كما لاحظتَ، فإن السؤال لا يوحي بدعوة مفتوحة، لكن صياغته أقرب للاستنكار. أو أنها فخّ للإيقاع برأيك.. ربما محاولة لتسوّل موافقتك. وكأن هذه الوجهة -القدس- موبوءة أو مشبوهة!
بطبيعة الحال، فأنت ستؤكد أنك تحلم بزيارة فلسطين كلها. ستحلف لي بأنك تتحرق شوقاً للصلاة في أولى القبلتين وثالث الحرمين.. وستدعو الله أمامي لأن يطهر مسرى نبيه من رجس اليهود الغاصبين.. كي يتسنى لك تحقيق أمنيتك الغالية. سنتفق مجدداً إذاً على أن الاحتلال الإسرائيلي هو العقبة التي تمنعك من ممارسة هذا الحق المكفول لك ربانياً كإنسان عربي مسلم. والسؤال الذي سنتوقف عنده هو: لماذا؟ لماذا تتوقف زيارتك للقدس وصلاتك في الأقصى على شرط زوال الاحتلال الإسرائيلي؟!

وقبل أن أستطرد فلعله من المفهوم أن كلامي هنا تنظيري بحت. أنا لن أزور إسرائيل بشكل نظامي حتى لو أردت. حكومة بلدي لن تسمح لي بذلك ولن تغفر لي فعلتي لو وقعت! والحكومة الإسرائيلية لن تمنحني تأشيرة دخول ولو كنت يهودياً أباً عن جد.. لأني سعودي.. وكفى. أنا هنا سـ “أفترض” أنه يسعني السفر إلى إسرائيل/فلسطين المحتلة، وأن هناك شكليات سياسية وأخلاقية -لنسمها مبادئ- تجعلني “أختار” ألا أفعل.. كما هو الحال مع المصريين والأردنيين وسواهم من العرب الذين ترتبط دولهم بعلاقات ما مع إسرائيل لكنهم يقاطعونها شخصياً ليثبتوا وجهة نظر.. ووجهة النظر هذه هي ما نحاول أن نفهمه هنا.

لماذا يرفض شيخ الأزهر أن يزور القدس بإذن من سلطات الاحتلال؟ لماذا يرفض المثقفون المصريون أن يحيي (دانيال بارنبويم) ليلة أوبيرالية بالقاهرة؟ لوهلة تبدو كل هذه التساؤلات ساذجة واعتباطية. فإسرائيل -كما يعرف الكل- هي كيان محتل مغتصب ملعون ابن ستين كلب. المجازر التي يرتكبها الصهاينة هي الأسوأ في التاريخ البشري. ناهيك عن الأجيال التي شردت وهجرت على مدار سبعين سنة كاملة. إسرائيل هي عدوتنا الأزلية. وحتى السلام الموعود معها ما هو إلا سراب. القدس ستظل عربية أبية.. وأنا لن “أركع” ولن “أطبّع”.. هكذا ستكون ردة الفعل الأولى لأي مواطن عربي يحترم نفسه.

لكن.. ومع تقديري لكل الأخوة في العروبة والإسلام.. فالحقيقة الواضحة هي أن إسرائيل “ما درت عنكم” كما في التعبير العامي. نحن العرب لن نعترف باحتلال إسرائيل للقدس ولن نرضى عنه.. جميل. لكن الخبر السيئ هو أن القدس محتلة فعلاً.. ومنذ ١٩٦٧. وهذا موقف في قمة “الهبل” والجنون. أن نصر على تجاهل الواقع.. دون أن نجرؤ على تغييره لمدة ٣٢ سنة. نرفض أن نرى الحقيقة وهي ماثلة أمام أعيننا بدون أن نحرك ساكناً. بل أننا بموقفنا “البرزخي” من هذه المسألة نضر أنفسنا في المقام الأول. كيف تسألون؟ أنا سأخبركم.

