كي تفهم كيف يعيش الناس ويفكرون بالسعودية، عليك أن تتحلى بالقدرة على فك أكثر من شفرة وضبط أمواج  عقلك عبر أكثر من قناة معاً.. وفي النهاية فأنا لن أضمن لك أن تخرج بصورة كاملة أو فهم واضح لأي مما يجري!

كمثال.. لنتوقف عند المادة الصحفية التي نشرتها صحيفة (المدينة) اليوم تحت عنوان: (الفوزان : الزلازل آية يخوف الله بها عباده ولا دخل للطبيعة فيها). وسأنقلها بالكامل هنا:

أكد فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبارالعلماء أن الزلازل والبراكين ليست بسبب تأثيرات الطبيعة وإنما هى بقضاء الله وقدره فالله تعالى يرسلها لتوقظ الناس وتنبههم ليتوبوا ويعودوا إلى الله تعالى .وقال رداً على سؤال حول أسباب حدوث الزلازل وهل للطبيعة تأثير فيها ،، ليس هناك شيء بسبب الطبيعة وهذا قول الملاحدة ، كل شيء فهو بقضاء الله وقدره وكل شيء يجري فهو لحكمة من الله جل وعلا ، والزلازل إنما يقدرها الله جل وعلا لأجل تخويف عباده وتذكيرهم ليتوبوا إلى ربهم عزوجل ، لأن الله جل وعلا هو الذى “يمسك السماوات والأرض أن تزولا” ، السماوات والأرض يمسكها الله جل وعلا وإذا شاء حركّها سبحانه وتعالى ، ليوقظ عباده وينبههم.

المقطع القصير أعلاه تعمدت أن أسميهمادةلأنك ستحتار كيف ستصنفه. هل هو خبر؟ أو تقرير؟ هل هو ينقد موقف الشيخ الفوزان؟ أو فقط يوصله للقارئ؟ ولفائدة ماذا؟ لماذا يستهل الكاتب مادته بكلمةأكّد؟ هل يقصد أن الشيخ الفوزان قد حلف على المصحف مثلاً؟ هل نفى الشيخ حركة صفائح القشرة الأرضية؟ وتعدد الطبقات؟ ووجود اللافا؟ إنك لا تسطيع أن تجزم بأي شيء من خلال هذه المادة المتهالكة، لكن تلك هيالقناعاتالتي سيخرج بها القارئ المؤدلج من هكذا طرح مبتسر. كما أنه طرح سيرسخ من هاجس المؤامرة الذي يعيشه مريدو الشيخ الفوزان من منسوبي تياره. وأنت إذا كنت مُتنوراً إعلامياً فإنك ستلاحظ خروقاً شنيعة في احترافية عرض المادة أعلاه. ستلاحظ أنها مبتسرة، أومقطوشةوكأن كاتبها قد رماها في وجهك ثم أطلق ساقيه للريح بدون أن يكمل مهمته. في الحقيقية فإني أعتبر هذه المادة مثالاً لـالدناوةالصحفية.محاولة مبتذلة أخرى للتعريض برموز المؤسسة الدينية التقليدية بالمملكة.

وأحب أن أوضح هنا بأني مؤمن جداً بأن المؤسسة الدينية عندنا ليست فوق النقد. والشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- بالذات مشهور بـالعكّوالتصريحات المدهشة. لكنك قبل أن تتصدى لأي من آرائه -إن لم تعجبك- فعليك أن تتذكر بأنه عضو هيئة كبار علماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، ودكتور في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وأنت بمواجهتك للشيخ إنما تواجه كل من تلك الكيانات المؤسساتية الكبرى بكل ما تمثله من ثقل شعبي وسياسي أيضاً. غالباً فلهذا لجأ محرر المادة أعلاه -ومعظم من يقرر أن يسير على خطاه- لأسلوباضرب واهربهذا. فكتب مادة عائمة.. ظاهرها تقريري إخباري.. وباطنها تعريضي انتقاصي.. وافهم يا فهيم!

