المقال كما نشرته الوطن.. النص باللون الأحمر لم ينشر لقيود المساحة!

.. تحاوروا حول (البيئة). وهذه قضية مسلّية يفترض أن تجمع الفرقاء على طاولة النقاش لتحقيق كل أنواع الأهداف: الأهداف الذاتية المتسقة مع الخطاب التيّاري الضيق، والأهداف العامة التي تصب في مصلحة الوطن والمواطن. كما أنها قضية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية خطيرة أيضاً، لدرجة أن أحدنا إذا ما تمادى في التفكّر في قائمة المتهمين المحتملين بمقتل (فاطمة الصعب)، أو في تحويل (جدة) إلى بؤرة التلوث التي هي اليوم.. فإنه قد يتوقف عن هذا التمادي إيثاراً للسلامة!

لكن ركوب موجة البيئة يظل مثيراً لاهتمام كل التيارات والأذواق. أولئك المرتمون في أحضان الغرب سيسعون بالضرورة لتقليد ممثلي (هوليوود) وعارضات (ميلانو) اللاتي يسكبن الدمع على اتساع ثقب الأوزون وانقراض الدببة القطبية وما سوى ذلك من قضايا (خضراء). البيئة هي سلعة رائجة في الغرب. إنها قضية سياسية تعتاش عليها أحزاب كاملة وتتشكل من ورائها حكومات. كما وأنها نشاط “بريستيجي” معتبر عند منسوبي الطبقات المخملية الذين يفاخر الواحد منهم بمقدار تبرعاته لجعل البيئة أفضل.. حتى وإن كان مضارباً في سوق النفط أو صاحب مصنع ورق!

على الطرف المقابل للطيف الحواري، فإن البيئة يفترض أن تمثل همّاً أكيداً عند الأصوليين والمتدينين، على أساس مصفوفة عريضة من النصوص الدينية المعنية بقيم النظافة والترشيد وعمارة الأرض ورعاية الأمانة المنوطة بالإنسان في حقها. الاهتمام بالبيئة هو محور عمل خيري هام جداً، وفي صميم واجب خلافة الله في الأرض، فلا يجدر أن يغيب عن أجندات التيارات التنظيمية. لكن الحال يكاد يكون كذلك. ولعلنا نرجع لمقال طليعي نشره هنا (محمد حسن علوان) في ربيع 2008 بعنوان (بحثاً عن فتوى خضراء) لنتساءل: لماذا ليست هناك خطب جمعة، حتى على مستوى الحرمين الشريفين، في الشأن البيئي؟ لماذا لا تشغل البيئة حيزاً في الخطاب الوعظي وفي الفتوى، التي تتطرق لكل شيء آخر، من تفاصيل العلاقة الزوجية إلى تفاصيل العلاقات الدولية؟

لكن المشاهد أننا، على مستوى المؤسسات والأفراد أيضاً، نتعامل مع هموم البيئية كشأن ترفي متروك لمن عنده فسحة من فراغ. وهذا وضع مؤسف ومخجل. مؤسفٌ أكثر ألا نتنبه لحساسية القضية إلا وقد استشرت فينا الأمراض من قبيل التهاب الكبد الوبائي، واستفحلت ظاهرة الأجنة المشوهة.. لا سمح الله. هذه التصورات السوداوية تولدها مطالعة التقارير الصحفية المتوالية بعد حادثة (ميدان النورس) بالذات. قبل أسابيع بثت قناة (العربية) مادة من إعداد (محمد الحسن) حول مدى تلوث شواطئ جدة. التفاصيل التي ذُكرت مثيرة للتقزز والغثيان.. ومثيرة للذهول أيضاً. في سواحل جنوب جدة تصل سماكة رواسب الملوِثات إلى 6 أمتار؛ نصفها مواد مخاطية، والثلاثة أمتار الباقية براز ومخلفات بشرية! أي حياة هذه وأي تنمية؟!

من الظلم أن نوجه نقمتنا نحو ساحل جدة القذر والمقزز وحده. هناك أيضاً هواء الرياض ذو نسبة التلوث الفائقة عالمياً، وأجواف أراضي الشرقية المفرغة من محتواها والمهددة بالخسف. والمطلوب من الجلسات البيئية المقترحة للجان الحوار الوطني، ومجلس الشورى المعيّن، والمجالس البلدية المنتخبة، ولجان الإفتاء ومؤسسات المجتمع المدني الوليدة، مطلوب منها جميعاً أن تقترح آليات للحفاظ على البيئة وتروّج لها شعبياً. بما يعود بالفائدة على المواطن في نهاية المطاف.

مثلاً، سيسعدنا أن يكون هناك مقياس حلّ وحرمانية جديد للمضاربة في أسهم الشركات. أن يتم تقييم أسهم شركات البتروكيماويات مثلاً وفقاً لالتزامها بالمعايير البيئية. ما الحكم الشرعي في امتلاك أسهم في شركة تنشر السرطان باستهتار في الأجواء المحيطة بها؟

سيسعدنا أن يؤدي ارتفاع نسب الكربون في الهواء والغازات السامة الصادرة عن عوادم السيارات إلى جهود تضغط على البلديات والأمارات لتسريع خطط تطوير مشاريع النقل العام: الباصات والمترو والقطارات بين المدن، لتقليل عدد السيارات في الشوارع والتي يلوث كل واحد منا بها الجو.

سيسعدنا أكثر أن يتحول الفكر البيئي الأخضر لسياسة حكومية ولاستراتيجية تنمية. عندها سيقل عدد القتلى بين سابحي الشواطيء الملوثة ومرتادي المتنزهات البريّة، وستنخفض الأحمال على مولدات الطاقة الكهربائية فتقل وتيرة انقطاعها، وسيقل اعتيالنا على العمالة الأجنبية المناط بها كنس شوارعنا في حمارة الظهيرة وجمع أطنان القمامة والمخلفات التي نتركها خارج أبواب بيوتنا كل ليلة في أكياس سوداء محكمة الإغلاق.. لا تلبث محتوياتها أن ترتد علينا من جديد عبر الماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه!