم وينسبوه لأنفسهم؟ ألم يخترع العرب الصفر ويحلوا كل معضلات الرياضيات منذ دهور؟ لماذا يسعى البعض حتى اليوم لوضع معادلة تحل “كل شيء”؟!

إجابات هذه الأسئلة يعرفها من درس تاريخ العلوم وفلسفته. وهي إجابات كانت ستساعدك جداً بدل أن تخبط رأسك في الجدار وأنت تحاول أن تحل واجب الرياضيات أيام المدرسة -لو كنت دافوراً- أو أن تطنش وتقرر أن تلعب أتاري أو الكرة في الحارة -لو لم تكن كذلك-.

ولعله من قبيل رحمة الموت مع الجماعة أن نعرف أن هذه إشكالية عالمية -أقصد طريقة تدريس العلوم-. ثمة من ينادي بالتوقف عن تدريس التفاضل والتكامل، والبدء بقوانين الاحتمالات والتباديل والتوافيق.. لأن هذه هي المفيدة فعلاً في الحياة وتطبيقاتها تمتد من إدارة المحافظ الاستثمارية إلى إدارة صكّات البلوت. هذا كلام منطقي!

الحديث عن فلسفة العلوم هو حديث عن أخذ الخلاصة المفيدة من حضارة الغرب.. لأن هذا مجال تفوقهم الماحق. بل وأزعم أن الإحاطة بهذه المسألة هي الفاصل بين العقليتين المتأخرة والمتقدمة، وهي مبرر تناحتنا في التعاطي مع آليات الحداثة والتطور. التطرق لفلسفة العلوم يجرنا لعالم متكامل من الفكر والفن والسياسة والاقتصاد. إن تطور المنظومة الغربية المعاصرة هو قصة طويلة بدأت في اليونان قبل ميلاد المسيح ومرت -فيما مرت- بالحضارة العربية والإسلامية التي كانت بمثابة حلقة وصل مهمة جداً في التاريخ.

كمثال على كل الكلام أعلاه، فسأتناول هنا عملاً فنياً أعتقد -وبقوة- أنه يجب أن يتم تدريسه بالتفصيل الممل في حصص العلوم بالمدارس: لوحة رافائيل -ليس سلحف النينجا- المعنونة: مدرسة أثينا – Scoula di Atene.

وقد يبدو من المستهجن أن  يطالب أحد بتدريس لوحة فنية في حصة رياضيات.. وهذا بالضبط ما نتكلم عنه هنا: تغيير ثوري في تلقين العلوم الطبيعية. ثم أن اللوحة ليست (عبّاد الشمس) لفان گوخ.. إنها (مدرسة أثينا) على “سن ورمح”!

هذا العمل الفني الذي أنجز بين عامي 1509 و 1511م يعتبر أحد درر عصر النهضة، وهي المرحلة التي خرجت فيها أوروبا من ربقة الكنيسة الغشوم وكذب رجال الدين الذين أصروا على أن الأرض هي مركز الكون وأن صكوك الغفران ستنجو بحاملها من جهنم وغضب الرب! وهي نفس المرحلة التي يحلو لنا أن نعتبر بأن أوروبا أخذت فيها من العرب خلاصة علومهم وتقدمت بها.. هكذا وكأن التقدم هو عرَض ناجم عن حبة دواء أو أكسير سحري!

والواقع أن أوروبا عصر النهضة قد انبثقت عبر صراع دموي طويل استمر لقرون.. حروب بين ملوك أوروبا، وبينهم وبين الكنيسة، وبين الكنيسة والشعب، وبين أوروبا وجيرانها المسلمين بلا شك. عصر النهضة كان مرحلة انتقالية بين سلطة الكنيسة المطلقة وسلطة الدولة المطلقة.. وصولاً لسلطة الشعب المطلقة. لذا فإنك تجد أن الكنيسة ظلت هي الراعي الرسمي للعلوم والفنون آنذاك، إنما بضغط ومنافسة من الأسر الحاكمة والنبيلة في أوروبا وبضغط من كينونات المجتمع المدني الآخذة في التشكل والانبثاق.

