السبت, 25 يوليو, 2009دليل الزائر لفهم السعودية
كي تفهم كيف يعيش الناس ويفكرون بالسعودية، عليك أن تتحلى بالقدرة على فك أكثر من شفرة وضبط أمواج عقلك عبر أكثر من قناة معاً.. وفي النهاية فأنا لن أضمن لك أن تخرج بصورة كاملة أو فهم واضح لأي مما يجري!
كمثال.. لنتوقف عند المادة الصحفية التي نشرتها صحيفة (المدينة) اليوم تحت عنوان: (الفوزان : الزلازل آية يخوف الله بها عباده ولا دخل للطبيعة فيها). وسأنقلها بالكامل هنا:
أكد فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان عضو اللجنة الدائمة للإفتاء وعضو هيئة كبارالعلماء أن الزلازل والبراكين ليست بسبب تأثيرات الطبيعة وإنما هى بقضاء الله وقدره فالله تعالى يرسلها لتوقظ الناس وتنبههم ليتوبوا ويعودوا إلى الله تعالى .وقال رداً على سؤال حول أسباب حدوث الزلازل وهل للطبيعة تأثير فيها ،، ليس هناك شيء بسبب الطبيعة وهذا قول الملاحدة ، كل شيء فهو بقضاء الله وقدره وكل شيء يجري فهو لحكمة من الله جل وعلا ، والزلازل إنما يقدرها الله جل وعلا لأجل تخويف عباده وتذكيرهم ليتوبوا إلى ربهم عزوجل ، لأن الله جل وعلا هو الذى “يمسك السماوات والأرض أن تزولا” ، السماوات والأرض يمسكها الله جل وعلا وإذا شاء حركّها سبحانه وتعالى ، ليوقظ عباده وينبههم.
المقطع القصير أعلاه تعمدت أن أسميه “مادة” لأنك ستحتار كيف ستصنفه. هل هو خبر؟ أو تقرير؟ هل هو ينقد موقف الشيخ الفوزان؟ أو فقط يوصله للقارئ؟ ولفائدة ماذا؟ لماذا يستهل الكاتب مادته بكلمة “أكّد“؟ هل يقصد أن الشيخ الفوزان قد حلف على المصحف مثلاً؟ هل نفى الشيخ حركة صفائح القشرة الأرضية؟ وتعدد الطبقات؟ ووجود اللافا؟ إنك لا تسطيع أن تجزم بأي شيء من خلال هذه المادة المتهالكة، لكن تلك هي “القناعات” التي سيخرج بها القارئ المؤدلج من هكذا طرح مبتسر. كما أنه طرح سيرسخ من هاجس المؤامرة الذي يعيشه مريدو الشيخ الفوزان من منسوبي تياره. وأنت إذا كنت مُتنوراً إعلامياً فإنك ستلاحظ خروقاً شنيعة في احترافية عرض المادة أعلاه. ستلاحظ أنها مبتسرة، أو “مقطوشة” وكأن كاتبها قد رماها في وجهك ثم أطلق ساقيه للريح بدون أن يكمل مهمته. في الحقيقية فإني أعتبر هذه المادة مثالاً لـ “الدناوة” الصحفية.محاولة مبتذلة أخرى للتعريض برموز المؤسسة الدينية التقليدية بالمملكة.
وأحب أن أوضح هنا بأني مؤمن جداً بأن المؤسسة الدينية عندنا ليست فوق النقد. والشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- بالذات مشهور بـ “العكّ” والتصريحات المدهشة. لكنك قبل أن تتصدى لأي من آرائه -إن لم تعجبك- فعليك أن تتذكر بأنه عضو هيئة كبار علماء، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، ودكتور في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وأنت بمواجهتك للشيخ إنما تواجه كل من تلك الكيانات المؤسساتية الكبرى بكل ما تمثله من ثقل شعبي وسياسي أيضاً. غالباً فلهذا لجأ محرر المادة أعلاه -ومعظم من يقرر أن يسير على خطاه- لأسلوب “اضرب واهرب” هذا. فكتب مادة عائمة.. ظاهرها تقريري إخباري.. وباطنها تعريضي انتقاصي.. وافهم يا فهيم!
