في مناسبات كهذه، تغدو الكتابة فعلاً عبثياً لا طائل من ورائه. ليس لأنها تفقد قدرتها على إحداث التغيير. ولا لأن الكلمات لن تبعث الحياة في الأموات ولن تعيد الممتلكات التالفة. لكن لأن الكتابة في هذا الشأن هي أشبه بلعبة “استغماية” أو حوار طرشان.. إنها محض تفادٍ لمشانق “الرقابة الذاتية” ومقاصل “الخطوط الحمراء”. إنك ستكتب لتلعن “الفساد”.. وسترغي وتزبد مطالباً بمحاكمة “المسؤولين” وجلدهم في الساحات. إنك ستملأ الدنيا صراخاً على “حق الشعب” المهضوم وستتوعد المرتشين والخونة بيوم قيامة أسود أمام قاضٍ لا يضيع عنده حق أحد. هذا كله كلام جميل. لكنه كلام عائم وهوائي وليس له قيمة! إنك لن تجرؤ على أن تكتب اسم أحد. أن تحدد مسؤولاً فاسداً بعينه ولا أن تسرد تاريخ الفساد الذي يعرفه كل مواطن سعودي مثقف!

لا أحد -من كتاب الجرائد أو كتاب المدونات- سيجرؤ على تسمية المسؤولين علناً. ولهذا أكثر من مبرر في الواقع: فأنت إذا ذكرت اسم فلان أو علان الذين تزكم سيرتهم العفنة الأنوف كمتورطين في مهازل المشاريع والبنى التحتية في الدمام أو جدة أو الرياض أو أبها.. إذا حددت أسماء أي من هؤلاء.. فإنك ستعرض نفسك للمساءلة القانونية! إن أياً من أولئك الفاسدين فساداً يعرفه القاصي والداني يسعه أن يرفع عليك قضية قذف وتشهير ويمرمطك في المحاكم لأنك تتكلم بدون بيّنة ولا دليل، هكذا يقول القانون. وهذه قمة سخرية القدر.. النظام يمنعك من تحديد منتهكي النظام!

لكن مخافة القانون هي آخر من يهمنا في هذا الصدد. أنت لا تحتاج لأن تكون عبقرياً كي تحدد رعاة الفساد والمسؤولين عنه. أنا أستطيع أن أتحفك بكم اسم وأعرف أني لن أحاسب قانونياً لأني مسنود وعندي أكثر من واسطة.. هكذا بكل وساعة وجه والله. لكني مع ذلك أجبن من أن أفتح فمي بأول حرف من اسم أي واحد منهم.. لأني أخاف على نفسي ومن أعول وما أملك.. لا أريد أن تحجب هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات هذه المدونة، ولا أريد أن تنهي الملحقية الثقافية بعثتي على حين غرة.. ولا أريد أن أكتشف أني قد خسرت وظيفتي بالجامعة لسبب أو لآخر. لهذا كله فإني أفضّل أن أخرس وأحتفظ بما أعرف لنفسي.. أو أن أتبادله مع من أثق من الأصدقاء في جلسة نخبوية بأي مقهى يقدم معسلاً جيداً ويشغل قناة الجزيرة لزبائنه المحترمين الرافضين للابتذال الذي تعرضه روتانا طرب!

وهذا هو التعريف الحقيقي للفساد! أو هذه هي “وساخته” الحقيقية. أن نصير كلنا متواطئين ومتعاونين في منظومته. ليس شرطاً أن تكون لك مصلحة مادية أو أن تكسب لك قرشين من هنا أو هناك لتحسب في خانة الفاسدين. قديماً قالوا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس.. وأنا هنا أقر وأعترف وأنا بكامل قواي العقلية أني شيطان أخرس.. أنا ووالدي -حفظه الله- وأعمامي وخوالي  والجيران وعيالهم وحتى أبو محمد صاحب محل البقالة إياه في أول الحارة. كلنا شياطين خرس متواطئون في ملف الفساد آثرنا أن “نقضب أراضينا” و “نتحمد العافية” الغالية جداً!

كيف نتكلم عن وجوب المحاسبة ونحن عاجزون عن الإشارة للفاسد في وجهه؟ ما الفائدة من لعن الفاسد إذا كنت سأتعشى على مائدته وأستظل بظله؟ كيف نحارب الفساد وهو منظومة مؤسساتية؟ إذا كان هو الأساس والأصل؟ هل تريد أن تقول لي بأنك في حياتك لم تقض مصلحة بدون واسطة أو مساعدة قريب؟ أنا لا أتكلم بالضرورة عن الرشوة، ولا يلزمك أن تقتل إنساناً أو تدمر حياته حتى تعد من الفاسدين.. هل حصل مرة وحصلت على ترفيع للدرجة الأولى لأن ابن عمة أمك كان على الكاونتر ليلتها؟ هل نقلت زوجتك من مدرسة الهجرة البعيدة لمدرسة الحي القريب دوناً عن كل زميلاتها لأن صديق دراسة والدها نال منصباً في وزارة التعليم؟ هل تنير الكهرباء الشارع أمام بيتكم دوناً عن بيوت الحارة.. وهل أنتم الوحيدون الذين عندهم مقسم DSL كما هو الحال مع بيتنا؟

لا يوجد شيء اسمه فساد كبير وفساد صغير. والذي خطط الأراضي وباعها في بطن الوداي شرق جدة كان يعرف أنه يمارس الفساد لكنه غالباً عزى نفسه بالتأمل في فعلة فاسد أفسد منه. وشخصياً لا أعتقد أن كارثة جدة سينتج عنها تغيير جذري في تسيير الأمور. بل إن الحديث عن الفساد في الجرائد بعموميته وضبابيته صار كالكلام عن فساد الخضار واللحوم في الأسواق. والموضوع أكبر من ذلك بكثير. هذا فساد يحتاج ثلاجة كبيرة.. كبيرة جداً جداً لأنه عفنه ونتانته قد صارا قاتلين.