المقال كما نشرته الوطن

لو أن (صالح الزيد) كان فتاة.. لكنّا قرأنا عن “إنجازه” في كل جريدة وموقع إنترنت. وأنا لا أقلل هنا من حق الاحتفاء بمنجز المرأة السعودية، لكني أريد أن أشير إلى أن إعلامنا.. ومنظومتنا الإبداعية عموماً.. بحاجة لأن تغدو أكثر تركيزاً وأقل مهرجانية.

(صالح الزيد) هو مبرمج ومدوّن سعودي شاب، طوّر تطبيقاً أسماه Untiny لفكّ عناوين الإنترنت المختصرة (TinyURL). وهذه تفاصيل قد يعتبرها بعضنا مبهمة وغير مفهومة.. وقد يعتبرها البعض الآخر (خطيرة) وتستحق أي شيء غير الاحتفاء. ما يهمنا في الموضوع أن جريدة (لوس أنجلوس تايمز) قد ذكرت صالح وتطبيقه ضمن مقالة نشرَتها الأسبوع الماضي عن نهضة الإنترنت بالعالم العربي.

المقصود بـ “نهضة الإنترنت” ليس الزيادة في عدد مستخدمي الشبكة العرب ولا انتشار مواقع الأخبار والمدونات. الحراك هنا تمثله مشاريع الإنترنت التي ينفذها شباب واعدون وبات بعضها يدر الملايين. المثال الأكثر شهرة في هذا الصدد هو موقع (مكتوب) الأردني الذي استحوذت عليه (Yahoo) الصيف الماضي مقابل 80 مليون دولار أميركي! ليست كل مشاريع الإنترنت العربية مثل (مكتوب).. لكن هذا المثال ومثال (صالح الزيد) وعشرات الأمثلة الأخرى حول العالم العربي وداخل السعودية بالذات تلفت انتباهنا لمحور استراتيجي هام وشبه غائب عن أجنداتنا الاقتصادية والاستثمارية. نحن يسعنا أن نخلق فقاعة “دوت كوم” سعودية.. فقاعة فولاذية قوية لا ينبغي أن تنفجر ولا أن تكرر مأساة التسعينات بأميركا. فقاعة سترفد الاقتصاد المحلي وستوفر فرص عمل وستزيد من نسبة الوعي الشعبي وستحسن من صورة السعودية حول العالم أيضاً.. كما ستدر أموالاً طائلة على المخاطرين بها. أليست هذه كلها عناصر جذب يستحيل إغفالها؟

يسعنا أن نعقد مقارنة بين مشاريع الإنترنت المعطلة بالسعودية وتبعات كارثة سيول جدة الأخيرة. ففي كلي المثالين الغير مرتبطين لأول وهلة.. فإن “الشاب” السعودي المستقل والغير تابع لأي منظومة رسمية كان هو محور الإنجاز ومحور قصة النجاح. بعد سيول جدة تكونت حركة شعبية تطوعية باهرة تفوقت حتى على الأجهزة الرسمية وقدمت العون للمحتاجين وكشفت عن وجه جديد مفعم بالقوة للمجتمع المدني وللحراك الأهلي. وسمعنا آنذاك، ولم نزل، نقداً لاذعاً لمجتمع رجال الأعمال وللأثرياء الباحثين عن الفلاشات الساطعة والظهور الإعلامي مقابل القليل الذي قدموه على أرض الواقع.. على أساس أن هذه هي مسؤولية الدولة.. ومسؤولية من يريد أن يتطوع.

مع قصة الإنترنت بالسعودية فإن المفردات تتكرر. هناك مواهب حقيقية تعمل وتنجز. إنها ليست حبيسة بيوتها ولا أحلامها الوردية. هناك شباب تبرمج وتصمم وتشتغل وهناك أفكار تسوى الملايين وهناك من يحقق الربح ويكسب. لكن هناك غياب لآليات تفعيل هذه النشاطات وأطر توجيهها نحو آفاق أرحب بكثير. وهذه مسؤولية صرفة تقع على عاتق المستثمر الوطني. هناك مهووسو إنترنت.. Geeks.. كما في اللفظ الإنگليزي.. لهم تجمعات ومناشط في مكة وجدة والرياض والشرقية.. وأعرف واحداً منهم يقيم بسكاكا. هؤلاء هم وقود وادي السليكون العتيد في كاليفورنيا، وهم عماد نهضة الصين والهند التقنية. لكن شبابنا للأسف ليسوا في كاليفورنيا ولا في (بانگالور) الهندية.. إنهم عندنا بالسعودية.. هل هذه خطيئتهم؟

جامعة الملك فهد أنشأت وادياً سعودياً للسليكون بالظهران.. وكررت جامعة الملك سعود تجربتها بالرياض. لكن هذا هو نصف الإنجاز فقط. بقي أن “ينقض” رجال أعمالنا على الفكرة. والانقضاض هنا لا يعني اختطاف الأفكار وتجييرها لصالح الربح المضمون للوكيل الحصري أو لرأس المال الجبان. تلك منظومة بليدة ستنتج اقتصاداً ريعياً ميتاً سينسف الفكرة أساساً.. وشبابنا يسعهم أن يواصلوا إبداعهم بدون ثمة رعاية. ما نريده هو اقتصاد شجاع مقبل على المخاطرة وعلى تحمل الخسارة الأولية في سبيل خلق سوق تنافسي حقيقي ومنتج حقيقي. (صالح الزيد) ومثله عشرات ومئات عندهم أفكار أكثر إبهاراً هم أنوية لكيانات كانت أسهمها ستقدر بالملايين. هل عندنا قطاع معلوماتية وإنترنت في سوق أسهمنا؟ لماذا؟ نحن لا تنقصنا الكفاءات الخام. تنقصنا منظومة اقتصادية حرة شفافة ورغبة أكيدة في خدمة البلد وشبابه.. وهذا مطلب يبدو صعباً جداً. أنا في انتظار من يثبت أني على خطأ!