هذه مقابلة أجرتها معي مجلة اليمامة ونُشرت ضمن قضية أسبوع ١٦ يناير: (الصحافة السعودية هل تواكب متطلبات المرحلة؟).

سأعيد نشر الجزء الذي ساهمت به فيما يلي. ويحسب لليمامة أنها نشرته كله تقريباً بدون بتر فشكراً للأخ رياض العسافي وباقي فريق التحرير.

مما يؤسف له أن موقع مجلة عريقة كاليمامة على الإنترنت هو غير محدّث ولا فعّال!

———–

قُلت:

الصحافة السعودية أُجبرت على التغير لتواكب المرحلة. والذي أجبرها على التغير هو المنافسة الغير عادلة بينها وبين الإعلام الأجنبي الذي جاءت به الفضائيات وجاء به الإنترنت.. ثم دخل منافس جديد قبل سنوات قليلة مثلته (صحافة المواطن – Citizen Journalism) على الإنترنت أيضاً.. فكتاب المدونات، ومواقع الإخبار على علاتها، صارت تشبع رغبة المتلقي أكثر لأنها تقدم له أخباراً طازجة غير مزيفة وتفتح المحاور التي تتحرج الصحافة التقليدية عن الخوض بها لاعتبارات سياسية في المقام الأول.

صحيح أن الصحافة السعودية تعيش ما يبدو لها “ربيعاً للرأي” منذ 2005. لكن تطور صفحات الرأي من حيث مساحة الحرية وصراحة الخطاب لم يواكبه على الطرف الأخر تطور في صفحات الأخبار. ما يزال محتوى الصحف عموماً رهيناً لاعتبارات الصراع التياري والمحظور السياسي. كما وأن الصحفي المحترف وكاتب الرأي المحترف لم يفرضا نفسهما بعد. اللغة الصحفية لم تزل ركيكة وليس هناك صحفي متخصص في غير الشأن الرياضي. ليست هناك صحافة علمية مثلاً.. ولا صحافة نفط في بلد هو أكبر مصدر للنفط!

قد تكون صحف الأخبار قد اكتسبت شيئاً من الجرأة وتجاوزت خطوطاً كانت حمراء. إلا أن الصحفي السعودي لم يزل حائراً وغير واثق من مفهوم “الخبطة الصحفية” ومن المطلوب منه. حين تطالع التعامل الصحفي مع شأن عام مثل وباء إنفلونزا الخنازير مثلاً فإنك ستدهش لضحالة مستوى التغطية. ستحس وكأن الصحيفة هي في حالة صراع مع الجهة الحكومية المعنية -وزاة الصحة- ولا هم لها سوى إحراج هذه الجهة بالكشف عن أرقام الضحايا.. لكن أين توعية المواطن وإثراء معلوماته؟ أنا متأكد من أننا جميعاً قد تلقينا معلوماتنا العامة بخصوص فيروس H1N1 وحتى بخصوص تفاصيل الأحداث في مستشفياتنا الوطنية من الفضائيات وأحاديث المجالس بأكثر مما نقلته لنا صحفنا المحلية. صحافتنا لا تقدم الرقم ولا المعلومة لكنها تمارس “الضرب تحت الحزام” من حين لآخر.. وهذه ليست احترافية صحافية حتى وإن راق هذا الأسلوب لشريحة معتبرة من القراء.

حين نقول بأن الجرائد قد طورت فكر الناس ورفعت من مستوى حريتهم فإننا نعني أن الجرائد قد “غيرت” الطريقة التي يفكر بها الناس ولم “تجارها” أو “تسايرها”. في القضايا الأكثر سخونة التي مرت بالصحافة المحلية خلال العام الفارط: قضايا ارتفاع أسعار الأرزاق مثلاً أو كارثة جدة أو التصنيف الدولي لمطاراتنا أو السجالات التيارية حول مفاهيم “التغريب” و “الاختلاط”. فإن صفحات الأخبار والرأي أيضاً لم تقدم لك معلومة تاريخية أو أرقاماً بيانية. لم تكن هناك إحصاءات ولا مقابلات مع صناع قرار حقيقيين. كان هناك محض لف ودوران وشحن للرأي العام واستثارة له وإسماعه المناحة التي يحب. هذه وصفة ممتازة لزيادة مبيعات الصحف لكن القارئ في نهاية اليوم لم يصل لنتيجة.. إنه يطالع محض “أخبار” كان يسعه أن يتلقاها من الحلاق أو من مقهى حارته.. والجريدة مطالبة بأن تعطيك قيمة مضافة على المادة الخبرية.. لذا فإن مدونات الإنترنت تتفوق: إنها لا تلتزم بالمحظور الرقابي دوماً.. وتخاطبك بلغة حية غير مخنوقة رسمياً وتوفر لك فوق هذا كله معلومة جديدة.

صحفنا لا تخلق رأياً عاماً لأن الناس لا يعتمدون عليها. وطالما أن الصحف واقعة بين مطارق الصراعات التيارية فإنك ستجد فريقاً يكفر بما فيها جملة وتفصيلاً.

ستتطور صحافتنا إذا اتبعت التالي: صارت أكثر احترافية في التغطية الخبرية وتوقفت عن مجرد تلميع الموقف الرسمي -وهي رغبة عليا بالمناسبة- ينبغي عليها أيضاً أن تطور من وضعها على الإنترنت.. على أساس أن الصحافة الورقية هي إلى زوال طال الزمان أم قصر. كل مواقع الصحف السعودية بائسة وتعيسة. إنها تحتاج أن تتبنى لقطات الفيديو والتحديث المباشر للعناوين.. ولا بأس أن توفر هذا كله في مقابل مادي. هذه على كل هي الرؤية العالمية لمستقبل الجريدة.