حاتم حسين الكاهلي مواطن سعودي مقيم بجدّة ويشتغل حالياً لدى شركة إعمار. حاصل على بكالوريوس الهندسة الكهربائية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن.. وهناك التقى بأشرف لأول مرة. هذه هي تدوينته الأولى هنا.

أعلنت المملكة العربية السعودية ميزانيتها للعام 2010م ووقفت مندهشاً مما قرأته. طبعاً فمن السهل استفزازي هذه الأيام بأي خبر يحمل في طياته أسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة. فابنتي لها الحق في أن تتساءل: “لماذا السماء زرقاء؟” إذا أخبرتها بأن الجو اليوم بارد. أما أنا فلا يحق لي أن أسأل لم الجو بارد أصلاً.. وبالتالي فلم الاكتراث؟

الموضوع هو أنه لم يدهشني الخبر بقدر ما أدهشني تعليق مليكنا على تقصير بعض رجاله المختارين. حيث نقلت عنه الصحافة السعودية في رسالته: «الحمد لله رب العالمين على هذه الميزانية، ولله الحمد فيها الخير وفيها البركة إن شاء الله، المهم عليكم إخواني إتمامها بجد وإخلاص والسرعة، وعدم التهاون في كل شيء يعوقها، لأن هذه أسمعها أنا من الناس وأحسها بنفسي، بعض المشاريع إلى الآن ما بينت، ضائعة» !!

ارتحت وتفاءلت من الصراحة التي لم أكن أتوقعها من رجل الدولة الأول أو من إعلامنا السعودي. ولم يخرجني من ردة فعلي الأولى غير السؤال الذي طرح نفسه علي مباشرة. ألا وهو: هل يخفى على مليكنا من هم المسؤولون المقصرون طالما هو على اطلاع بوجود التقصير؟ ربما.. وربما أنه لم يرَ الهدف من “التشهير” في رجاله. وعموماً فهذا أسلوب إداري معروف لكل من وُضِع في موقف مشابه: الدفاع عن فريق عملك علناً ومحاسبتهم سراً هو الأسلوب الأمثل في نظر أكثر الفلسفات الإدارية الحديثة. لكني لم أصل لسبب دهشتي بعد، فصبراً معي.

(التشهير) في الإسلام منهي عنه. وللمهتم البحث في معاني الكلمة بعد قليل – وإلا فقد يسبقني بعضكم للخاتمة -. وأعتقد أنه من هنا جاءت الفلسفة الإدارية للمملكة متوافقة مع النهج الإسلامي ونراها اليوم في كل تفاصيل حياتنا اليومية.

فالمطاعم والمستشفيات يتم إغلاقها مراراً وبأعداد كبيرة إن كنت تتابع الصحف اليومية. إلى حد أني اعتقدت بأنه لدي شخصياً عمى اختيارياً (selective blindness) لأني لم أرَ أي مثال حي لمكان تم إغلاقه من قبل أي جهة رسمية. طبعاً الجهات الرسمية بالدولة قامت بواجبها وارتأت تجنب التشهير.. لأنه حرام (؟)

أكثرنا يعرف اليوم بشبه يقين، يقارب وجودنا في موقع الحدث، بخبر وفاة الدكتور طارق الجهني إثر عملية جراحية تمت في مستشفى الدكتور عرفان. سارعت وزارة الصحة بإغلاق غرف العمليات بالمستشفى وباشرت بإعلام المجتمع بقيامها بدورها في حمايته. لكن نصف التغطيات لم تعلن اسم المستشفى وارتأت الابتعاد عن التشهير.. لأنه حرام (؟)

الفرق بين المثالين الأول والأخير يبدو جلياً لي على الأقل. في التقصير الإداري البحت لا يوجد سبب للتشهير. فمعرفتنا بأن الملك غير راضٍ عن وزير الصحة -مثلاً- لن يغير من تفاعلنا اليومي مع الوزارة أو القطاع التي تشرف عليه. -وليس هذا المكان للجدل بأن من حق المواطن معرفة نتاج الوزارات والمشاركة في محاسبتهم فلم أر هذا الحق مكتوباً في أي مكان- أما في حالة وصول التقصير الإداري إلى خطر واقع أو محتم بصحة وسلامة المواطنين فالتشهير ليس تشهير – بل هو إعلام وتحذير. فاليوم كثير منا سيتجنب مستشفى عرفان حتى بعد عودة غرف العمليات لعملها. والذين زاروه في الأيام الماضية قد يأخذون برأي جراح من خارج المستشفى لمراجعة نتائج عملياتهم والتيقن من خلوها من مضاعفات مستقبلية مفاجئة. لكن الوزارة رأت أن معرفتنا باسم المستشفى هو من أنواع التشهير. يعني حرام (؟)

وأذكّر القراء الأفاضل بأننا نعيش منذ أسابيع من تزايد وتيرة الدعوات لتصحيح استخدامنا للفظ “الاختلاط”. والنقاش أصلا في معنى لفظ الاختلاط لم يكن وليد هذا الشهر ولكن بدأ منذ أن ضاقت بنا سبل الحياة العامة على نحو مخيف بما في ذلك وجود امرأة ورجل كلا في سيارته الخاصة وفي شارع عام . ثم تشجعت بعض الصحف على استحياء وأعطت حيزا صغيرا لتداول الموضوع.. لكن عندما جاءت بادرة من عرين المؤسسة الحكومية – التي التصق اسمها بالمفهوم السائد للفظ – ظهر من يرى أنه هناك بالفعل سوء استخدام للفظ وانفجر السد النفسي القائم والذي منع الصحافة من النظر أو مناقشة الأمر لئلا يتهموا بالزندقة أو العلمانية.

وهنا مكمن دهشتي! فالأيام قد أثبتت لنا بأننا لم نتعلم الدرس. فمسألة التشهير تتبع مسألة الإختلاط في سوء الاستخدام للفظ في غير مكانه لتسييس قرار يفيد جهات معينة على حساب المجتمع ككل. وما زالت الصحافة تخشى حتى البحث والنقاش العلني. لم هذه الحساسية من نشر معلومات تهم المجتمع؟ ومن قاسها على أنها تشهير وواقعة تحت المعنى الشرعي للفظ وحكمه؟ أم هل عدنا للخوف من اتهامنا بالزندقة أو العلمانية؟ إنما هي سنين أو أشهر (بحسب إيمانك في المجتمع وقدرته على الاستيعاب) وسيأتي من يندد بأن التشهير لفظ لغوي استخدم بمعناه الشرعي في غير مكانه. أترككم الآن للبحث في معاني التشهير الشرعية. وأوافيكم بعد عدة سنين عندما يخرج عندنا من وزارة الإعلام من يتصدى للكلمة حتى وإن كان العقاب أن يسمع قرار إقالته من زملائه أو خليفته بالمنصب.