فلنتأمل، على ضوء ذلك كله، في هذا العمل الفني الذي رُسم ليزين جداراً كاملاً في القصر البابوي -مقر إقامة البابا- بالفاتيكان. وهذه ليست معلومة عابرة، بل إنها علامة فارقة في تاريخ العلاقة بين الفاتيكان والمنهج العلمي.. ورمز للانقلاب الثوري الذي حل بأوروبا المسيحية فغيرها للأبد.. كيف؟

موضوع جدارية (مدرسة أثينا) هو تخليد لقيمة الفلسفة والعلوم في مسيرة الحضارة.. عبر تصوير 21 من أهم المفكرين والرياضيين حتى ذلك التاريخ في مشهد تخيلي، يسمح بأن يتم تجميعهم عبر حقب الزمان وجمعهم في بهو مدرسة مفترضة أريد لها أن تكون في أثينا.. حيث كانت “الأكاديمية” الأولى. وسنندهش من كم التسامح والانفتاح الذي تحمله الجدارية، لأن الكنيسة الكاثوليكية لم تشترط على الرسام (رافاييل) أن تكون كل الشخصيات مسيحية.. ولا حتى أوروبية. هذه اللوحة تقرر منذ 500 سنة أن العلم ليس له جنسية ولا مذهب، وأن المعرفة هي ضالة بشرية مشتركة. هذه “العلمانية المعرفية” إن صح التعبير هي مفتاح رئيس للقفل الذي أحاط بعقل أروربا لقرون.. وهذه اللوحة هي شهادة على ذلك بوجوهها متنوعة الألوان والملامح.. بل إن التدقيق في الوجوه سيكشف لنا وجود امرأة، ووجود مفكر عربي مسلم هو ابن رشد!

لماذا (ابن رشد) بالذات؟ هذا سؤال وجيه سنضمه لقائمة تساؤلاتنا الكثيرة هنا حول تاريخ فلسفة العلم.. وحول الشخصيات الأخرى الكثيرة التي سنعرف بعضها: أرسطو وأفلاطون في قلب الصورة، ديوجين الكلبي مفترشاً الدرج، فيثاغورس، وهيپاتيا التي حدثنا عنها (يوسف زيدان)، وزرادشت أيضاً. ثم هناك الآخرون الذين لم أدر عنهم أنا شخصياً.

عموماً أنت يسعك أن تطلع على تاريخ اللوحة وعلى قصص شخصياتها، وستكون هذه مراجعة ممتازة -أو مقدمة- لدراسة تاريخ الفلسفة والعلم المنطقي والرياضيات وفيزياء المادة التي اتضح أنها كلها مترابطة ومتتابعة في سلسال المعرفة البشرية. وستندهش من كم المعرفة الذي سيمدك به عمل فني جميل. مثلاً لنتأمل في الطرف الأيسر من الصورة كيف “يسرق” بويثيوس الملاحظات من فيثاغورس.. في إشارة تاريخية لنسبة الأول لكثير من أعمال الثاني لنفسه! وهذه لطيفة نبهنا لها عالم فيزياء مرموق ألقى ذات مساء محاضرة عامة.. استفتحها بهذه اللوحة بالذات!

إنه لأمر مخجل ألا يكون لمثقفينا وخريجي الأقسام العلمية في جامعاتنا -أبدأ بنفسي- إدراك واطلاع واسع على هذا التاريخ الممتد للعلم. وإنه لمن المدهش أن نتأمل كيف يتداخل العلم والفن والتشريع في نسيج الفكر الأوروبي منذ خمسة قرون. هذه ملاحظة لها دلالة عظيمة في قراءة شخصية الغرب ومنظومته العقلية. منذ رسم رافائيل هذه الوجوه وحتى اليوم، ظهر أضعافها ممن أضاف للمعرفة الإنسانية. القرن العشرون وحده حمل من الابتكارات قدر ما عرفت البشرية قبل ذلك عبر تاريخها المدون بأسره.

إننا بحاجة لمقررات وأعمال أدبية وفنية مكتوبة بالعربية وموجهة للقارئ العادي لتشرح له هذا التاريخ وتبسّطه. وفهم تطور فلسفة العلوم وطبيعة الإسئلة الملّحة التي جابهت المفكرين عبر العصور -وما تزال- سيساعدنا أكثر ليس على فهم الرياضيات الكريهة المعقدة وحسب.. ولكن على فهم العالم الذي نعيش فيه اليوم.. فهمه حقاً.. وليس مجرد التحايل على تفاصيله.