لكن الحياة لا يصح أن تستمر هكذا.. زائر السعودية والمقيم بها سيضيع في زحمة التلميح واللمز والإشارة من كل طرف خفي التي تحكم كل جوانب الاتصال بين الناس.
لوهلة يبدو أسلوب المحرر الصحفي مفهوماً ومبرراً. فهو لا يريد المشاكل، ولا يريد أن يُحشر في خندق واحد مع كتّاب (الوطن) الذين “عليهم من الله ما يستحقون”! لكنه وعلى صعيد آخر لم يستطع أن يقاوم إغراء نشر هذا الكلام و“الهَبَل” الكامن في ثنايا الصياغة. بالرغم من أنه كان يمكنه أن يتوسع في الطرح؛ أن يقابل الشيخ الفوزان مثلاً ويستفسر منه عن تفاصيل “اللغط” الذي تثيره ثمة تصريحات. كان يمكن للكاتب أن يخطو خطوة زيادة ويحلل الخطاب العقلي السعودي.. فيذكر مثلاً أن الشيخ الفوزان ربما لم يقصد أن يرفض التفسير العلمي للزلازل، لكنه كان مدفوعاً في رده على السائل بالتصدي لدعاة المنهج العلمي البحت، النافي لوجود الله أساساً، والمعلق لكل ظواهر الكون برقبة “أمّنا الطبيعة – Mother Nature”.. كان يمكن للكاتب أن يشير لهذه النقطة ثم يذكر أن الشيخ الفوزان قد خانته لغته وتعبيره، أو أنه يفتقر أساساً للذخيرة اللغوية والمعرفية التي تمكنه من الخوض في ثمة مسائل وتبيان ثمة رأي.. وربما وسع الكاتب أن يضيف أنه من المؤسف حقاً أن ينتسب لكل تلك الكيانات المؤسساتية الحيوية بالسعودية من يفتقدون هذه القدرات والملكات الحاسمة.. إلخ. لكن محرر (المدينة) لم يفعل. إنه قد “قرطس” مادته الصحفية الملغمة بالقراءات وألقاها في وجوهنا في حنكة و”دهاء” كما يحسب.. وهي في الواقع ليست أكثر من دناوة صحفية وضربة أخرى تحت الحزام.. في إطار المعركة الدائرة بكليّتها في تلك المنطقة بين كل الأطراف.
لكن.. ولنكون منصفين.. فإن الملامة الكبرى لا تقع هنا على محرر (المدينة) الصحفي، ولا حتى على فضيلة الشيخ صالح الفوزان. الملام الأكبر في هذه المسألة برمتها هو حضرة الأخ المواطن الذي سأل السؤال.. الذي توجه لعضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء بسؤال حول أسباب حدوث الزلازل ودور الطبيعة فيها.. كما يقول محرر (المدينة). هذا السائل هو الأهبل الحقيقي، وهو محور الإشكالية الحقيقي. إنه هو وأمثاله الذين يتعمدون إحراج المشايخ بأسئلة ليست لها أي علاقة بصميم تخصصهم.. ثم يصبون جام غضبهم على الجرائد وعلى الكتّاب إذا ما اقتنصوا العجائب التي سيأتي بها المشايخ إذ يتكلمون في غير فنهم.. بينما يجب أن يعاقب من يسأل أسئلة غبية كهذه.. غبية في بنيتها.. وفي توجيهها: “يا شيخ أنا عندي كامري تطلّع صو ت غريب لمن أعشّق على الثالث فما رأيكم؟” هذا هو لسان الحال!
