أردت أن أضمّن هذه التدوينة صورة مركّبة من لقطتين: لقطة للكعبة المشرّفة، ولقطة أخرى لـ (باريس هيلتون). لكن قلبي لم يطاوعني.. أحسست أن الصورة الناتجة ستكون فيها إهانة ما لمقام بيت الله، وأنه جمع لا يليق. سأترك لخيالكم المهمة على أية حال.. لكن يجب أن تعرفوا أن تلك الصورة المركبة كانت حاضرة في ذهني وأنا أطوف بالكعبة! وهذه لم تكن خيالات شيطانية بالضرورة.. لنعتبره تداعياً منطقياً للأفكار. فالفندق الذي أقمنا به خلال عمرتنا هذه كان –بعد كلٍ- فندق (هيلتون مكّة)، وكان من البدهي أن أسأل نفسي: كم ستكسب الأمّورة (باريس هيلتون) من زيارتي لمكّة؟ أليست سلسلة الفنادق مملوكة لوالدها في نهاية الأمر؟ ألم يشتر منه أحد حقوق الاسم التجاري بمكّة على الأقل؟ الإهانة و”قلة الأدب” المذكورة بعاليه هي إذاً واقعة لا محالة!

هذه التساؤلات  -وغيرها كثير- تتلبسك وأنت تتمشى بين ساحات الحرمين في مكّة والمدينة.. وأنت تجاهد لتضبط مزاجك على موجة الروحانية المفقودة. هل يبدو هذا الكلام تخريفاً؟ ماذا يفعل الملايين الذين يفدون للحج والزيارة كل سنة إذاً؟ أنا لا أتكلم بلسان أي من هؤلاء على كل حال. لكن بالنسبة لي شخصياً.. فإن حرمي مكّة والمدينة.. “المنطقة المركزية” بكليهما إن كنتم تعرفون التسمية.. هي بالنسبة لي البقاع حيث تتجلى حضارة رأس المال في أقوى صورها.. أكثر حتى من (مانهاتن العُليا) ومن (هونغ كونغ)!

وهذا الرأي قد لا يكون موضوعياً.. قد يكون متأثراً برواسب ثقافية وجينية ما. لكنه رأي لا يخلو من وجهة نظر. خذوا مثلاً موقفي مع فيصل.. ابني ذو الثمانية أعوام والذي لمح.. بعد فراغه من مواجهته الأولى مع الكعبة، وفيما نحن نخطو في (المول) الفاره الذي يمثل مدخل البرج المهيب المطل على ساحة بيت الله، حيث يشغل فندق (هيلتون) قرابة الثلاثين طابقاً من مبناه الشامخ.. أقول لمح فيصل شعار ماركة (سينابون) للمعجنات الحلوة؛ وطلب أن نشتري واحدة. سألته وهو يلتهم الخبزة الحلزونية إذا ما كان مندهشاً من حقيقة كونه يأكل هنا في مكّة شيئاً قد اعتاد عليه في كندا.. وتحت نفس الاسم التجاري؟ أردت أن أن أعطيه مقدمة في العولمة. لكنه هز كتفيه في لا مبالاة وسألني: وما المشكلة؟

المشكلة.. يا دام عزّكم.. هي في الهوية الثقافية للأمة.. وفي الخصوصية.. وفي العقيدة.. وفي مهبط الوحي وأرض الحرمين وكل ديباجة الألفاظ الكبيرة هذه التي استغليناها على نحو كاريكاتوري واعتباطي في كل أنحاء مملكتنا الغالية.. ثم قررنا أن ندوس عليها في أراضي الحرمين (الحقيقية). لم تعد ثمة (مكّة).. ولا (مدينة منورة).. ربما باستثناء الكعبة المشرفة والقبة الخضراء وبقيع الغرقد. وهذا كلام قد يبدو مدهشاً ومتناقضاً من شخص كتب قبل أيام بأنه مؤمن بالحداثة وبقيم التغيير وبأن الحاضر ليس ظل الماضي. لكني لا أعارض نفسي هنا ولا أنافق. أنا هنا أتمسك بكل ما قلته سابقاً ثم أضيف: مكّة غير.. والمدينة غير. والذي يكذب وينافق هو الذي يتشدق بخصوصية “بلاد الحرمين”.. ثم يحول محيط الحرمين إلى “أغلى متر مربع في العالم”!

