الثلاثاء, 22 ديسمبر, 2009في رثاء شهيد الخطأ الطبي

لطالما اعتبرتُ كتابة التأبينات في المطبوعات العامة أمراً غير محبذ ولا يصح. فهذه المساحة هي أولاً عامة وملك لكل القراء. وحين “يفضفض” الكاتب ويشارك الآخرين أحزانه فهو يفرض عليهم ما لا يعنيهم ولا يهمهم بالضرورة.. هذا أولاً. وثانياً، فمقالات العالم كله لن تبرد الحزن، لن ترد الغائب ولن تعوض الخسارة.
لكن أحياناً وفي حالات استثنائية، تصير للخسارة الفردية قيمة كبرى ووقع عام. وذلك يحصل إذا كانت ظروف الفقد تعني العموم، أو إذا كان الفقيد محبوباً وغالياً على نحو استثنائي. وخسارة (طارق سلمان الجهني) تحقق الشرطين معاً وأكثر.
ولعلكم قد طالعتم في الصحف خلال الأيام الماضية مقالات وتقارير حول وفاة “طبيب الأسنان” هذا بسبب خطأ طبي. أنا كنت أعرف طارق.. وأعتقد أن اختزاله.. اختزال ذلك الوجود الإنساني الطاغي الذي كان عليه في صفة “طبيب أسنان” هو قاسٍ وظالم جداً. ليس لأن الوصف خاطيء أو مهين. لكن لأن طارق كان أكبر من ذلك بكثير. وأنا أكيد أنكم تقرؤون هذا الكلام الآن وتهزون رؤوسكم في ملل.. لأن كل كتاب التأبين يكتبون هذا الكلام في من يؤبنون.. وإلا فبماذا كانوا سيملأون مساحات مقالاتهم؟!
لكن أنا لا أبالغ. وأحب هنا أن أسجل دهشتي من حال هذه الدنيا التي تفجعنا في من نحب وفي الذين هم أفضلنا وأسمانا أرواحاً وأكبرنا قلوباً. أبحثوا في معارف طارق الجهني.. في أقاربه وفي الذين مروا على عيادته ليبرأوا من الألم.. أتحداكم أن تجدوا واحداً يحمل ضده موقفاً أو ضغينة. طارق كان إنساناً مدهشاً في طيبته وسعة قلبه وعقله. لكنه مات نتيجة خطأ طبي حقير. وطارق لم يكن مجرد طبيب أسنان. لقد كان فناناً موهوباً في التصوير الفوتوغرافي، وكان قارئاً باهراً، وكان زوجاً وأباً وصديقاً مدهشاً وذواقة للحياة،وكان فاعل خير استقبل الأيتام في عيادته بالمجان ودرب غير الميسورين على مهنته برسوم مخفضة! لكن طارق في النهاية مات.. نتيجة خطأ طبي غبي!
قد يكون مصطلح “خطأ طبي” عادياً وفي صميم التعريف الإنساني. لكنه يقتضي كذلك أن هناك من يجب أن يدفع الثمن.. وهذه هي التتمة التي ما تلبث أن تضيع في التفاصيل، والتي يجب على محبي طارق أن يذكروا العالم بها.
ولعل هذه ميزة أن تكون مدهشاً ومشهوراً ولك أصدقاء يكتبون في الجرائد.. فموتك لن يمر بلا ضجة. وفي حالة طارق بالذات فإن موت هذا العزيز يجب أن يأتي بدوي شديد ويجب أن يسبب خسائر فادحة لمن تسببوا به. طارق دخل مستشفى الدكتور عرفان بجدة ليربط معدته، وانتهى به الأمر مختنقاً بسبب طبيبة تخدير لم تعرف كيف تتعامل مع “حالته”. عند البعض فهذا “محض قضاء وقدر”.. وعند الآخرين فإن المستشفى قد اعترفت بالخطأ وستحاسب المسؤولين. وكلا التبريرين غير مقبول ولا كاف. ليس لأننا -والعياذ بالله- نحتج على القدر.. وليس لأننا لا نريد محاسبة. لكننا نريدها محاسبة دموية ماحقة يشيب لهولها ولدان المستهترين بالأرواح ومصائر الأسر. “خطأ طبي” يقولون! إن هذا البلد يوشك أن يصير له سمعة عالمية بفضل الحرمين والبترول والأخطاء الطبية! وإن بيتاً لا يخلو من ضحية خطأ طبي.. سواء قتله ذلك الخطأ أو لطفت به عناية السماء.
