المقال كما نشرته الوطن

لا شك بأن تصريحات معالي مدير جامعة جازان الأخيرة ستثير ضجة عظيمة وجدلاً واسعاً. معاليه نُقل عنه الأحد في معرض تبريره لخلو مخططات جامعته الناشئة من كليات العلوم الدينية قوله: أن سوق العمل مشبع بخريجي الشريعة وأصول الدين.. وأن المزيد من هؤلاء سيضيفون لقطاع البطالة في البلد، وجامعته لا تريد أن تفاقم هذه المشكلة بل أن تقاومها بإمداد السوق بخريجي التخصصات الأخرى المطلوبة.
غني عن القول بأن هذا الكلام سوف لن يتلقاه رجل الشارع كما هو، بل أنه سيقلّبه ويفكّكه ويعيد تركيبه ليصل لجوهر “المؤامرة” المخبأ في داخله! فالناس عندنا تتعاطف وتتحمس مع كل ما يحمل وصف “شرعي” على نحو تلقائي وساذج أحياناً –لنتذكر قنوات الرقية الشرعية!!-.. كما وأن هناك جهات تيارية معتبرة سوف لن تفوت الفرصة لتذكرنا بمعركة صراعها مع تيارات الضدّ.. أياً كانت.
لكن تصريحات معالي الدكتور (محمد آل هيازع) تحتاج وقفة تأمل حقيقية. صحيح أن الرجل حرّ في التخطيط بما يضمن لجامعته الناشئة أن تتميز أكاديمياً وتخدم مجتمع منطقتها على النحو الأمثل. ومخططات الجامعات الأخرى حافلة هي الأخرى بأقسام الشريعة. لكن هل يصح أيضاً أن تخضع جودة مخرجات الكليات الشرعية هي الأخرى لمعايير سوق العمل؟ بمعنى.. أليس من المدهش أن يكون منتهى غاية دارس الشريعة –على عظم مهمته- وظيفة يسد بها رمقه، ويتحصل من ورائها على راتب شهري؟!
هذه التساؤلات ليست مرتهنة مباشرة بتصريحات معالي المدير أعلاه. ولكنها موجهة نحو نظرتنا الكليّة الخاصة بـ (العلم الشرعي). وبدور العالم الشرعي في المجتمع. الذي –يفترض- أن يقابله دور المفكر والفيلسوف والمجدد الاجتماعي في الغرب. وهذه مسميات طالما بادلها الشرعي الإسلامي العداء على مرّ التاريخ.. على أساس أنها متنافرة ومتضادة مع مسلّماته.. وعلى أساس أنه يمتلك مفاتيح البديل الأفضل. لكننا في هذا الزمان بالذات نجد أن العالم الشرعي هو دون المطلوب تأهيلاً ودراية. أنه أسير رأي السلف وغير قادر على مواجهة الأسئلة الحديثة الكبرى ولا طرح مشاريع فكرية وتنظيرية تليق بتحديات العقل المسلم في هذا القرن الحادي والعشرين. خارج نطاق الفُتيا التقليدي والمحصور بضوابط مدرسة شرعية وحيدة، فإن عالِمنا الشرعي ليس يفرض اسمه على الساحة العامة، ولا الساحة العالمية، إذا ما جاء ذكر “الفكر” و “التنظير” كممارسات حضارية مطلوبة وملحّة. وتجد عالمنا الشرعي أيضاً دون مستوى التأهيل وحائراً أمام مستشكلات الاقتصاد والطب وسواها من ضروب الحياة.. حتى وهو يستعين برأي الأطباء والاقتصاديين. هذه مشاهدات يومية لا تتطلب غوصاً في منشورات لجان الإفتاء ومؤتمراته.
إذا كان الحال كذلك، فلعل عكس ما صرح به الدكتور آل هيازع هو المطلوب. لعلنا محتاجون لنمط جديد تماماً من الأكاديميات الشرعية التي تكرس لخط جديد ونوعي من فهم الشريعة .. وتخلق بيئة أكاديمية يبدع فيها الدارسون ويعيشون مشاريعهم الشرعية العلمية كمحترفين حقيقيين.. عوض أن “ينزلوا لسوق العمل” محملين بورقة مثل أي خريج آخر.. أليس هذا هو الأليق بالتخصصات الإنسانية الرفيعة، والتي يشكل فهم الشريعة ذروة سنامها؟
وعلى كلٍ، ففي المملكة يتوجه خريجوا الدراسات الاسلامية تلقائياً لقطاعات التعليم وللمساجد والقضاء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه كلها قطاعات عليها ما عليها. وتطالعنا يومياً تصاريح مسؤوليها ووزرائها ذاتهم وهم يقرون بحاجة أجهتهم للتطوير، وافتقارها للكفاءات المؤهلة، وشروعها في إطلاق عمليات إعادة هيكلة واستراتيجيات جديدة. كيف نجمع بين هذا الواقع وبين بطالة قطاع الدراسات الشرعية في سوق العمل؟
بالفعل.. تصريحات مدير جامعة جازان بحاجة للكثير من التأمل وللقراءة والفهم.