فبالنسبة لمن يعيشون في السعودية والخليج مثلاً.. تلك الدول البعيدة عن خط المواجهة، فإن إسرائيل هي كيان ضبابي شبحي ليس هناك تماس مباشر معه.. اللهم إلا من خلال عناوين الأخبار وملايين الفلسطينيين الذين تم التصالح مع وضعهم “الطبيعي” كمشردين على مر الأجيال! وعلى النقيض من ذلك، فإن (القدس) و(الأقصى) هي في صميم الوعي الجمعي ولغة الشارع بحكم الخطاب الديني المتنفذ وبحكم السياسة الإعلامية المعلنة. وهذا وضع في قمة الشقلبة. لأن الأجيال باتت تموت وتحيا على “وهم” التحرير والعودة الذي سيتحقق يوماً ما.. لكن ليس اليوم بالتأكيد. القدس وهم والأقصى حلم. لكن (إسرائيل) بكل ضبابيتها وشبحيتها وغيبية التعاطي معها هي الواقع القائم. إنها الدولة الموجودة والنافذة والقوية في المنطقة. وهي تتوسع وتنكمش وتستقبل المهاجرين وتنكل بالعرب بدون أن تعنيها دعواتنا الغاضبة ولا نفسياتنا الناقمة عليها. غني عن القول أن هذا الوضع في دول الخليج هو أفضل بكثير منه في أطراف العالم العربي التي تحس بالكاد بالمعاناة الفلسطينية ولا تبدو لها إسرائيل على كل ذاك القدر من القبح.

خلال سبعين عاماً هي عمر “الكيان الصهيوني” فإن العرب قد اتخذوا قراراً استراتيجياً بمقاطعة هذا الكيان نهائياً. لا تبادل تجاري ولا علمي ولا تمثيل دبلوماسي ولا رحلات سياحية حتى. هذا القرار وإن كانت له مبررات شرعية عدة.. وبالرغم من اختراقه مرات هنا وهناك. إلا أنه لا يبدو مؤثراً في نمو دولة إسرائيل ولا ازدهارها. بل إن المقاطعة العربية قد أثبتت أنها أفضل وضع مكّن إسرائيل من الاستفراد بأصحاب الأرض الأصليين وتطبيق خطط اسئصالهم وعزلهم وتفريغ الخارطة منهم. في ظل المقاطعة العربية الأبية فإن إسرائيل قد غدت بمثابة سجن كبير وثقب أسود لا يعنينا ما يحصل داخله ولا يسعنا التدخل به.  وهذا آخر ما يخدم مصالح العرب.. لكنهم ماضون قدماً في تنفيذه!

ماذا لو قرر العرب أن يقلبوا الطاولة في وجه إسرائيل؟ أن يتدفقوا على سواحل غزة لغرض السياحة والاستثمار.. وأكثر من ذلك أن يتدفقوا على القدس ذاتها؟ أن يشحذوا موافقة الإسرائليين وينتظروا بالطوابير لساعات عند السفارة الإسرائيلية.. كما يفعلون يومياً أمام سفرات كندا وأميركا وفرنسا. أن يتعرضوا لـ “البهدلة” في مطارات إسرائيل وعند المعابر البرية؟ ماذا في ذلك؟ إسأل أي عربي شهم في الشارع إن كان مستعداً ليموت في سبيل القدس، وسيحلف لك بشرف أبيه أنه سيفعل*. أنا لا أريد أن يموت أحد هنا.. فقط أطالب بأن نعاني مقابل مكاسب ثمينة بعيدة المدى.

