الثلاثاء, 22 سبتمبر, 2009كان عظيماً.. ربما الأعظم!

على طريقة برامج المسابقات سنسأل: “برأيك: من هو أعظم شخص عاش خلال القرن الفائت؟” لنحوّر السؤال قليلاً كي يصير: “ما هو أهم إنجاز بشري حديث؟”
هذه كلها أسئلة واسعة الرحاب. لأن تعريف “العظمة” ذاته واسع وفضفاض. وحين نقول أن شخصية ما كانت عظيمة.. فهل نحن نمتدح أخلاقها؟ أم منجزها؟ أم الظروف التي صنعتها؟ كما وأنها مسألة نسبية. الفرنسيون سيؤكدون لك مثلاً أن (نابليون) كان عظيماً، في حين لا ترى فيه باقي أوروبا إلا جزّاراً مجنوناً.. ناهيك أنه لم يعش في القرن العشرين! ثم لماذا نبحث في التاريخ والأسماء المشهورة.. هناك مئات الأيتام الذين سيحلفون لك بأن والدة كل منهم هي أعظم إنسانة في العالم.. وبالمثل مئات وآلاف المحبين والعشاق الذين لا يرون في الدنيا إلا من يحبون.
هل هو سؤال بلا جواب إذاً؟ ماذا عن أعظم إنجازات البشرية؟ السؤال يقول “حديثاً”. أحدنا سيهتف: “البلاك بيري”.. آخر سيكون أكثر شمولية ويتحفك بأنه “الإنترنت”. ولكن هذا وذاك يعرفان أنهما سيعيشان أسبوعاً بدون إنترنت.. لكن ماذا عن يومين بدون سيارة.. أو بدون شبكة مياه؟
المسألة ليست إنتقائية. كي نجاوب على ثمة سؤال فإننا نحتاج لأن نفكر بحيادية، وأن نحدد معايير لخياراتنا. ماهو معيار الأهمية في أي شيء؟ أن يكون مفيداً.. طيب. أن يستفيد منه أكبر قدر ممكن من الناس.. مفهوم. لكن ماهو مقياس “الفائدة”؟ هل نضع صناعة الترفيه على نفس درجة صناعة الأدوية؟ مع العلم بأن هناك أشراراً حقيقييين يديرون صناعة الأدوية العالمية كما صرنا نسمع.
لحسن الحظ فإن هناك معياراً شرعياً لدرجات خطورة الموقف.. اسمه معيار (الضروريات الخمسة). الأصوليون والفقهاء قالوا أن الشرائع في المجمل جاءت لحفظ خمسة (ضروريات) أو (أصول). وأن هذه الضروريات هي: الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال. على اتفاق شبه عام بالتزام هذا الترتيب.
إذاً نحن أمام مسألة سهلة، فنحن مطالبون بأن نعثر على الشخص الذي أفاد البشر أكثر من سواه في المجال (الديني) خلال المائة أو الخمسين عاماً الماضية كي نتوجه بلقب “أعظم” و “أهم” إنسان معاصر. لكن حتى هذه السهولة ستتبخر بعد ثانيتين من التفكير! لأنه لاشيء أصعب -كما علمنا التاريخ- من الاتفاق على الشأن الديني.. دعك من التفاصيل المذهبية والتيارية في الملة الواحدة. إننا سنختار شخصاً مسلماً.. ليختلف معنا ويرفض اختيارنا خمسة مليارات إنسان آخر. وبالرغم من أننا قد نجادل بأن عظمة شخصيتنا المختارة ليست في حاجة للإجماع الدولي كي تثبت.. إلا أنه ربما كان من الأسلم أن نتجاوز حقل الألغام هذا ونختار الفئة التالية من الضروريات التي هي أقل مدعاة للتنازع: حفظ النفس.
إذاً.. فمن هو الشخص الذي أنقذ أكبر عدد من الأرواح خلال المائة عام الماضية؟ هذا سؤال مثير. وأنت إن لم تكن تعرف الإجابة فإنك ستخمنها على نحو ما.. ستفكر بأن هذا الإنسان العظيم لاشك كان طبيباً، أو عالم أحياء اكتشف دواءاً لمرض عضال فأبطل مفعوله. ربما كان صيدلياً.. وربما كان قائداً عسكرياً أيضاً! ألا يجادل البعض بأن الرئيس الأميركي (هاري ترومان) حين ضرب اليابان بالقنابل النووية فإنه قد وضع نهاية سريعة لحرب كانت ستزتنزف المزيد من الضحايا؟!
لكن الجواب الحقيقي ليس هذا ولا ذاك. فالرجل الذي تدين له معظم البشرية المعاصرة بالفضل بعد الله تعالى كان مُزارعاً.. أو مهندساً زراعياً لو شئنا الدقة. وهذه المعلومة التي طالعتنا بها وسائل الإعلام الأسبوع الماضي هي التي لأجلها كانت كل هذه المقدمة الطويلة وكل التفكير بصوت عال على مدى الـ 500 كلمة السابقة.
قبل عشرة أيام توفي (نورمان بورلوغ) العالم الأميركي الذي ينسب له الفضل في تطوير تقنيات زراعية وإطلاق ما عرف بـ (الثورة الخضراء) خلال ستينات القرن المنصرم، عبر تخليق سلالات جديدة من محاصيل القمح والذرة والأرز ذات وفرة إنتاجية عالية. تقنيات (بورلوغ) الزراعية وحدها رفعت إنتاج العالم الزراعي لأكثر من الضعف منذ 1960 وحتى الآن.. ويقدر عدد الذين استفادوا من هذه المحاصيل بنحو المليار إنسان! ألف مليون بشري يدينون لـ (بورلوغ) بعد الله بفضل إنقاذهم من الموت جوعاً.. أي عظمة هذه وأي إنجاز؟!
(بورلوغ) نفسه عاش 95 سنة حافلة بالتكريم، بما في ذلك جائزة (نوبل) للسلام عام 1970. لكن معظمنا لم يسمع به إلى أن مات.. هذا درس أول في مشكلتنا مع العظماء الحقيقيين. الدرس الثاني هو في مفاتيح العظمة والإبداع. الرجل كان زراعياً. كم هذا التخصص بعيد عن هوى مريدي كليات الطب والهندسة الباحثين عن المجد؟
مجدك أنت تصنعه بيديك. (بورلوغ) ترك ورائه مليارات أخرى من البشر يقتلها الجوع والعطش والفيضان كل سنة. كم هي أبواب العظمة والأجر متنوعة ومشرّعة بالانتظار!















22 سبتمبر, 2009 في الساعة 2:25 م
=’)
22 سبتمبر, 2009 في الساعة 4:12 م
عزيزي أشرف
مقال رائع، أشكرك عليه جزيل الشكر. كم نحن بحاجة لهذه الإضائة الجميلة لآفاق الحياة المعتمة.
شكرا لك مرة أخرى يا أشرف.
22 سبتمبر, 2009 في الساعة 5:35 م
مرحباً يا شباب..
لا تبدو الحضارة واعية لحجم خسارتها في (بورلوغ). هل أذيع أي شيء عنه في القنوات العربية؟ لست أتابعها هنا.. وعموماً كل ماذكر عنه هنا هو نبذة سريعة في تقارير الأخبار!
هل ندرك أن (بورلوغ) هو الشخص المسؤول عن إنقاذ أكبر عدد من الأرواح في تاريخ البشرية؟!
لو كان الأمر بيدي.. لأقمت له نصباً ولسميت على اسمه ميداناً وشارعاً في كل مدينة بالعالم.
وحده الله تعالى كفيل بإثابة هكذا أعمال.