المقال كما نشرته الوطن

لطالما اعتبرتُ كتابة التأبينات في المطبوعات العامة أمراً غير محبذ ولا يصح. فهذه المساحة هي أولاً عامة وملك لكل القراء. وحين “يفضفض” الكاتب ويشارك الآخرين أحزانه فهو يفرض عليهم ما لا يعنيهم ولا يهمهم بالضرورة.. هذا أولاً. وثانياً، فمقالات العالم كله لن تبرد الحزن، لن ترد الغائب ولن تعوض الخسارة.

لكن أحياناً وفي حالات استثنائية، تصير للخسارة الفردية قيمة كبرى ووقع عام. وذلك يحصل إذا كانت ظروف الفقد تعني العموم، أو إذا كان الفقيد محبوباً وغالياً على نحو استثنائي. وخسارة (طارق سلمان الجهني) تحقق الشرطين معاً وأكثر.

ولعلكم قد طالعتم في الصحف خلال الأيام الماضية مقالات وتقارير حول وفاة “طبيب الأسنان” هذا بسبب خطأ طبي. أنا كنت أعرف طارق.. وأعتقد أن اختزاله.. اختزال ذلك الوجود الإنساني الطاغي الذي كان عليه في صفة “طبيب أسنان” هو قاسٍ وظالم جداً. ليس لأن الوصف خاطيء أو مهين. لكن لأن طارق كان أكبر من ذلك بكثير. وأنا أكيد أنكم تقرؤون هذا الكلام الآن وتهزون رؤوسكم في ملل.. لأن كل كتاب التأبين يكتبون هذا الكلام في من يؤبنون.. وإلا فبماذا كانوا سيملأون مساحات مقالاتهم؟!

لكن أنا لا أبالغ. وأحب هنا أن أسجل دهشتي من حال هذه الدنيا التي تفجعنا في من نحب وفي الذين هم أفضلنا وأسمانا أرواحاً وأكبرنا قلوباً. أبحثوا في معارف طارق الجهني.. في أقاربه وفي الذين مروا على عيادته ليبرأوا من الألم.. أتحداكم أن تجدوا واحداً يحمل ضده موقفاً  أو ضغينة. طارق كان إنساناً مدهشاً في طيبته وسعة قلبه وعقله. لكنه مات نتيجة خطأ طبي حقير. وطارق لم يكن مجرد طبيب أسنان. لقد كان فناناً موهوباً في التصوير الفوتوغرافي، وكان قارئاً باهراً، وكان زوجاً وأباً وصديقاً مدهشاً وذواقة للحياة،وكان فاعل خير استقبل الأيتام في عيادته بالمجان ودرب غير الميسورين على مهنته برسوم مخفضة! لكن طارق في النهاية مات.. نتيجة خطأ طبي غبي!

قد يكون مصطلح “خطأ طبي” عادياً وفي صميم التعريف الإنساني. لكنه يقتضي كذلك أن هناك من يجب أن يدفع الثمن.. وهذه هي التتمة التي ما تلبث أن تضيع في التفاصيل، والتي يجب على محبي طارق أن يذكروا العالم بها.

ولعل هذه ميزة أن تكون مدهشاً ومشهوراً ولك أصدقاء يكتبون في الجرائد.. فموتك لن يمر بلا ضجة. وفي حالة طارق بالذات فإن موت هذا العزيز يجب أن يأتي بدوي شديد ويجب أن يسبب خسائر فادحة لمن تسببوا به. طارق دخل مستشفى الدكتور عرفان بجدة ليربط معدته، وانتهى به الأمر مختنقاً بسبب طبيبة تخدير لم تعرف كيف تتعامل مع “حالته”. عند البعض فهذا “محض قضاء وقدر”.. وعند الآخرين فإن المستشفى قد اعترفت بالخطأ وستحاسب المسؤولين. وكلا التبريرين غير مقبول ولا كاف. ليس لأننا -والعياذ بالله- نحتج على القدر.. وليس لأننا لا نريد محاسبة. لكننا نريدها محاسبة دموية ماحقة يشيب لهولها ولدان المستهترين بالأرواح ومصائر الأسر. “خطأ طبي” يقولون! إن هذا البلد يوشك أن يصير له سمعة عالمية بفضل الحرمين والبترول والأخطاء الطبية! وإن بيتاً لا يخلو من ضحية خطأ طبي.. سواء قتله ذلك الخطأ أو لطفت به عناية السماء.

إننا نريد أن يكون فقد طارق ذكرى سنوية للتشهير بمرتكبي الأخطاء الطبية بالمملكة. نريد أن نسمع أن مستشفى عرفان قد أغلقت.. لأن سمعة هذه المستشفى صارت تضاهي سمعة شبكة مجاري جدة الفاشلة. ما الفرق بين فساد المجاري وفساد الإدارة الطبية؟ ولماذا نبدي الأولى على الثانية؟

إننا نريد من حركات المجتمع المدني الناشئة، ومن الناشطين الحقوقيين المشفقين على الناس، ومن عموم المستهلكين المستعدين لتدشين حملات المقاطعة في سبيل خمسين هللة إضافية في سعر علبة المياه الغازية.. نريد من هؤلاء شن حملة شعواء على مقاولي الخطأ الطبي. نريد أن نسمع أن مجموعة محامين قد تكتلت وشكلت اتحاداً لنيل حقوق المرضى من مرتكبي الأخطاء الطبية. نريد لائحة سوداء لمستشفيات الفاشلة وللأطباء الفاشلين.. كما هناك لائحة عالمية سوداء للدول الفاشلة. نريد أن ننتقم لطارق الجهني ولكل ضحية خطأ طبي لم يجد  من يرثيه بالاسم في الجرائد وخلّف فقده حرقة ومرارة لن تزولا وستتوارثهما الأجيال.

رحم الله طارق. رحم الله كل شهيد خطأ طبي.

——-

النص باللون الأحمر لم ينشر!

صورة التقطها محمد الخباز في 19 يوليو 2005. اجتمعنا مصلح جميل، وعبدالغفار المطوع، وأنا وطارق، وحسن النمر في (ستاربكس) بكورنيش الخُبر لنحتفل بتدشين موقع مصلح الأول. طارق -رحمه الله- كان مبهوراً بـ (ماوس) مصلح ويبدو مقارناً حجمها الصغير بسبابته!