Hits: 65356

إذا كان جيلنا قد تجاوز أزمته مع (جرندايزر) بـ “البَرَكة”.. فإننا لا بد أن نتخذ موقفا واضحاً وحاسماً في زمن الإنترنت هذا.. لاسيما و Google تتحكم بالحياة أكثر وأكثر!

كيف تكتب كلمة “Google” بالعربية؟ أنا شخصياً رأيتها بأكثر من شكل: هناك (جوجل) و (غوغل) و (قوقل) وحتى (كوكل)! نحن نعاني أزمة مع “الصوت” G، مع أنه صوت موجود وفارض لذاته على واقع الخريطة العربية. المصريون واليمنيون ينطقون “الجيم” هكذا. ونحن في السعودية ننطق “القاف” هكذا. لكن ماذا عن الكتابة؟ هناك “اتفاق” ما لدى الكتّاب والناشرين العرب على إحلال الحرفين العربيين: “القاف” و “الجيم” مكان الصوت G. وهناك تعارف أيضاً على استخدام حرف “الغين”.. لا أدري ما أساسه بالضبط؟!

لكن هذا محض تلفيق واختلاق! لأن المسألة صارت (شوربة) بين جرائد السعودية ومصر ولبنان. كما وأن الحبل متروك على الغارب تماماً على النطاق الشخصي. وليس لأحدنا أن يضع العقدة في منشار الأبجدية العربية.. التي لم ينزل بتحديدها قرآن من السماء.. كما لا توجد مواد دستورية تمنع من “اختراع” حروف جديدة وإضافتها لمصفوفتها. المسألة إذاً هي مسألة مبادرة!

الحل لهذه “اللخبطة” موجود من مئات السنين وقديم ولا يحتاج اختراعاً في الواقع. فالأبجدية العربية المرنة حقاً.. قد تم تبنيها من قبل -أو فرضها على- ثقافات أخرى غير عربية.. لتُكتب بها اللغات الأردية والفارسية اليوم، والكردية والأويغورية أحياناً، والتركية فيما مضى. وهي كلها لغات حافلة بالأصوات التي لم يعهدها العرب القدماء. أصوات الـ G و V والـ P.. والتي يشكل كل منها معضلة حالياً وبالذات مع سيادة اللغة الإنجليزية (الإنكليزية؟) في العِلم والإعلام.

طبعاً الملاحظة الأخيرة ستدفع البعض لأن يخبط بقبضته على الطاولة ويهتف بنا لأن ننصر العربية على اللغات الأخرى ونعتز بتراث الأمة.. إلخ. وهذا كلام عاطفي وغير عملي.. لأن الثقافة العربية والكتاب العربي اليوم متخلفان بعشرات السنين عن الكتاب اليوناني والإسباني ناهيك عن الإنجليزي، ونحن نبحث عن حل آني وسريع لكتابة كلمة Google.. كما وأن رفض اللغات الأخرى تماماً لم يكن وارداً ولا حتى في ذروة مجد الترجمة للعربية قبل ألف سنة.. وهو بالتأكيد ليس وارداً في عصر التخلف الماحق هذا.

لنعد للحل المقترح: الأبجديات الأردية والفارسية مثلاً بها حرف هو عبارة عن “الكاف” العربية لكن تعلوها فتحة كبيرة أو “شَرطة” ويبدو هكذا: گ. اسم هذا الحرف “گاف”.. وتلفظ  Gaf مع نطق الـ G كما في الكلمة الإنجليزية Green.

خلاص.. ها قد حلت المشكلة وبكل بساطة! الكاتب الباكستاني ومصحح المقالات الإيراني لن يضطرا لأن يرجعا للـ (ستايل شيت)، ولمزاج رئاسة تحرير جريدتهما ليعرفا كيف سيكتبان كلمة Golf.. إنها ستُكتب هكذا:گولف. وبالمثل: گوگل، وجمهورية الگابون، وفن الـ (الگرافيتي) وهلم جراً.

كما قلت فهذا الحرف قديم ومعروف منذ دهور. والترجمة العربية لمجلة Scientific American الصادرة عن (مؤسسة الكويت للتقدم العلمي) تستخدم هذه الـ “گاف” بالذات. معظمنا يعرف كذلك أن الباء وتحتها ثلاث نقاط: پ، هي نظيرة للـ P. كما وأن حرف الفاء إذا وضعت فوقه ثلاث نقاط فإنه يلفظ V.. بل إن منتجات شعبية مثل الفيمتو والسفن أپ تباع في الأسواق من سنين طويلة وعلى متنها هذه الحروف العجيبة.

