المقال كما نشرته الوطن ، المقال على العربية نت

صارت مساحات التعليق على النسخة الإلكترونية لهذه الجريد ساحة لمنافَسة ماسخة وصبيانية بين مجموعة محدودة من “القراء”.. إن جازت تسميتهم بذلك. كل واحد من هذه المجموعة يسارع ليكون أول من يعلق على مقالة أو خبر أو كاريكاتور. ليس تعليقاً مفيداً أو حتى برأي “شاذ”.. لكن فقط ليعلق.. قبل غيره.. ليكون أول من يعلق. وهكذا صرت تقرأ على مدار الشهر الفائت كلاماً من قبيل “أول واحدة” و “الأول ههههه” و “١١١١١ صباحكم خير”.. إلى آخر هذا الهراء.

بل وأن شلة المعلقين إياها صارت تصبح وتمسي وتسأل عن أحوال بعضها البعض بالاسم كل يوم.. هكذا وكأن مساحة التعليق هي سور يتسلى صبية الشوارع بكتابة ذكرياتهم على متنه بالبخاخ.. أو كأنها مساحة إعلانية مسبلّة لمن سبق غيره!

طبعاً فالرد الطبيعي على هذا الاحتجاج هو أن هذه هي مسؤولية القائمين على موقع الجريدة. وأن مراقبي الموقع الإلكتروني هم الملامون على ترك الباب مفتوحاً لهذه النوعية من “المعلقين”.. وهذا رد صحيح ويبقى معلقاً في رقبة محرري هذه الجريدة بنسختها الإلكترونية. لكن ثمة رأي، على بداهته، يجرنا معه إلى معضلة إنسانية وفلسفية طالما تناولناها كلنا.. مثقفونا وعامتنا.. بالذات في زمن “ربيع الرأي” هذا.. ألا وهي معضلة الرقيب!

الرقيب إذاً مطلوب وحضوره واجب. لقد اتفقنا على ذلك تواً حين طالبنا الرقيب -المكروه والمغطوب عليه عادة- بأن يتدخل ويخلصنا من إزعاج هؤلاء المعلقين الأوائل. ألا يتعارض ذلك مع احتجاجنا نحن -كتّاب الرأي بالذات- على تدخل الرقيب في ما نكتب؟ ألا يتناقض ذلك بفداحة مع مطالب التيارات -انضم لها الإسلاموي مؤخراً- بحرية الرأي وحرية التعبير وما إلى ذلك؟ إلا تتصادم هذه الدعوة المفتوحة للرقيب للتدخل، بما تجأر به حناجر الإصلاحيين الأشاوس من دعاوى لـ “مجتمع مدني” تحدد فيه الجماهير مطالبها وتعمل على تحقيقها وتحصيلها.. ويصير لها صوت تطالب به؟!

هذه كلها تساؤلات على فلسفيتها تبقى مهمة وصالحة للمداولة. وبالرغم من أن جواباً بدهياً سرعان ما سيطرح ذاته هنا.. جواب بخصوص استحالة ضمان الجميع.. وحتمية وجود “السيء” و “المحتاج للتقويم” ضمن كل مجموعة وكيان.. إلا أن هذا المثال العابر الذي نناقشه هنا يواجهنا كذلك بالسؤال الأهم: إلا يمكن أن يصل المجتمع مع نفسه لحالة من التقويم الذاتي؟ لأنه من الواضح أن هناك مجتمعات أكثر انضباطاً من غيرها. وأن هناك مجتمعات “لا تصدق” أفرادها أن تعثر على فرصة للمخالفة والتعدي أو حتى “الاستهبال” لتقتنصها وتوغل في فرضها على الجميع.

كيف نوفق بين القطبين المتنافرين: الحرية.. والرقابة؟ ومن يحدد صلاحيات الرقيب ومدى تدخله؟ هل يحق لي أنا ككاتب رأي أن أطالب الرقيب بأن يحجب المستظرفين أسفل هذه المقالة؟ على أي أساس أفرض مطالبي؟ ولماذا لا يحصل القراء على فرصة مماثلة إذا رأوا بأن ما أكتبه أنا هو أيضاً هراء وسخف لا يستحق القراءة؟

لنتفكر في كل تلك التساؤلات. أما أنا فسأطالب السادة محرري موقع (الوطن) على الإنترنت أن يكفوني شر الذين سيخالفونني وجهة النظر.. وسيتحفونني بتعليقات من قبيل: “الأول خخخخخ”. سأرجوهم أن يوقفوا هذا المشهد على الأقل لأنه -حسب علمي- لا يمت بصلة للصحيفة ولا لغرض الصحافة!