محمود عبدالغني صباغ: كاتب سعودي. هذه هي تدوينته الأولى هنا.

متى كان أن ارتبطت مدينة جدة في الوعي الجمعي، بالفوضى؟ لربما قليلاً قبل أن ترتبط أجهزتها العاملة، في الأذهان، بالفساد ورادءة الجودة وعدم التورع في إهدار الأمانة!

لو ثمة مشهد بوهيمي/فني مؤَسَّس في مدينة جدة، لو ثمة نادٍ أدبي وجمعيات فنون وثقافة “عِدلة”، لو ثمة رؤية حضارية لا تُغلق مهرجان المدينة السينمائي السنوي قبيل سويعات مثلاً.. لو كانت في جدة شئ من الذي وُجد في باريس الثلاثينات، أو نيويورك الستينات، أو وسط برلين، اليوم.. لغصّت ربما مُخرجات الثقافة الجماهيرية بموجات من الأعمال الخالدة التي ستبز ( گورنيكا) پيكاسو الشهيرة!

هل نتحدث عن كارثة (قويزة)؟ التي أفضل من وَصَفَ أثرها وحجمها الكارثي، أحد طلائع المتطوعين، الذي قارَبَ آثار الصدمة النفسية عليه وعلى بقية أقرانه، بتلك التي عانى منها العائدون من حروب العصابات!.. ومن يعرف هذا الراوي، قبل، وبعد، أعمال التطوع الميدانية، سيجزم بأنه ليس من مجال للمُبالغة أو الاستعراض فيما يقول.

ألم يكن في منظر اصطفاف العربات وتكدسها على جنبات طريق الخط السريع، وفي اختلاط الجثث بطمي السيول، تناصٌ وجِناس مع تفاصيل الخراب والفزع في لوحة پيكاسو الشهيرة غداة القصف الجوي للمدينة الواقعة شمال إسبانيا؟

إن في جدة (گورنيكات) عدة تنتظر من يُميط عنها اللثام.

هل أتاكم حديث حرائق (المردم)؛ والأبخرة الوبائية التي أزكمت أنوف سكان أحياء الخط السريع بالشهور؟

ملاحظة هامة جداً: هنالك 2 جدة: الأولى جدة التي نعرفها ويُرمز لها بالرواشين، والنافورة، والكورنيش الصاخب، والرياضات البحرية، والناس “الوديعة”، تلك التي يُقام لها مهرجان تسوّق سنوي لا أحد يعرف تماماً ما كنه فعالياته.. ثم هناك جدة/شرق الخط السريع؛ حيث العشوائيات والمخططات التي بنيت على مجاري الأودية، والمنح التي طُبقت ونحن غافلون عيوننا ملء شواردها، إلخ إلخ.

جدةطبعاً.. أتاكم حديث مصبات الصرف في عرض البحر؟.. هنا فضلاً راجع “بريسنتيشون” زكي فارسي، كوننا سأمنا من تكرار اللت والعجن في هذه النقطة!

وفي “بريسنتشون” الفارسي لن يمكنكم أبدا غمط صور بحيرة “المسك” الجويّة.. التي بفضلها، أضحت “فضلات” أهالي جدة هي “الأشهر” عالمياً! “ريسبِكت”! .. وهي تستأهل “گورنيكا”  خاصة، لعل على مُبيِّضها أن يستبدل أبخرة البارود فيها، بأبخرة “المسك” اياه!.. وهذا بحد ذاته ملمح ما-بعد حداثي يُحسب لنا!.. “ريسبِكت” مرة أخرى!

حسنا.. فلنكمل.. هل صودف وأن راجعتم أي ادارة حكومية مؤخرا في جدة؟ دعوا أمانة المحافظة جانباً، يكفيها الآن سخط الناس، و”كبسات” لجنة تقصي الحقائق التي “طيّرت” النوم من أجفن كل قرير عين سابق!

