المقال كما نشرته الوطن

سمعت وأنا في كندا أن قناة (ناشيونال جيوغرافيك) سوف تطلق نسخة عربية. استبشرت خيراً لأن القنوات (التثقيفية) طالما كانت سيئة جداً في التعامل مع المتلقي العربي.. (ديسكفري) كانت تنشر ترجمات نصيّة لكلام الراوي. تلك الترجمات كانت حافلة بالأخطاء ليس الإملائية وحدها ولكن أخطاء في الأرقام والحقائق العلمية ذاتها. وهكذا فإن المشاهد العربي عوض أن يكتسب ثقافة عامة، كان يكتسب ثقافة عامة خاطئة.. والأولى في هذه الحالة ألا يكتسب أي ثقافة على الإطلاق!

لكن NG العربية لم تتورع عن مفاجأتنا هي الأخرى.. وأنا أقلب في القنوات توقفت عندها.. نفس المشهد المعتاد من السافانا الأفريقية: مجموعة أسود جائعة تتسلل نحو قطيع من حُمر الوحش.. لحظة تحفز ثم المطاردة الشائقة إياها والتي تكرس مبدأ البقاء للأقوى. هذا مشهد تثقيفي يكاد يكون مملاً باستثناء جزئية واحدة جديدة ومفاجئة ادخرتها لنا القناة العتيدة: فالراوي “العربي” الذي نقل لنا كل هذه الأحداث وخلفيتها “العلمية” كان يتكلم باللهجة اللبنانية.. اللبنانية جداً!

قناة (ناشيونال جيوغرافيك) العربية هذه -والحال كذلك- قناة كوميدية. وأنا لا أستهزئ باللهجة اللبنانية الحبيبة ولا بأهلها. لكني انفجرت ضحكاً مع صديقي ونحن نسمع كيف أن اللبؤة “بدّا تتسلل لخلف الأطيع لتئتنص زيبرا ضعيف أو مريض.. وهيدي هيي سنة الحياة بالسافانا الأفريئيي”!

هذا استهزاء حقيقي بالمشاهد العربي.. ليس لأننا سنقارن البرنامج “العربي” بنفس مادة NG الإنجليزية الرصينة فقط.. ولكن لأن الذي يحصل هو تسويق ممجوج.. وابتذال للهجة عربية معينة. أنا هكذا سأركز مع لكنة المذيع عوض أن أتلقى المادة العلمية بلغة فصيحة مباشرة. ثم لماذا اللهجة اللبنانية؟ لماذا لا يتكلم المذيع بلهجة المغاربة الشائعة؟ لماذا لا يتكلم بلهجة اليمن أو البحرين؟ هل فهمتم كنه “الاستهبال” الذي تسوقه علينا القناة التثقيفية؟

مسؤولو القنوات العربية، وبالذات أولئك الذين يحملون هموماً عروبية ويلهثون خلف القنوات العالمية كي يقتنصوا عقوداً حصرية “تخدم” المتلقي العربي، عليهم أن يحترموا أنفسهم ويحترمونا. يحترموا التراث العربي ويحترموا العلامة التجارية التي يسوقونها تحت المظلة العربية. إذا أردت أن أستمتع باللهجة اللبنانية فأنا سأشغل أغنية لفيروز أو مسرحية لزياد رحباني. أما أن أستمع لصوت إذاعي جذاب فرغ لتوه من تسجيل وصلة دعائية لشامبو ضد القشرة ويسمعني الآن محاضرة عن نمط الحياة الاجتماعية عند قطعان الزيبرا في السافانا الأفريقية.. بنفس النبرة واللهجة.. فهذا غلط في حقي يستلزم الاعتذار!

نحن بحاجة لمحتوى ثقافي عربي.. مرة أخرى يثبت القطاع التجاري الخاص أنه غير متفان في خدمة هذه القضية. وفي ظل انشغال القطاع الحكومي باستحقاقات (استراتيجية) أخرى نبقى نحن -المتلقين- معلقين وحائرين.. ونبقى ندور في رحى النكتة الإعلامية. بصفتي الخاصة أقترح على مسؤولي NG العربية الاستعانة بخدمات فناننا يوسف الجرّاح ليقدم للمشاهدين وصلة عن “الفيل أبو زلومة وكيف حيكسر ضلوع النمر اللي يبغى يعضّوا.. لكن على مين يا شاطر؟ هادي السافانا مو زقاق حارتكم”!!

ياللمهزلة. كل عام وأنتم بخير.