إن هذا المواطن.. هو ومن شاكله من الأخوة والأخوات.. سيقف ببراءة في دور المتفرج على المشهد، أو المعلق الغاضب الذي لم يعجبه السيناريو ولا الحوار، ولم يرق له النهج، في حين أنه هو المحرض الأول لكل هذا الهراء. إنه هو الذي افتعله وحرض أطرافه.. ثم وقف يتأمل “العَركة” في غير رضى. هذا المواطن المدهش هو التحدي الأكبر الذي سيواجه محاولات الزائر القادم إلينا كي يفهمنا.














25 يوليو, 2009 في الساعة 3:24 م
جميل يادكتور اشرف ..واضحكتنى على الكلمات التى استخدمتها للحديث حول الموضوع ….استهبال السائل موجود حتى هنا فى بلادى (ليبيا) وهو مرض عربى مزمن …عندما استمع الى برنامج الافتاء فى التلفزيون الليبى اندهش من مدى سخف الاسئلة البديهة ..والتى لا يتطلب طرحها على عالم دين ، والله هذه المرة ..لا بل فى كل مرة تبدع …رائع ايها المميز …مازالت قارئتك المواظبة …حتى لو لم ارسل تعليق فيكون بسبب وجودى فى منطقة لا تتوفر فيها خط النت الا بشكل ردىء اعجز عن ارسال تعليق ….متعك الله بالعافية ، ووفقك الله فى دراستك …
26 يوليو, 2009 في الساعة 5:08 ص
بارك الله فيك اخي اشرف
رائعة جديدة منك اخي الحبيب
26 يوليو, 2009 في الساعة 6:54 م
استذكاء بعض الصحافيين غريب ومريب!
شكرا لاقتناصك ذلك بذكاء.
26 يوليو, 2009 في الساعة 11:14 م
اقتناصه رائعة يا أشرف. فعلاً لم أتعود لأنظر لمواد صحفية مثل هذه من الزاوية التي نظرت لها أنت لهبالة الصحفي و استهبال السائل
27 يوليو, 2009 في الساعة 9:26 ص
تدوينة ذكية.
لكن استغربت من الفقرة التالية: “كان يمكن للكاتب أن يخطو خطوة زيادة ويحلل الخطاب العقلي السعودي.. فيذكر مثلاً أن الشيخ الفوزان ربما لم يقصد أن يرفض التفسير العلمي للزلازل،…. لكل ظواهر الكون برقبة “أمّنا الطبيعة – Mother Nature”.. كان يمكن للكاتب أن يشير لهذه النقطة ثم يذكر أن الشيخ الفوزان قد خانته لغته وتعبيره، أو أنه يفتقر أساساً للذخيرة اللغوية والمعرفية التي تمكنه من الخوض في ثمة مسائل وتبيان ثمة رأي.. وربما وسع الكاتب أن يضيف أنه من المؤسف حقاً أن ينتسب لكل تلك الكيانات المؤسساتية الحيوية بالسعودية من يفتقدون هذه القدرات والملكات الحاسمة.. إلخ. ”
إن كان النص الذي ورد في الصحيفة جزء من مادة صحفية و ليس مقال رأي فأعتقد أن ما اقترحته أيضا يخرج عن تصنيف المادة الصحفية…نحن لا نريد صحافة رأي حتى لو اتفق هذا الرأي مع رأينا الذي نراه صوابا لا يقبل الخطأ!! أنا كقارئة لا أنتظر من كاتب مقال صحفي أن يوجهني لأي اتجاه يراه هو الأصح من وجهة نظره مهما اتفقت مع ذلك الرأي…أنا التي أقرر ما الصحيح و ما الصواب بناءا على ثقافتي ورأيي وحدي فقط…. المادة الصحفية ليس مهمتها تلقيننا الخطأ و الصواب مهمتها عرض الجوانب المحتلفة للقضية موضوع الطرح و ترك القرار بيد القارئ. و إلا سنكون مثل اللي طاحوا من العتبة للدحديرة
عذرا على الإطالة …. و شكرا على المدونة الجميلة.
