أود أن أشكر هنا زميلي خالد يسلم لاستفزازي هذه المرة بسؤاله غير البريء على صفحته بكتاب الوجوه (هل يمكن التنبؤ بغضب الله ؟)
طبعا سؤاله بديهي للغاية وقد تشعر بغباء السائل في نفس اللحظة التي تجيب فيها بالنفي. وهنا يكون خالد قد أوقعك في شركه :) لأنك تكون – هداك الله وسامحك عن جهالتك – قد كذّبت جميع الشيوخ الذين وعظوا بأن الخسوف والكسوف (حركتان فلكيتان يمكننا التنبؤ سنيناً وعقوداً قبل ظهورهما) من علامات غضب الرب! الله أعلم؟!
قبل الخوض في مجال لست بأهل له، سأقول الله أعلم. لكن ما أشار إليه خالد هو بأن شيوخنا الأفاضل تجاوزوا الاستهتار بعقولنا -بغير قصد.. والله أعلم!- حتى أوقعونا في مأزق: إما السكوت كالشياطين الخرس.. أو الحديث في ما هو ليس من اختصاصنا وإن كان من الثقافة العامة.
إن خسوف القمر وكسوف الشمس لحظات يتوجب علينا القلق عندها. مثل قلقنا الفطري عندما يعصف فرق الضغط الجوي بطائرة تحملنا، أو عندما تهيج أمواج عاتية بمركب يقلنا. ففي الخسوف يقع القمر للحظات في مسار تسحبه فيه الشمس والأرض باتجاه واحد، وهو اتجاه ارتطامي مع الأرض قد يمثل مشهداً لم تحلم به هوليوود بعد! وفي الكسوف يقع القمر للحظات في مسار تهدده الشمس بأن تنتزعه من قبضة جاذبية الأرض الأزلية. إنها لحظات أقرب ما تكون لنهاية عالمنا الهش، إلا برحمة ربي سبحانه. وحق القول بأنها من المعجزات الكونية وإن سهّل العلم الفلكي فهمها ودراستها والتنبؤ بمواقيتها.
قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ( إنما يخشى الله من عباده العلماء). وأُردفها هنا بتفسير ابن كثير : (أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير … أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر).
هناك العلماء.. وهناك الجهلاء، رزقهم الله بنعمة النوم حين تصارع مجرتهم الدمار الفوري. مثلهم مثل النائم في طائرة أو سفينة تصارع عوامل الطبيعة. وهناك من استغلوا جهل الناس لينشروا رؤيتهم الدينية المبنية على الخوف. لكنهم عندما أفهموا الناس بأن هذه المعجزات الكونية آيات وعلامات غضب الرب، فقد قاربوا آراء الشامانات وسحرة القبائل من العصور الحجرية. مستدلين بآيات الله الفلكية على غضبه وداعين الجاهلين لاتباع دينهم وإلا لحقتهم عاقبة وخيمة.
إنها بالفعل آيات فلكية. لكنها آيات تدل على رحمة “الرحمن”: الذي وسعت رحمته، مرة أخرى، جميع خلائقه -بما فيها الغافلة والغير ممتنة- وحمتهم من دمار شامل.
ومن حديث للرسول صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: (‏ ‏إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا. ثم قال: يا أمة ‏ ‏محمد ‏ ‏والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته يا أمة ‏ ‏محمد ‏ ‏والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًاولبكيتم كثيراً).
والله أعلم!
*من تفسير ابن كثير: “قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين”.