مكاسب مثل ماذا؟ حسن.. سأصوغ معطياتي في قالب شرعي كي أكسب مساحة مناورة أوسع: عندك مثلاً الصلاة في المسجد الأقصى. هذه شعيرة عظيمة معطلة بالنسبة لنا منذ العام ١٩٦٧. الصلاة في الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في سواه. وفي سنن أبي داود يطالعك الحديث : (منْ أَهَلَّ بِحَجَّة أوْ عُمْرَة من المسجد الأقصى إِلى المسجد الحرام غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر). هذه قضية في قمة الخطورة إذاً لكنها معطلة بفعل قرار سياسي.. عجيب!
عندك أيضاً أبواب لا نهائية لعمل الخير والتواصل مع باقي أعضاء جسد الأمة. فبفعل المقاطعة العربية -وليس الحصار الإسرائيلي- فإن الفلسطينيين في داخل فلسطين قد حرموا من تبادل الخبرات والتواصل مع بقية العرب.  لو كنت طبيباً عربياً أو معلماً أو مقاولاً حتى، فإنك كان يمكنك أن تتقرب إلى الله بالتطوع خلال الصيف مثلاً لتعمل مجاناً في الأراضي المحتلة وتنفع إخوتك في العروبة والإسلام. لو كنت هاوياً للسفر والسياحة فإنك كنت ستضخ أموالك لتدعم أصحاب الأعمال الفلسطينيين -وليس اليهود-. صحيح أنك ستدعم الاقتصاد الإسرائيلي في نهاية الأمر.. لكن هذا ثمن ستدفعه كي يترزق من ورائك صاحب الفندق الفلسطيني ووكالة السفر والدليل الذي سيلتقط لك صورة مشابهة لتلك المفبركة أعلاه مع قبة الصخرة**.. وهؤلاء على كل يحاولون أن يعيشوا بدونك على أموال السياح الكفار القادمين من أميركا وبولندا والتشيك.
أنت بتواجدك الدائم في محيط الحرم القدسي ستجعل مهمة إسرائيل في حفر أساسات الأقصى أصعب. وستضيف المزيد من التعقيدات أمام محاولات القوات تعطيل شعائر الجمعة والعيد، وإجلاء المصلين اعتباطياً وقفل الحدود والمعابر. وجودك أيها العربي هناك وخلال السبعين عاماً الماضية كان سيؤيد مطالبتك بعروبة المدينة، وكان سيوقف تحول العرب أمثالك إلى أقلية ينقص تعدادها ولا يزيد. و كان سينعش الاقتصاد ويحد من البطالة ويزيد من ربط الأرض المحتلة مع باقي الامتداد العربي.

لكن كل هذه “المكاسب” وأكثر لا تعنينا فيما يبدو.. وفي سبيل الهدف الأهم.. والذي أحسب أنه يتمثل في إثبات الموقف وإقامة المبدأ.. مبدأ المقاطعة. وهذا كلام يبدو منطقياً ومشرفاً لأول وهلة.. ثم لا يلبث أن يتضح لك سخفه وعبثيته الفجة بعد قليل من التأمل.

ستقول لي أن السفر إلى إسرائيل هو إقرار بحقها في الوجود وبشرعية سلطتها على القدس؟ سأذكرك بأنهم لا ينتظرون منك أنت مثل هذا الاعتراف. ستقول لي أن إسرائيل دولة مُحتلة؟ إسمح لي أن أنبهك إلى أن إسبانيا ما تزال تحتل مدينتين مغربيتين كاملتين: سبتة ومليلة. تركيا تحتل لواء الاسكندرون كما يرى السوريون، كما وأن الإمارات تطالب إيران بالجلاء عن ثلاثة جزر في عرض الخليج. ستقول لي أن المقارنة عبثية وأن إسرائيل تختلف؟ لن أختلف معك.. لكن تعالَ هنا.. حسبتك منذ البداية تدافع عن محض “مبدأ” ؟!

————
* الحلف بغير الله تعالى منافٍ لكمال التوحيد.
** الصورة مزيفة وغير أصلية. تم تركيبها باستخدام تقنيات كمبيوتر بدائية. وبكلام أوضح فأنا لم أزر القدس.. ولا سورية ولا لبنان، ولا عُمان، ولا محافظة بلقرن بسبت العلاية.