الثلاثاء, 8 يناير, 2008في النهاية كلنا سندفع
قبل أشهر ثارت ضجة في أميركا عقب اعتراف شركة (كوكا كولا) بأن المياه المعبأة التي تنتجها -(ماركة أكوافينا)- ليست مياه ينابيع.. إنما هي مياه صنابير.. صالحة للشرب طبعاً.. مثلها مثل تلك التي تتدفق من حنفية مطبخ أي بيت أميركي بلا مقابل.
الضجة لم يكن مبررها أن (أكوافينا) تستهبل المستهلك الأميركي وتبيعه مياه الحكومة المجانية مقابل دولار وخمسة وستين سنت للقارورة –قبل احتساب الضريبة-. لكن الانزعاج كان مبرره أن شركة المشروبات قد خدعت الناس حين وضعت صورة لمنظر جبلي على ملصقات قواريرها و “أوحت” بالتالي للمستهلك بأن مياهها هي ذات مصدر أكثر أصالة من (البزبوز).
العبرة في هذه القصة القادمة من أميركا بلد الحريات والمؤسسات المدنية.. وبلد الرأسمالية والامبراطوريات الاستهلاكية كذلك.. العبرة هي أن المستهلك.. في مجتمعات الأسواق المفتوحة.. سيدفع حتماً ثمن السلعة. بغض النظر عن قيمتها الحقيقية أو حتى عن حاجته الحقيقية لها. هو قد يغضب لأسباب تافهة مثل تلك المذكورة أعلاه.. لكنه سيدفع في نهاية المطاف. لأن حياته العصرية تحتم عليه هذا الرتم في الاستهلاك. وأرباح الشركات لحسن الحظ لا تتناسب طرداً مع حجم الابتسامة على وجه الزبون. المستهلك الأميركي (الأهبل) ما يزال يشتري قوارير (أكوافينا).. ويكدسها في ثلاجته القابعة بالمطبخ جوار الصنبور حيث تتدفق المياه المجانية!
ماذا عن مستهلكنا الصحراوي الذي لا تتوافر لديه بدائل للمياه المعبأة؟ شركات المياه تقول بأن سعر قارورة “موية الصحة” سيزيد بما نسبته 20%. يعني سيصير سعر القارورة النصف لتر ريالاً وعشرين هللة. المسألة ليست في الزيادة فمن منا يعبأ بالعشرين هللة؟ لكن من منا أيضاً يحمل في جيبه قروشاً من فئة العشرين هللة؟!
(مُصنعوا) المياه المعدنية عندنا يبررون هذه الزيادة بارتفاع أسعار المواد الأولية التي يستخدمونها. هكذا يصرحون في الصحف والله. هذه المواد الأولية هل تمثلها ذرتان من الهيدروجين وذرة أوكسجين لكل جزيء ماء؟ أم تراهم يعنون البلاستيك الذي يصنعون منه العبوات الأنيقة؟ لأني لا أعرف مواداً أخرى لازمة لـ (تصنيع) قارورة مياه معدنية. وإذا كانت العلة في البلاستيك.. فهل يعقل أن نعاني نحن بالذات من هكذا إشكالية وعندنا غول صناعي اسمه (سابك)؟ لا أفهم!
مع ذلك سندفع.. سندفع “من فوق خشومنا” كما في اللهجة الدارجة.
في وقت كتابة هذا المقال يجتمع معالي وزير التجارة مع كبار منتجي الألبان لبحث قرارهم الجماعي برفع سعر لتر اللبن بنسبة عشرين في المائة. مرة أخرى لا تجعلوا النسب تخدعكم.. إن هو إلا ريال واحد من الزيادة في السعر. ومن يعبأ بالريال؟! كم ريالاً نلقي في القمامة عقب كل احتفالية اجتماعية؟ الواقع أن ما يضايق أحدنا ليس هذا الريال.. الخير كثير ولله الحمد. لكنه أسلوب (الاستكراد) في التعامل. ممارسة الغباء في التعاطي مع المستهلك ومع الجهة المسؤولة. يعني كل الكلام الذي نسمعه عن التضخم.. والعملة الخليجية الموحدة ودورها في فك الارتباط بالدولار.. وتداعيات الانضمام لمنظمة التجارة العالمية وتغيرات تكاليف النقل والعمالة.. إلى آخر هذا الهراء الذي نقرؤه في الصحف والتقارير المفككة الركيكة التي تعجز عن تقديم الإجابة الحقيقية بشجاعة ووضوح. كل هذا الهراء التبريري لِم لَم يكشر عن أنيابه سوى الآن بالذات في 2007/2008؟ لماذا يرتفع سعر التبن والرز قبل أيام من تطبيق الدعم الحكومي عليه بالذات؟ لماذا تتغير أسعار أقواتنا ولا تتأثر أسعار الكمبيوترات الدفترية المستوردة من الخارج، ومشغلات أقراص الليزر والهواتف الجوالة بـ (المناخ العالمي) الذي يقدمه لنا تجار (الأرزاق) وكأننا حفنة من الجهلة أو المتخلفين عقلياً؟!
قبل أسابيع جمعني مجلس ببعض الأصدقاء من العاملين في القطاع الخاص. كانوا يتحدثون وسط دخان المعسّل و (صكّات البلوت) عن “ارتفاع مرتقب” في سعر لتر اللبن يتفاوض المنتجون الكبار لتمريره. سألت أحدهم ببراءة إن كان ذلك سيثير احتجاج المستهلكين؟ قال لي بالحرف: “أشرف.. هذا المستهلك هو بالنسبة لنا مثل الذبابة. تزيحه بيدك هكذا لتواصل جني الأرباح”.
ومع ذلك.. نعرف كلنا أننا سندفع.. “من هنا”!













