المقال كما نشرته الوطن

هذه دعوة قديمة رددها غير كاتب في هذه الصحيفة وغيرها.. وهي الدعوة لتنمية الثقافة النفطية لهذا الشعب المحسوب ضمناً على ذهب الأرض الأسود. بل أننا بحاجة لأن نخلق هذه الثقافة من الصفر. وحين نتكلم عن “ثقافة نفطية” فإننا نشير إلى حدٍ أدنى من الأمان المعرفي. حد يتيح للمواطن العادي أن يفهم النشرات الاقتصادية ويعرف كيف يقرأ الأسعار ويقرأ مستقبله. يجب أن يعرف المواطن والمبتعث السعودي ماذا سيقول حين يجلس مع حفنة مثقفين أجانب سيواجهونه بسيل من الأسئلة حول “الذروة النفطية” لبلاده، ودور المملكة كـ “منتج ترجيحي”، وحقيقة دور النفط في الاحتباس الحراري، وتاريخ الأوبك، والفرق بين خاميّ (برينت) و (دبي). طيّب.. إذا كان هناك خام خاص بدبي فكيف لا يكون هناك واحد باسم مملكتنا الغالية؟ ولا سيما هي أكبر منتج للبترول في العالم؟ تُرى، كم مواطناً سعودياً يعرف أن هذه المعلومة الأخيرة بالذات هي غير صحيحة؟!

الأسبوع الماضي، حين تحدث رئيس أرامكو وكبير مديريها التنفيذيين في (دافوس)، نقلت الصحف المحلية تصريحاته بشكل يدعو للرثاء. إحدى صحفنا ذكرت أن المهندس الفالح تحدث عن “ما يُسمى بالذروة النفطية”.. هكذا وكأن هذه “الذروة” هي حدَث فضائي أو خاص بعالم آخر لا يعرفه إلا صفوة العارفين.. وليست محوراً أكيداً في كينونتنا ووجودنا كدولة واقتصاد. تخيلوا أن يطلّ علينا محلل رياضي ليكلمنا عن “ما يسمى بمصيدة التسلل”.. أو خبير أسهم ليفتي في “ما يسمى بسعر القاع”.. أو ميكانيكي لينبهنا لما يعرف بـ “القير التوماتيك”. طبعاً سنسخر منه لأنه يتفلسف في المعروف والمفروغ منه. وهذا هو المطلوب من الثقافة النفطية المنشودة بالضبط: أن تزيل غشاوة الغموض عن كل هذه الأساسيات التي يعرفها بداهة كل “خبير” نفطي.. بحيث يعرفها أيضاً كل مواطن سعودي مثقف.. والمثقف هو كل من تجاوز مراحل التعليم الإلزامي.. كل عسكري وكل حامل شهادة دبلوم وكل جامعي أيضاً.

سنضطر أن نخاطب أرامكو هنا مجدداً.. وأرامكو قد صارت “حمالة أسيّة” لمشاكل المجتمع التنموية والمعرفية.. لكننا نحسب أن هذا الطلب هو في صميم تخصص شركة النفط الكبرى.. هذا أولاً.. وثانياً، فأرامكو تملك الحل فعلاً.. وربما هي الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها مقارنة بالجهات الأخرى المثقلة بأعباء البيروقراطية وقلة الموارد البشرية وسواها.

كي نحل معضلتنا كشعب مع ضحالة الثقافة النفطية، فإننا يجب أن نلقن الصغار أساسيات هذه الثقافة. هذه هي البداية المثلى. هل ننتظر من وزارة التعليم أن تقرر مادة اسمها (تاريخ النفط)؟ لأننا لا نتعلم شيئاً.. ولا حرف واحد.. عن هذا التاريخ في المدارس. هل ننتظر أن تطرح أقسام هندسة البترول بالجامعات مواداً اختيارية عامة من قبيل (نفط 101) لطلاب البكالوريوس؟ جميل.. لكن نريد حلولاً أكثر فاعلية.

ماذا لو كانت هناك مجموعة كتب مصورة باللغة العربية موجهة للناشئة عن النفط: استخدامه وتاريخه. مجموعة كتب مصورة مكتوبة بلغة شائقة عن تعريف الذروة النفطية، والفرق بين الزيت الخفيف والثقيل، وتوزيع البترول حول العال، ولماذا نفط السعودية هو “أبرك” من نفط كندا وقزوين الوفير جداً؟! ومجموعة كتب أخرى عن الطاقة البديلة ولماذا لن يحل أي منها مكان النفط قريباً كما يقول مسؤولو أرامكو وتكساكو وشِل؟

تقولون أن عصر الكتاب قد ولّى؟ أنا لا أؤمن بهذا.. لكن وهو كذلك.. لماذا لا أجد في الأسواق مجموعة (سي دي).. أو موقعاً شاملاً على الإنترنت.. أو برنامجاً وثائقياً باذخاً على غرار (Earth) يحكي قصة النفط وتفاصيل مستقبله في السعودية باللغة العربية. لا أتصور أن هناك عوائق أمام تنفيذ ثمة مشاريع وطنية سوى المال.. والمواهب. وأرامكو عندها فائض للتصدير من الاثنين كما نسمع.

نحن نريد إجابات للأسئلة.. ونريد من يعلمنا أي هي الأسئلة الصحيحة وأيها الذي ليس له معنى. الناس بحاجة لمن يأخذ بيدها لسبل المعرفة.. وإلا فإنها ستكون مضطرة لأن تسمع وتصدق ما يقوله أمثال (ماثيو سيمنز) يا إدارة إعلام أرامكو!