المقال كما نشرته الوطن

كم مرة سمعت هذا الوصف: الطفل المعجزة؟ كم مرة طالعك خبر في صفحة أخيرة، أو في فاصل منوّع، كم إيميلاً ومقطع (يوتيوب) وصلك؟ أو كم مرة فاجأك في مجلسك وبين ضيوفك أحد هؤلاء “الأطفال المعجزات”؟!

والإعجاز على أنواع طبعاً ويتعدد بتعدد الذائقة والهمّ. هناك طفل معجز في قدرته على تقليد المطربين، وهناك طفل معجز في تقليده للمقرئين. هناك طفل معجز في حفظه للشعر، وأخر معجز في تذكره لنتائح مباريات الدوري، وثالث يستحضر تقريب العدد (باي) حتى الخانة السادسة عشر بعد الفاصلة.

كل أولئك أطفال.. وكلهم “معجزون” في الاصطلاح الاجتماعي. إنهم مدهشون ومثيرون للفضول وللتسبيح بالمشيئة الإلهية.. ثم ماذا؟!

منذ عشرين سنة، ربما أكثر، ووالدي يعيّرني بأخبار هؤلاء في الجرائد. وقتها لم تكن إلا الجرائد، الآن هناك فضائيات و (تويتر) ومقاطع (بلوتوث). يظل الطفل المعجزة صامداً.. لكنه يأبى أن يكبر ويصير رجلاً فيما يبدو. لأنك لو حسبت مقدار ما عرض عليك من معجزات صغيرة، منذ وعيت على الدنيا وحتى اليوم، فإنك ستفترض أن العالم كله مقبل على ثورة سلمية في كل المجالات.. لأن جيلاً كاملاً من الأفذاذ هو على وشك البلوغ والتموضع في مواضع صنع القرار.

بودي لو نعود لأرشيف العام 1407 مثلاً، ونسترجع خبر أحد أولئك المعجزات. هنا في السعودية أو في أي مكان في العالم.. أين هو/هي الآن؟ ما فعل الله به أو بها؟ ستكون خيبة حقيقية لو اتضح أن ذلك الطفل المعجزة قد كبر ليصير نفراً عادياً.. أو أقل من ذلك. وليكونن ذلك تفريطاً ما بعده تفريط في الموارد والمقدرات.. على أساس أن المورد البشري هو أثمنها على الإطلاق. ألا يقولون ذلك في الأخبار أيضاً؟!

هل من السذاجة أن نفترض أن كل طفل معجز سيكبر ليصير بالضرورة بالغاً معجزاً؟ لماذا هي سذاجة؟ ولو كانت كذلك، فهل يكون احتفاؤنا بالطفل المعجز محض تضييع للوقت؟ هل يكون مجرد (سيرك) ننصبه.. أو ينصبه والدا المعجزة حول فلذة كبدهما، لنفرح ونندهش ونردد المعوذات على رأسه -لو كنا نحبه- ثم نمضي لنهتم أكثر بذواتنا (العاديّة)؟! لو صح ذلك فلنتفق منذ الآن أن نلقي بكل رسالة عن طفل معجز في سلة المهملات.. وأن نوبخ كل من تسول له نفسه لأن يدعونا لمجلس فيه سيرك إعجازي!

ثم، ماهو المطلوب من الطفل المعجز بالضبط؟ بمعنى، أن الصبي إذا أدهشنا بتمكنه من مهارة لا يجيدها إلا الكبار، فماذا ننتظر منه حين يصل لسن الكبار؟ أن يتحصل على ملكة فوق-بشرية؟ أن يصير في حكمة الشيوخ وهو بعد فتى؟ ممكن! أليس هو من قدم نفسه إلينا على أنه.. معجزة؟ أما أنها صفة مقصورة على اللفظ الذي قبلها: طفل؟!

من هو الملام في هذا “المقلب” العالمي الذي شربناه ونشربه؟ مقلب لأننا لم نستفد شيئاً! فبقدر ما شهدنا من معجزات صغيرة، فإن الحال كما هو. لا نحن فزنا بكأس العالم، ولا اكتشفنا بديلاً للـ DSL، ولا أنجبنا شاعراً فحلاً يعيد أمجاد أي من سابقيه. إننا، وبالنظر لكمّ الأطفال المعجزات الذين نعلن عنهم، جديرون بأن نكون أمةً من المدهشين.. فهل نحن أمة من المدهشين؟

هل هي غلطة الطفل المعجزة؟ أم غلطة والديه؟ أم غلطة المدرسة؟

هل وُلد الطفل المعجزة موهوباً؟ أم أن أحداً علمه؟ لو كان ولد هكذا.. فلم لم يحافظ على موهبته وينمها؟ ولو كان أحد علمه.. فلم تركه بعدما انفض السيرك، ولم يكمل تعليمه؟

أم أن الطفل المعجزة قد استنفد حظه ونصيبه من المجد.. وصار لزاماً عليه أن يفسح المجال للآخرين: المراهق المعجزة.. والمرأة المعجزة.. والرجل المعجزة؟

أين هو هذا الرجل المعجزة؟!

——-

- حقوق عنوان المقال محفوظة لمحمد حمدان.