المقال كما نشرته الوطن

ليست لي أي علاقة بانتخابات غرفة جدة. فلا أنا أنتمي لعائلة صناعية أو تجارية.. ولا أنا “جداوي” في الأساس. لكنك لا تحتاج لأن تحصر نفسك في أي من تلك الدوائر الضيقة كي تستشعر الخيبة والحزن لما آلت إليه الأمور. والخيبة الحقيقية ليس مردها تطاول الناس على بعضهم بالأيادي والأقدام خلال تجربة انتخابية “حضارية”، ولا لأن جراحات (جدة) ونكساتها قد زادت واحدة، لكن مبرر الأسف الحقيقي سيتبدى لك حين تطالع تعليق أحد السادة القراء على مقال الأستاذ تركي الدخيل في نفس الشأن يوم السبت الماضي. القارئ الكريم كتب تعليقاً على مقال (ملاكمة انتخابات جدة) : “هذا وهم من المفترض أن يكونوا صفوة الناس، فكيف لو فتح باب الديموقراطية لعوام الناس؟ الحمد لله على نعمة الاسلام”.

وأنت لا تحتاج لأن تكون ذكياً جداً لتفهم أن هناك من يسره جداً أن يصل الناس لقناعة مثل هذه. وأن نكبات التجربة التقدمية والتعددية التي تتالت خلال الأيام الأخيرة بالذات هي مما يروق لهواة نظرية المؤامرة أن يركنوا إليه. تجربة غرفة جدة قد تم إفشالها ذاتياً.. بمعنى أن المرشحين أنفسهم قد قادوها بممارسات الفساد والمحسوبية والغش إلى الفشل. لكنك لو كنت مناوئاً  للتجربة التعددية الشعبية.. لو أنك من أعداء تداولية صنع القرار ورافض تماماً لإعطاء الجماهير حرية الاختيار والقرار.. ولو أنك أعددت خطة “ما تخرش الميّه” لإقناع تلك الحشود من “العوام” بأنها مستعصية “جينياً” على التجربة الديمقراطية.. بأن الانتخابات لا تصلح “لنا” نحن بالذات لأننا مسلمون خصوصيون وبأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان.. فإنك لن تأتي بسيناريو أفضل مما ورط الجداويون فيه أنفسهم.. أن يفسد أصحاب الشأن الشأن على ذواتهم!

جدة هي الحاضرة الأكثر ليبرالية وانفتاحاً بالبلاد. وإن كان من تغيير إيجابي سيطرأ.. أو اقتباس لتجربة خارجية مفيدة وخيرة.. أو إعداد لتجربة داخلية فاعلة وتقدمية.. فإن هذا كله مار بجدة لا محالة. حين تفشل جدة فإن البلاد كلها تئن.

الذي تمخضت عنه قصة الغرفة التجارية الجداوية في الوجدان الشعبي هو التالي: هؤلاء “الصفوة” من التجار والصنّاع.. المثقفين والأثرياء ممن لا تنقصهم القيمة الانفتاحية ولا القدرة التغييرية.. المتربعون على عروش الإصلاح والطوير في مجتمعاتهم.. هؤلاء سقطوا بشكل مخز ومريع في محض تجربة انتخابية تتكرر في أي مدرسة ثانوية محلية. فإذا كان هذا مصير “صفوة” المجتمع الانفتاحي.. فكيف بباقي الناس؟ ممن ينتظرون إرشاد ومساعدة تلك الصفوة؟ كيف بباقي الناس الذين يجدون إشكالية في تقبل القيم الحداثية والانفتاحية.. والذين لا تتوفر لهم معشار فرص الاحتكاك بالعالم الخارجي “المتقدم” الذي يبشر به هؤلاء النخبويون ليل نهار؟!

التجربة التقدمية عندنا تسقط مثخنة بخناجر دعاتها. وهذه هزيمة نكراء ليس للتقدميين وحدهم بل للكل. لأنه على المستوى التياري.. فإن أحداً لم يعد يمتلك مصداقية. لا المجالس البلدية بقوائهما الذهبية أحدثت فرقاً أو حققت منجزاً.. ولا الغرف التجارية بديمقراطيتها الهزيلة بيضت الوجه!

في حالة غرفة جدة التجارية بالذات، فإن الحل موجود بيد وزارة التجارة تحديداً.. لأن هذه الانتخابات كانت انتخاباتها هي وبرعايتها وإشرافها هي.. وسقوط التجربة هو سقوط للرعاية الحكومية التي تمثلها الوزارة. وهذه الرعاية مطلوبة وفي قلب الموجة التطويرية تماماً. من قال أنها مضادة لها في الأساس؟ ثمة قول هو خاطئ ومؤسف بقدر ماهو قول الأخ المعلق الذي اقتنع بأن الانتخابات مضادة لروح الإسلام.. مع خالص الشكر لمرشحي غرفة جدة!