المقال كما نشرته الوطن

قال لي مسؤول التحرير أن تيمة ملحق اليوم الوطني لهذه السنة ستكون عن (المستقبل). وللحق، فإن هذا الموضوع يبدو إنشائياً جداً وخطابياً أكثر مما تحتمل المناسبة الغارقة أصلاً في هذا الهمّ. كما وأن الحديث عن “المستقبل” يستدعي كل مرادفات التسويف والانتظار و “البَعدية”.. لأنه مستقبل. لأنه سـ “يأتي” يوماً.. إنما ليس اليوم. هناك من سيعمل له حتماً.. لكن ليس “أنا” بالضرورة.. فأنا مشغول بـ “الآن”. أما الغد فإنه لناظره قريب.

هذه هي الذهنية التي تحوط سياق المستقبل. لكنها ذهنية خاطئة حتماً.. وذات ثمن فادح وأليم لعلنا كلنا منهمكون في دفعه بشكل أو بآخر.

فالمستقبل حاضر وحيّ أمام ناظرنا اليوم.. إننا لسنا بحاجة لأن ننتظره، أو نسوّف في شأنه. أنت إذا كنت أباً أو ولي أمر فإن المستقبل.. مستقبل السعودية.. مستقبل البلد والشعب.. هو في “كوم اللحم” الذي تكدّ لأجله وتسعى لتوفير القوت والسعادة له كل يوم. وإن لم تكن ولي أمر أحد.. فإنك غالباً تنتمي للأكثرية الساحقة من الشعب السعودي الذين هم شباب.. ممن تقل أعمارهم عن 25 أو 30 عاماً. بكلام آخر: مبروك.. أنت هو المستقبل!

وهذه نظرة -على بداهتها- متصادمة ومتضادة مع أنماط عدة نعيش وفقها. فنحن، أولاً، مجتمع أبوي بشدّة. مجتمع يستمد قيمه وأعرافه ويحيا ضمن تسلسل تنازلي يبدأ من الأكبر والأقدم والأسنّ. أنساق تفكيرنا وقرارنا ليست متمحورة حول الشاب ولا على الصغير، بل أنها تقوم على تسخير هؤلاء لتنفيذ إرادات الكبار ورؤاهم.. لا العكس. كما أننا، ثانياً، ضليعون في الحديث عن التنمية البشرية، وعن الاستثمار في “المواطن أولاً”. لكن إلى أي حد يشعر شبابنا وفتياننا بالرضى عن ذواتهم؟ وبأنهم محور المستقبل وكم هم مهمون وذوو دور خطير في المنظومة الوطنية؟

هل يعني هذا أننا متصادمون مع المستقبل ومتنافرون معه؟ الماضوية هي على كلٍ صفة -وتهمة- رائجة ضمن الخطاب الإصلاحي السائد. هل تمثل “المستقبلية” في المقابل تهديداً للقيمة السعودية الأصيلة؟ وتهديداً لـ “الثوابت”.. ذلك الكيان الضبابي الذي ما فتئ يتشاجر عليه المتشاجرون ويختلف عليه المختلفون؟

الإجابات على هذه التساؤلات تمثل برأيي أهم معالم المرحلة القادمة من المستقبل. وهي -للسخرية- تساؤلات ظلت معلقة وعائمة في الفضاء الوطني منذ بداياته.. منذ وُجد من يحرّم “السيكل” ويندد بإنشاء مدارس البنات. والفرق أن هذه التساؤلات تزداد حساسية وحراجة كلما تطاول عليها العهد.. كما وأن فسحات الاختباء منها تزداد ضيقاً وتضمحل كلما توغلنا أكثر في المستقبل.

نحن بحاجة لأن نواجه هذا الزمن المستقبلي. ولعل المفارقة تكمن في أن مواطنينا المستقبليين –جيل الشباب- سيسحبون مجتمعنا الذي اتفقنا على أنه أبوي وتقليدي بالوراثة.. سيسحبون هذا المجتمع إلى الغد الذي يعيشون هم في تفاصيله بكل قوة. أنت إذا تحدثت مع أي رجل شارع عن “الحال”.. فإنه قد يشكو لك من الانقسام أو الفصام الذي يعيشه المجتمع. وأن “الصغار” باتوا يعيشون في كوكب آخر.. وأن المفاهيم تغيرت والأمور اختلفت.. إلى آخر هذا الموال الذي نعرفه كلنا. نعرفه ليس لأن جدي ألقاه على مسامع أبي وحسب! ولكن لأن وتيرة التغيير عندنا قد أخذت منحاً حاداً بالفعل، لدرجة أن شخصاً مثلي في العقد الثالث من عمره صار يواجه تحدياً حقيقياً في التعاطي مع من يصغره بعشر سنوات.. وتحدياً أكبر مع الجيل التالي لذلك.

هل يجدر بنا أن نتوتر ونتوقع الأسوأ؟ لا بالتأكيد. التغيير ظاهرة طبيعية لا شك أننا قاومناها لفترة طويلة. لكن التغيير مطلوب وحتمي.. بدليل أن أي واحد منا لا يفتأ يطالب بتحسين هنا وتعديل هناك وتطوير المرافق والمنشآت والبنى التحتية كي يحظى بحياة أفضل. لكن المستقبل ليس مجرد بنية تحتية باهرة وناطحات سحاب تشق عنان السماء. وليس أرصدة بنكية عامرة بالضرورة. المستقبل الموعود ليس حتى صناعة متقدمة ولا مُخترعات ولا منافسة على كأس العالم وليس جامعات ذات تصنيف (ويبوماتركس) متقدم. هذه كلها “مظاهر” الأمة القوية. المستقبل المشرق يصنعه الإنسان.. بذاته قبل إنجازه. هل نحن متساوقون مع الحاضر والمستقبل؟ هل نحن منفتحون على الحضارات وصادقون مع ذواتنا لحد يمكننا من مواجهة باقي العالم بلا أقنعة؟ هل نحن فخورون بمن نكون.. فخراً يؤهلنا لأن نقارع أي جنسية أخرى بالإنجاز الذاتي بدون الاتكاء على قصص التاريخ وأساطير الماضي؟ ما الذي ينقص كل واحد منا بالضبط.. كي تصير (السعودية) عظيمة ومتقدمة به وله؟

هذا هو السؤال. الآن وأنتم تحتفلون باليوم الوطني، فليتطلع كل واحد منكم لصورته في المرآة.. لينظر لأولاده وبناته.. للمستقبل الكامن فيهم وفيه.. وليقرر كيف سيخلق من ذلك كله مساحة لوطن أفضل؟

.

.

.

أيضاً.. مقال العام الماضي.