“الأصالة” هي القيمة التي أتحدث عنها هنا. نحن أبناء مكة والمدينة طالما اعترضنا عبر عشرات السنين على ما اعتبرناه إزالة منهجية للهويات المعمارية والثقافية للمدينتين المقدستين. وسواء أكان ذلك في إطار محاربة البدعة والضلالة.. أو إطار خدمة ضيوف الرحمن.. فإن وجه المدينتين قد تم قشعه، واستبداله بطبقة رخامية باردة. المواقع التاريخية التي عرفها الناس على مدار 1400سنة كلها اختفت خلال الثلاثين عاماً الأخيرة.. واحدة وراء الأخرى بحيث فقدت الأجيال الناشئة ارتباطها بالتاريخ الذي كانت تمثله تلك المواقع بوجودها المحسوس. أكثر من ذلك، فإن مباني الحرمين ذاتها فقدت قيمتها المعمارية المركزية. في مكة بالذات تبدّى لي هذا الواقع المدهش. وأنت على مشارف مكة يستقبلك المبنى المهول لوقف (أبراج البيت).. في الماضي كانت تستقبلك منارات الحرم. عندما تطوف اليوم  فإن الوجود الحسي للكعبة ذاتها يتقزم تحت الحضور الطاغي للبرج الذي لم يكتمل بعد والذي سيصير أحد أطول مبانى العالم. في الماضي كنت تتطلع للكعبة وليس فوقها إلا السماء لتحس بالملائكة تحمل دعواتك مباشرة. اليوم يجثم مبنى الوقف ساداً الطريق بين الكعبة والسماء. وهذه قيمة شنيعة جداً تكاد تذهب بجميلة كل جهود ونفقات خدمة ضيوف الرحمن الأخرى! نفس الكلام يمكن أن يقال عن الحرم النبوي المدفون خلف حزام كثيف من القلاع الاسمنتية القبيحة.

طبعاً سيجادل غير واحد بأن هذه “القلاع” توفر مآوي لآلاف الحجاج الذين صاروا يقيمون في فنادق فاخرة على مرمى حجر من المسجدين. لن نختلف. لكن أنا سأكون “بجيحاً” وسأزعم أن هذه هي الوسيلة التي بررت الغاية. لقد تم حَلب بقرة الدين بشكل باهر لتحقيق ربح خرافي من هذه المشاريع. سأكون صفيقاً وأقول أن ذات الهدف “النبيل” كان يمكن إحرازه بشكل أفضل بكثير يراعي كل قيم الأصالة والهوية والخصوصية والروحانية التي نُسفت في سبيل ربح سريع ومضاعف.. وسيوافقني على رأيي هذا جيش من المهندسين والمعماريين والمخططين الحضريين.. والمسلمين سليمي الذوق كذلك.

كي لا أتهم بأني “أبربر” من غير أن أقترح حلولاً فسأقدم رؤيتي لمكّة العصرية. ستكون هذه مدينة حافلة بالمزارات التاريخية التي تربط الحاج والمواطن بالسيرة النبوية عياناً. ستكون مدينة واسعة الطرقات فسيحة الميادين لا تخنق سماءها الأبنية المتطاولة ولا يسمح في مركزها بوجود السيارات ولا قيادتها.. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال أن الحرم لا ينفر صيده ولا يعضد شوكه.. لكن السائقين العصبيين يلعنون كل لحظة أمهات بعضهم وأمهات الحجيج وهم يراوغون الزحام ويروعون الناس! بدلاً من أن أقيم في الهيلتون واشتري طعاماً من فروع (سينابون) و (كينتاكي) و (باسكن روبنز)، فإني سأختار خدماتي من منظومة اقتصادية إسلامية.. مطاعم وعلامات تجارية وبازارات دولية دائمة من إندونيسيا وباكستان والبوسنة والجزائر  تعكس ألوان حضاراتها وتعبر عن تنوع (الثقافة الإسلامية) التي لا أعرف ماذا تعني بالضبط؟ لأنها ليست لها بيئة جامعة.. ولا حتى في مكة. ومع ذلك فإني أسمع هذه العبارة في كل وقت.. وأسمع من يطالبني بمقاطعة المنتجات الأميركية.. في حين تحقق أسرة (هيلتون) الربح حتى من جوار بيت الله!