27 يوليو, 2009 في الساعة 9:28 ص
تصحيح:
ما قصدته هو :
أنا كقارئة لا أنتظر من محرر المادة الصحفية أن يوجهني ”
و ليس
“من كاتب مقال صحفي”
27 يوليو, 2009 في الساعة 10:10 ص
مرحباً يأ Entropy. كلامك مفهوم وأوافق عليه 100%.. وما أقترحته أنا أعلاه هو محاولة للخروج بـ “المادة” الصحفية تلك من أزمة الهوية التي هي فيها. بالإضافة لمحاولة حشر شيء من رأيي الشخصي كـ كاتب رأي
أرجو أن تعودي لبوست سابق هنا بعنوان (تأملات في الحالة الصحفية).
28 يوليو, 2009 في الساعة 11:20 ص
عدت للمقالين 1 و 2 ماشاءالله كفيت ووفيت.
لكن أنا أتفق معك فييما ذكرته هنا في هذه التدوينة عن “الأهبل الحقيقي”
كنت في تدوينة سابقة لي بعنوان
أزمة إعلام أم أزمة مجتمع http://entropymax.wordpress.com/2007/04/16/media-society/
تطرقت لهذا الجانب وتساءلت تقريبا عن شيء مشابه هل إعلامنا “أهبل” لأن الإعلام ما هو إلا انعكاس لحالة للمجتمع أم ماذا و كان هناك نقاش جميل في التعليقات .
29 يوليو, 2009 في الساعة 8:52 ص
صدقت أخي هناك بعض الصحافيين من يكتب خبر لمجرد الإثارة و يكسب الشهرة لكتابته خبر
ما و لو كان تافه و غبي كما أن اللوم يقع أيضاً على ادارة التحرير التي تسمح بمثل هكذا أمور فكمدير للتحرير
يجب أن امنع بعض الأخبار أو الأطروحات التي أشعر انها لا تحترم عقل القاريء حتى لو أعجبني الخبر أو المقال
حفاظاً على أسس المهنية الصحفية و رغم ندرة مدراء هكذا يمشون على الأصول الصحفية
و هم على فكرة قليل في العالم العربي
29 يوليو, 2009 في الساعة 1:57 م
أهلاً نوفة،
أعتقد أننا ركزنا هنا على الصحفي ونسينا غلطة الشيخ الفوزان. مشايخنا يجب أن يعوا حجم الضوء الإعلامي المسلط عليهم.. والدور السياسي الذي تلعبه تصريحاتهم وفتاواهم شاؤوا أم أبوا. نتذكر مثلاً ما صرح به الشيخ اللحيدان عن ملاك القنوات الفضائية.. وكلام الشيخ المنجد عن الرسوم المتحركة. هذه التصريحات كلها لها استنادات شرعية وفكرية معينة ويمكن تبريرها مع كثير من الشرح والتوضيح. لكن العالم ليس مستعداً لسماع الشرح.. إنه سيطير بعجة الخبر. والمؤسف أن كثيراً من مشايخنا ليسوا على مستوى الحدث ولا المرحلة. إنهم غير قادرون على استشعار المسؤولية “العالمية” الملقاة على عواتقهم. أعتقد أن الخطاب الديني بأسره بحاجة إلى “إعادة خراطة”.. لأننا -بالتأكيد- نسعى لرضى الآخرين ونسترجي قبولهم..أليست هذه هي روح الدعوة إلى الله؟
في الأخير أكرر.. أخونا المواطن السائل هو السبب!
7 أغسطس, 2009 في الساعة 3:40 ص
عندما تستمع لإذاعة القرآن الكريم برامج الفتاوى ، تلاحظ أن بعض الأسئلة مفخخة ، صياغة السؤال الغرض منها الحصول على فتوى حسب الطلب ، أنا لا أدري لماذا يجيب المشايخ عن كل الأسئلة ، الأسئلة اللي فيها استهبال لا تجب عليها اضغط ignore
7 سبتمبر, 2009 في الساعة 3:58 ص
[...] المصدر: جريدة المدينة, عن طريق مدونة أشرف إحسان فقيه. [...]