إننا نريد أن يكون فقد طارق ذكرى سنوية للتشهير بمرتكبي الأخطاء الطبية بالمملكة. نريد أن نسمع أن مستشفى عرفان قد أغلقت.. لأن سمعة هذه المستشفى صارت تضاهي سمعة شبكة مجاري جدة الفاشلة. ما الفرق بين فساد المجاري وفساد الإدارة الطبية؟ ولماذا نبدي الأولى على الثانية؟
إننا نريد من حركات المجتمع المدني الناشئة، ومن الناشطين الحقوقيين المشفقين على الناس، ومن عموم المستهلكين المستعدين لتدشين حملات المقاطعة في سبيل خمسين هللة إضافية في سعر علبة المياه الغازية.. نريد من هؤلاء شن حملة شعواء على مقاولي الخطأ الطبي. نريد أن نسمع أن مجموعة محامين قد تكتلت وشكلت اتحاداً لنيل حقوق المرضى من مرتكبي الأخطاء الطبية. نريد لائحة سوداء لمستشفيات الفاشلة وللأطباء الفاشلين.. كما هناك لائحة عالمية سوداء للدول الفاشلة. نريد أن ننتقم لطارق الجهني ولكل ضحية خطأ طبي لم يجد من يرثيه بالاسم في الجرائد وخلّف فقده حرقة ومرارة لن تزولا وستتوارثهما الأجيال.
رحم الله طارق. رحم الله كل شهيد خطأ طبي.
——-
النص باللون الأحمر لم ينشر!

صورة التقطها محمد الخباز في 19 يوليو 2005. اجتمعنا مصلح جميل، وعبدالغفار المطوع، وأنا وطارق، وحسن النمر في (ستاربكس) بكورنيش الخُبر لنحتفل بتدشين موقع مصلح الأول. طارق -رحمه الله- كان مبهوراً بـ (ماوس) مصلح ويبدو مقارناً حجمها الصغير بسبابته!














22 ديسمبر, 2009 في الساعة 1:09 ص
Allah yr7amo w y9abir ahlo. He was undoubtedly one of the kindest people I’ll ever encounter. And that medical error was obscenely blatant, I cannot even begin to think of what should be done to that anesthesiologist.
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 2:37 ص
الله يرحمه و يغفر له
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 4:06 ص
مقال جميل وقوي وواضح في مطالباته. أهنئك على عدم اعتماد أسلوب التعريض واللف والدوران مثل بعض الصحف والكتاب.
حسب رواية الوطن عن المستشفى أمس أنه (الله يرحمه) كان موافقا ومطمئنا على الإجراءات المتخذة وأن المستشفى يكاد يجد مخرجا في ذلك لأنه كان طبيبا أيضا ولم يطلب وقف تنفيذ العملية إذا كان قد رأى تقصيرا في الإجراءات السابقة لها.
على العموم لا شيء يعوض الأرواح ولقد مات أكثر من 120 مواطن في سيول جدة ولم يحرك المسئولون ساكنا بعد.
أعتقد أن هيئة ما يجب أن تنشأ لتحصي وتتطالب بحقوق جميع شهدائنا في غرف العمليات، أو في سيارات نقل المعلمات بين القرى، أو غرقا بالأمطار والسيول، أو حرقا في حادث سيارة لم يصل الدفاع المدني له في الوقت المناسب.
ترى ما السبب في رخص قيمة أرواح المواطنين في أعين بعضهم البعض؟ هل هو الإيمان بالقضاء والقدر؟ أو الثقافات اللإسلامية المتوارثة عن الاستشهاد و المبالغة فيه حتى يصبح عمليات انتحارية يمجد أصحابها؟ إن حرمة الدم المسلم أكبر عند الله من حرمة الكعبة المشرفة التي يكاد يموت الناس أمامها دهسا في ذروة الحج أو العمرة!
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 4:47 ص
ياااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه مات قسورة !!!
رحمك الله يا دكتور طارق .. فعلاً شخص عن 1000 .. تباً لهذه الأخطاء اللتي تفقدنا من نحب دائماً و كأنها تتخيرهم بعناية ..
قبل 6 سنوات كنت في دورة قصيرة عن التصوير على وكان المدرس هو د.طارق .. لم أكن أعرف حتى اسمه لكنه دخل قلبي مباشرة .. عجيب بعفويته و أسلوبه
رحمك الله
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 7:40 ص
رحمه الله وغفر له وألهم والديه وأهله الصبر
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 6:46 م
رحم الله الفقيد و ألهم ذويه الصبر و السلوان
و إن كان رب ضارة نافعة فإن من منافع هذه الضارة أن فتحت الأعين على بعض الثغرات التي يجب سدها و لا أدري لماذا ننتظر دائماً وجود الضحية حتى نلتفت للأسباب الموجودة مسبقاً و معروفة.