إذاً فتلك  الحروف “الجديدة” ليست جديدة تماماً! مشكلتنا هي “معيارية” في المقام الأول. بمعنى أن تتقدم جهة ما و “تفرض” رسمياً على الناشرين العرب اعتماد هذه الأحرف.. وأن تتقدم جهة أخرى وتفرض تعليم هذه الأحرف في المدارس. هذه المعيارية غائبة على النطاق الإقليمي لكن ليس الدولي فيما يظهر.. بدليل أن هناك ترميزاً حاسوبياً (Unicode) لكل تلك الأحرف.. وبدليل أني نسختها بكل سلاسة عبر محرر (الوورد بريس) الذي كتبت به هذه التدوينة، وهاهي تظهر على شاشتك في هذه اللحظة أيضاً!

هل يكون “الكمبيوترجية” قد سبقوا مجمعات اللغة العربية، وجامعة الدول العربية، والمنظمة العربية للثقافة والعلوم المنبثقة عنها.. والتي يفترض أن تأخذ هي زمام المبادرة؟ ماهي المنظمات الأخرى المسؤولة التي تخطر على بالكم هنا؟

البعض سيعتبر مثل هذه المطالب بمثابة الهزيمة للفصحى في مقابل العامية.. لأن الصوت G ليس عربياً فصيحاً! لكن حتى اللهجات العربية القديمة عرفت التنوّع* ولها بواقٍ في عاميتنا. اللغة (الكلاسيكية) التي نعرفها اليوم صقلتها عوامل شتى اجتماعية وسياسية وصقلها القرآن. والعامية تظل بحاجة لأن تُخدم، ناهيك عن ضرورات الترجمة الملحّة. كما وأن اللغة العربية التي استوعبت ألفاظاً جديدة من قبيل (ديوان) و (فالوذج) على مر القرون لن تضيق بحرفين أو ثلاثة.

البعض الآخر سيقول “اشمعنى العرب”؟! لماذا نحوّر نحن لغتنا كي نتمكن من كتابة ألفاظ العجم بشكل سليم؟ لماذا لا يبادر الفرنسيس والإنجليز (الإنغليز؟) إلى ابتكار مقابلات في لغتهم لحرف “العين” مثلاً؟! وهذا استفسار “استعباطي” مع احترامي! لأننا هنا في صدد تنظيم شؤون لغتنا نحن.. وليذهب الإنكليز والجرمان في ستين داهية! هذا أولاً.. وثانياً: فحين نصل -أو نعود- لمستوى حضاري يجبر “الخواجات” على أن يترجموا لنا كل يوم .. عندها يحق لنا أن نطالبهم بالعين والحاء وبالتاء المربوطة أيضاً!!

السؤال الأخير الذي يطرح نفسه: هل نحن في حاجة حقيقية لكل هذه الغَلَبة ولهكذا مشروع؟ فحياتنا -على ما يبدو- سائرة وبخير.. كما وأن عندنا مشاكل أهم وأَولى بالحل!

جوابي هو أن هذا الموضوع بالذات ماضٍ بـ “التطنيش والبهللة”. وأن هذا الحل طالما أنه “سهل” فإنه جدير بالنتفيذ فوراً .. إلا أذا قررنا أن نتوقف عن ترجمة أي صوت G .. أو أن نستمر في حال الاستعباط التي نحن فيها. وكبادرة حسن نية تجاه اللغة العربية، فإن هذه المدونة سوف تعتمد حرف الگاف في مادتها من الآن فصاعداً!

من أعلى اليمين للأسفل: الرئيس التركي عبدالله غُل، جرندايزر، الممثل قاري أولدمان، الحرف اليوناني غاما، شعار شركة جو، علم قامبيا، لاعب الغولف تايقر وودز، شعار جووجل.

—————

* من اللهجات العربية القديمة هناك (الكشكشة) في لغة ربيعة ومُضر: وهي قلب كاف التأنيث إلى شين مثل قولهم : “فعيناش عيناها وجيدش جيدها” أي: فعيناك عيناها وجيدك جيدها. وهناك (العنعنة) في قيس وتميم: إبدال الهمزة عيناً. و (الفحفحة) في لهجة هُذيل: إبدال الحاء عيناً مثل “حتى وعتى”.  كما وردت أحاديث في السنّة بغير لهجة قريش مثل قوله صلى الله عليه وسلم لوفد تهامة: ” لَيْسَ مِنْ ‏امْبِرِّ ‏امْصِيَامُ فِي ‏امْسَفَرِ” أي: ليس من البر الصيام في السفر. راجع (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، ج 4، للدكتور جواد علي.