هل اضطررتم مراجعة فرع وزارة التجارة؟.. محاولة تسجيل عقد شراكة، أو تسجيل اسم شركة، الذي يجب أن يكون بالمناسبة عربياً “أصيل” النسب، أما لو كان في الاسم مؤثرات فارسية أو سريانية أو آرامية ، انسى!..

حسناً.. هل دعتكم الظروف لاستكمال اجراءات السجل التجاري في “بدروم” الغرفة التجارية؟ وما يرافقه من بحث طويل عن “موقف” لسيارتك في فوضى شارع “الأمانة” حيث مقرّ الغرفة ؟ (لا أعرف لمَ تصادف كلمة “الأمانة” كل فوضى مؤسسة في هذه المدينة)..

طيّب.. هل قصدتم تجديد (جواز) أو (تصريح) أو (رخصة)؟ دعوا عنكم “المباني” التي تتفوق في “غرابتها” المعمارية مباني عهد “الباروك” نفسه.. لكن، ألا تستحق دورات المعاناة في دهاليز تلك المباني، موجة من فنون الـ”آفنت گارد” تُغطي “فنياً” كل تلك “الثقافة” العريضة الراسخة في مفاصل المدينة؟.. أكاد أتخيّل معرض فني كامل عن أطوار “الملف الأخضر العلاّقي” وحده.. مرّة مفتوح، مرّة مسدوح، مرّة منحوت، ومرة بالأشعة السينية مبلوع في بطن مُراجِع!

وماذا عن “أسفل كوبري الصحيفة” ؟! هل تشعر بالسأم عزيزي المواطن الجداوي/الجداوية؟.. هل يصادفك لحظة الخروج من المنزل الهاجس الأعظم والدائم في راهن جدة: “طَفَش”!.. اذا توجَّه بعربَتك الى حيث (جنوب) جدة (وهذه بالمناسبة جدة ثالثة)،  لترفِّه عن حالك بمنظر “اعتصام”  العمالة المُتخلفة أمام فرع الجوازات يتسولون الترحيل.. بالشهور!

الغريب أن ثمة مجتمع كامل ينشأ هنالك.. حاشد بـ”الإختلاط” و”المنكرات”، بل وطلق الحبلى في الهواء “الطلق”.. وهذا ليس شأن الجهاز “إللي بالي بالك”، كون “قمع” هذه الجماعات لا يُسجِّل نقاطاً هامة في لوحة التجاذب السياسي.. هو شأن جمعية “حقوق الانسان” مثلاً، التي لا يعترف بتقريرها السنوي أحد!

ثمة حقل بحثي بديع يتشكل هنالك.. يمكن تبويبه بالتالي: “في سيسيولوجيا أسفل كوبري حي الصحيفة”، أجزم أن دارسي علم الاجتماع لدينا غافلون عن ماهيته!

هل أشعرتكم تدوينتي بالإحباط؟

لاحظوا بأني لم أذكر بعد.. الوقوف في “صفوف” أشياب المياه لاستئجار (وايت) مياه ما، التي لا تختلف كثيرا في كآبتها ووعثائها عن طوابير “المطار” التُحفة أو طوابير “استاد جدة” الأتحف!.. وهذا الأخير بحاجة الى دراسات في: “أنثروبولوجيا العسكر”، و”سوسيولوجيا الهائمين حول الملعب دون هدف”!

حسنا.. اليكم ما ستستأنسون به، وسط هذه “الگورنيكات” الجدّاوية الحافلة. هل استمعتم الى تصريح مدير الدفاع المدني في جدة بعد أسبوع من الكارثة؟.. الذي يقول فيه، والعُهدة على الصفحة الأولى في (عكاظ) : “الأمطار أكسبتنا خبرة في التعامل مع الكوارث” ؟ .. يا بَختنا، وبهجتنا، وليالي سعدنا! .. أليس هذا تصريح يندرج تماماً في خانة ذلك الذي “رضي من الغنيمة بالاياب” ؟

هل تذكرون مقال “جوائز الرداءة” إياه؟ ترى من تتوقعون أن ينال جائزة العام القادم حول: أردأ تصريح اعلامي في منطقة مكة المكرمة ؟ ..