لكن الحياة لا يصح أن تستمر هكذا.. زائر السعودية والمقيم بها سيضيع في زحمة التلميح واللمز والإشارة من كل طرف خفي التي تحكم كل جوانب الاتصال بين الناس.

لوهلة يبدو أسلوب المحرر الصحفي مفهوماً ومبرراً. فهو لا يريد المشاكل، ولا يريد أن يُحشر في خندق واحد مع كتّاب (الوطن) الذين “عليهم من الله ما يستحقون”! لكنه وعلى صعيد آخر لم يستطع أن يقاوم إغراء نشر هذا الكلام والهَبَلالكامن في ثنايا الصياغة. بالرغم من أنه كان يمكنه أن يتوسع في الطرح؛ أن يقابل الشيخ الفوزان مثلاً ويستفسر منه عن تفاصيلاللغطالذي تثيره ثمة تصريحات. كان يمكن للكاتب أن يخطو خطوة زيادة ويحلل الخطاب العقلي السعودي.. فيذكر مثلاً أن الشيخ الفوزان ربما لم يقصد أن يرفض التفسير العلمي للزلازل، لكنه كان مدفوعاً في رده على السائل بالتصدي لدعاة المنهج العلمي البحت، النافي لوجود الله أساساً، والمعلق لكل ظواهر الكون برقبةأمّنا الطبيعة – Mother Nature”.. كان يمكن للكاتب أن يشير لهذه النقطة ثم يذكر أن الشيخ الفوزان قد خانته لغته وتعبيره، أو أنه يفتقر أساساً للذخيرة اللغوية والمعرفية التي تمكنه من الخوض في ثمة مسائل وتبيان ثمة رأي.. وربما وسع الكاتب أن يضيف أنه من المؤسف حقاً أن ينتسب لكل تلك الكيانات المؤسساتية الحيوية بالسعودية من يفتقدون هذه القدرات والملكات الحاسمة.. إلخ. لكن محرر (المدينة) لم يفعل. إنه قدقرطسمادته الصحفية الملغمة بالقراءات وألقاها في وجوهنا في حنكة و”دهاءكما يحسب.. وهي في الواقع ليست أكثر من دناوة صحفية وضربة أخرى تحت الحزام.. في إطار المعركة الدائرة بكليّتها في تلك المنطقة بين كل الأطراف.

لكن.. ولنكون منصفين.. فإن الملامة الكبرى لا تقع هنا على محرر (المدينة) الصحفي، ولا حتى على فضيلة الشيخ صالح الفوزان. الملام الأكبر في هذه المسألة برمتها هو حضرة الأخ المواطن الذي سأل السؤال.. الذي توجه لعضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء بسؤال حول أسباب حدوث الزلازل ودور الطبيعة فيها.. كما يقول محرر (المدينة). هذا السائل هو الأهبل الحقيقي، وهو محور الإشكالية الحقيقي. إنه هو وأمثاله الذين يتعمدون إحراج المشايخ بأسئلة ليست لها أي علاقة بصميم تخصصهم.. ثم يصبون جام غضبهم على الجرائد وعلى الكتّاب إذا ما اقتنصوا العجائب التي سيأتي بها المشايخ إذ يتكلمون في غير فنهم.. بينما يجب أن يعاقب من يسأل أسئلة غبية كهذه.. غبية في بنيتها.. وفي توجيهها: “يا شيخ أنا عندي كامري تطلّع صو ت غريب لمن أعشّق على الثالث فما رأيكم؟” هذا هو لسان الحال!

إن هذا المواطن.. هو ومن شاكله من الأخوة والأخوات.. سيقف ببراءة في دور المتفرج على المشهد، أو المعلق الغاضب الذي لم يعجبه السيناريو ولا الحوار، ولم يرق له النهج، في حين أنه هو المحرض الأول لكل هذا الهراء. إنه هو الذي افتعله وحرض أطرافه.. ثم وقف يتأمل “العَركة” في غير رضى. هذا المواطن المدهش هو التحدي الأكبر الذي سيواجه محاولات الزائر القادم إلينا كي يفهمنا.