و من سوء حظ أي ضحية أن تكون مسؤولية الخطأ موزعة على كثير من الجهات حيث يضيع الحق حينها
- واضح أن هذا الخطأ الطبي قد وقع بحق شخصية معروفة في المجتمع حتى وجدنا أصداء لهذا الخطأ هنا و هناك , و هذا بحد ذاته خطأ فكثر هم الضحايا الذين لا حول لهم و لا قوة و الذين مر الخطا عليهم مرور القضاء و القدر الذي لا نعترض عليه
- لب المشكلة ليس في أن الطبيبة المذكورة لم تحصل على الترخيص بعد, فمن المتعارف عليه أن الطبيب الغير سعودي في البداية يبدأ بممارسة عمله قبل الحصول على الترخيص المطلوب الذي يحصل عليه لاحقاً.
- هناك خطا مهني برأيي وقعت به الطبيبة بشكل أو بآخر و هو أن المرحوم من المتوقع جداً لديه حدوث صعوبة في التنبيب – و هو ادخال أنبوب للتهوية عبر الرغامى – نظراً لبدانته و قصر عنقه بالتالي, و كان المفترض تأمين الوسائل الاحتياطية المعروفة في مثل هذه الحالات و لا اعلم إن كانت متوفرة في المشفى ام لا , و في المستشفيات الخاصة دائماً هناك نقص في الامكانيات و يضعون الطبيب على المحك لتنفيذ المطلوب باقل التكاليف و إلا…
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 7:00 م
أهلاً اميل..
والتحليل الذي ذكرته أنت هو الصحيح. وحسب ما وصلني من ذوي طارق -زوجته أيضاً طبيبة- عبر الأصدقاء أن الخطأ كان ساذجاً وبدائياً بشكل مذهل!
أتفق معك وقد ذكرت أنا نفس الكلام: لابد أن تقع الفأس في رأس شخصية محبوبة أو شهيرة أو نافذة أو مسنودة أو معروفة كي يتحرك المجتمع وتتحرك الأقلام. وهذا هو بالضبط دافعنا للمطالبة بمجتمع مدني مؤسساتي غير قائم على “الفزعة” أو على مكرمة ولي الأمر،مجتمع يسع أدنى مواطن فيه أن يوصل صوته ويأخذ حقه عبر آليات تشريعية واضحة وقادرة على التنفيذ.
هذا هو الفرق بيننا وبين الغرب. وحتى في الغرب فإن هذه الآليات غير منزهة.. لكن ألسنا نحن الذين نتشدق بـ “خصوصيتنا”؟!
22 ديسمبر, 2009 في الساعة 7:27 م
رحمه الله و غفر له و سهل مصابه على أهله.
23 ديسمبر, 2009 في الساعة 5:36 ص
الله يرحمه ويغفر له, واحسن الله عزاك اخي اشرف في صديقك الدكتور طارق.
“كتبت رد طويل, ولكن تذكرت اني سعودي فجبنت ومسحته”
المشكلة ياأشرف عدم وجود جهة يذهب اليها المتضررين للشكوى غير وزارة الصحة نفسها !! تخيل
المتهم “وزارة الصحة ” هي من تقوم بالتحقيق واصدار الحكم في قضايا الاخطاء الطبية( تمارس السلطة القضائية) وهي من يشرع قوانين واجراءات المحاكمة ( تمارس السلطة التشريعية) . شفت التخلف. ليش مايلغوا مجلس الشورى ( السلطة التشريعية ) ويلغوا رئاسة القضاء ( السلطة القضائية ) ويكتفى بالسلطة التنفيذية التي بالفعل هي من تمارس (وحدها) كل ادوار الدولة الحديثة.
طاب يوم الدستور ..
23 ديسمبر, 2009 في الساعة 12:29 م
رحمه الله و رزق أهله الصبر…
و وفائك لمن تحب يا أستاذ أشرف لا يزعج من يقرؤون لك بل يزيدهم احتراما لك…
شكرا
24 ديسمبر, 2009 في الساعة 2:50 ص
نسأل الله أن يرحمه و يغفر له و يدخله فسيح جناته , عتبي على جريدة الوطن أنها لم تنشر المكتوب بالأحمر و لا أعلم لماذا هذا التحفظ في توجيه أصابع الإتهام بل و مطالبتنا بحساب المخطيء .
و أضم صوتي لمقاطعة المستشفى و أرجوا أن نجد هذا التكتل من المحاميين .
24 ديسمبر, 2009 في الساعة 3:45 م
عندما تضيع الأمانة العلمية وتنعدم المسائلة والخوف من الله هذا ما يحدث.
31 ديسمبر, 2009 في الساعة 4:50 م
رحم الله قسورة، رحم الله طارق الجهني،،،
عرفته كفنان ، وصعقت لسماعي خبر موته بسبب خطأ طبي، اللهم ألهم أهله الصبر والسلوان ،،،
ويستمر مسلسل الأخطاء الطبية !