(شوكت شاهين طاش – Şevket Şahintaş) هو ميكانيكي، وسوّاق تاكسي، ومصور فوتوگرافي عالمي أيضاً. أما كيف صار “عالمياً” فهذه سأشرحها بعد قليل.. لأني سأفترض ألا أحد عنده مشكلة مع صفة “مصور فوتوگرافي”! أي أحد بوسعه أن يقول أنه مصّور طالما عنده كاميرا ديجيتال، أي واحد هو مدوّن طالما عنده مدونة، وأي واحد هو مثقف طالما هو يستخدم كلمات مثل “ديماگوگية” و “پراگماتية“!!

عالمية (شوكت) اتضحت لي حين فتحت على الـ CNN ذات صباح ليطالعني ريبورتاج عنه. بعد ذلك وبالبحث علمت أن مجلات مثل Der Spiegel قد تكلمت عنه، كما وأن أعماله عرضت بعدة مدن أوروبية.

ولاشك بأنك أنت الآن قد اقتنعت بأن (شوكت شاهين طاش) هو فنان عالمي محترف. لكن مهلاً.. أنا لم أقل أنه “محترف”. في الواقع فإنه مصوّر هاوٍ.. وهاوي جداً.. بدليل أنه ما يزال يعمل ميكانيكياً ولا يكسب الكثير، فيضطر لأن “يكدّ” على سيارة تاكسي بالليل.. وهنا تكمن “العقدة” في هذه القصة الظريفة.

في الليل يجول (شوكت) شوارع إسطنبول بحثاً عن راكب يبحث -بدوره- عن توصيلة. الركاب ليسوا بالوفرة التي تتوقعها. لكن جولات (شوكت) في الشوارع والشوارع الفرعية والأزقة الليلية الضيقة قادته لاستكشاف عالم إسطنبول الليلي العجيب. وهو العالم ذاته حيثما كانت هناك ظلمة وكانت هناك مدينة عتيقة حافلة بالبشر وبالحياة. هناك ملايين سائقي التاكسي وخفافيش الظلام الذين يعرفون تماماً ما نتكلم عنه. لكن (شوكت شاهين) يختلف عن هؤلاء كلهم.. فهو قرر أن يصوّر ما يراه.

ومثل أي مصور هاو يحترم نفسه، فإن (شوكت) لم ينخرط في دورة لتعليم أصول التصوير ولم يأخذ “كورسات”. إنه قد تعلم ذاتياً. كما أنه يستخدم كاميرا point-and-shoot بسيطة ليست ذات أي ميزات فائقة. ومع ذلك فإن صوره ببساطتها وتلقائيتها تحمل لمسة فنية باهرة. كما وأنها تخدم الغرض التوثيقي بشكل ممتاز.. لأنها عرَّفت أهل إسطنبول أنفسهم -فضلاً عن باقي العالم- بوجه خفي وصاعق لمدينتهم.

يصور (شوكت) كائنات الليل الخفية.. المشردين والشحاذين الذين لا مآوي لهم فيبيتون بمكبّات النفايات ومحطات الباصات المهجورة.. ولا يمانع أحدهم في أن يبتسم للعدسة مقابل سيگارة. يصور عمّال الليل.. جامعي النفايات والصبية المشتغلين لصالح معامل تدوير الزبالة. يصور المخبولين والمعدمين والسكارى والعاهرات والشواذ.. وسواهم من البشر الذين يغزون الشوارع الخلفية ليقيموا مملكة الليل.. في حياة غير تلك التي نعرفها نحن الناس “الأسوياء” و “الطيبين”.. أوَ لسنا كذلك؟!

في الحقيقة فإنك حين تطالع صور (شوكت) فإنك ستحس بالخجل من ذاتك وبتأنيب الضمير. نفس الإحساس بالذنب  الذي ينتابك حين تجلس بين أسرتك على العشاء وتقلّب أخبار المجاعات وضحايا الفيضانات على التلفزيون. لأنك ستتذكر الوجه الوحشي للـ “مدنية” وللحضارة. يقول مصوّرنا في لقاء الـ CNN: “شاهدت أناساً بالشوارع في الشتاء. كانوا غارقين في البرد. أردت أن أشتري كاميرا وأوصل معاناتهم وظروفهم الصعبة للناس. هكذا بدأت”

في كثير من الصور سيطالعك كادر متكرر لمشرد متدثر بلحاف متهالك ونائم على الأسفلت، وبجانبه سيكون ملصق إعلاني كبير عليه وجه طافح بالصحة والسعادة. هذه ليست لقطات عشوائية، و(شوكت) يبحث عنها بالذات: “أحب أن أقتنص هذه التناقضات.. أريد أن يشاهد الناس السعداء هذه المتناقضات وأن يفعلوا شيئاً حيالها”.

حين تتأمل الصور فإنك ستستشعر فوراً موهبة ما بها. (شوكت شاهين طاش) ليس مصوراً فذاً. وصوره ليست متكلفة ولا معقدة فنياً. إنها مجرد لقطات عابرة -معظمها بالأبيض والأسود- لمشاهد ليلية. لكنها لقطات ذكية أيضاً.. كما أنها ببساطتها وتلقائيتها تأسرك. ثم أن الـ (سبجكتس) أنفسهم مدهشون. لأن كائنات الليل هذه التي سحقها السهر والشظف والإدمان هي ذات ملامح استثنائية في غرائبيتها.. بعض الصور بدت لي قريبة جداً في روحها وتركيبها من لقطات شهيرة لـ (ديآن آربوس).

ما يزال (شوكت شاهين طاش) منهمكاً في التصوير وفي سواقة سيارته وفي مهن أخرى كثيرة في سبيل لقمة عيشه. وأنا أحس أن هذه قيمة إنسانية أخرى هامة في “الإبداع” الذي يقدمه. إنه واحد من الشعب.. مواطن حقيقي قادم من قلب الحدث. وهذه هي النعمة الحقيقية في توفر كاميرا ومدونة إنترنت وقاموس مصطلحات متفذلكة عند كل واحد منا.

————-

* كل أعمال (شوكت) المعروضة هنا منقولة من موقعه: http://www.sevketsahintas.com